أصـول وحـدود ج 2 كـاملة بقلـم منـي الـسـيد

— “يا إيمان، إخلصي هاتي مفاتيح الفيلا بسرعة! العيال هبطانين من الجوع واللحمة الضاني لسه نية على الشواية!”
عمو فاروق قال الجملة دي بنبرة عادية وبسيطة جداً، لدرجة إني حسيت للحظة إني مش صاحبة المكان، بل مجرد جارة معدية بالصدفة بتسلم عليهم في أول أيام العيد! حكايات مني السيد
وقفت مكاني عند البوابة، متنحة والشنط في إيدي. لثواني، فضلت باصة في صمت للخراب اللي حل ببيتنا أنا وشريف في كام ساعة بس. لحد إمبارح، البيت ده كان هادي، دافي، ريحة الخشب والدهان الجديد لسه تفوح منه.. ودلوقتي، الأرض اللي حواليه بقت مستباحة لعربيات غريبة. عربيات دفع رباعي ضخمة راكنة فوق النجيل الأخضر الجديد اللي زرعناه بإيدينا، وكنا بنسقيه كل يوم وقت العصاري بكل حب وفخر. متوفرة على روايات و اقتباسات
سألت بصوت مرعوش ومذهول:
— “عمو فاروق؟ هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ والعربيات دي راكنة فوق النجيل ليه؟”
ضحك عمو فاروق وهو بيخبط على بطنه وقال:
— “بيحصل إئ إزاي يا بنتي؟ هو مش النهارده أول أيام العيد الكبير ولا إيه! إحنا خلصنا صلاة العيد وجينا كلنا على هنا علطول، طنت ميرفت وتامر وعيلته، وحتى سمير اللي لسه نازل إمبارح من دبي جه معانا! كنا فاكرينكم مستنيينا بعد الصبحية بس ملقيناش حد!”
في اللحظة دي، شريف وقف ورايا من غير ما ينطق بحرف. حسيت بجسمه كله وهو بيتشد ويتخشب. شريف بطبعه هادي وصبور لأبعد حد، بس اللحظة دي كتفت كتافه وخلتها زي الحجر. عينه راحت مباشرة على شواية الفحم الضخمة اللي محطوطة فوق بلاط البورسلين الفاتح بتاع التراس الجديد.. الشرر المتطاير ورماد الفحم كانوا بيسيبوا نقط سودا ومشوهة على الأرضية اللي لسه بتلمع.
من ورا الحيطة ظهرت طنت ميرفت وهي شايلة صينية رقاق كبيرة مغطية بفويل، وقالت بصوت عالي:
— “إيه ده يا شريف؟ واقف مكانك كده ليه يا حبيبي؟ كل سنة وأنتم طيبين! الله! بسم الله ما شاء الله، المكان يجنن بجد! إحنا خلاص قررنا كعيلة، من هنا ورايح كل أعيادنا ومناسباتنا وبح ومشاوي العيد هتبقى عندكم هنا.. لازم نرجع لمتنا القديمة وصوت العيلة!”
همس شريف بنبرة هادية بس تخوف:
— “لمتنا القديمة يا طنت ميرفت؟ بس باين عليكي نسيتي إن اللمة دي زمان كان فيها شقا وتعب مشترك. الصيف اللي فات كله أنا وإيمان كنا هنا لوحدنا بنبني ونعرق تحت الشمس، ومحدش فيكم فكر يرفع معانا طوبة أو يسأل محتاجين إيه.”
لوحت بإيدها وهي بتعدي من جنبي ببرود وقالت:
— “يووه، بلاش نكد بقى في يوم العيد الصبح! العيلة جت بالبهجة والبركة ولازم تفرحوا. يلا افتحوا الأبواب عاوزين نتفرج على البيت من جوه.. تامر قالنا إن الحمام بتاعكم مكلف أكتر من تمن عربيتي!”
الدوشة كانت بتزيد. عيال تامر الصغيرين كانوا بيجروا في كل حتة، ماسكين غصون شجر وبيكسروا في شتلات الياسمين الهندي والورد اللي لسه زارعينها من كام يوم وهم بيلعبوا بمسدسات الخرز. ومن كاسيت واحدة من العربيات، كان شغال تكبيرات العيد متداخلة مع مهرجان شعبي بصوت عالي ومزعج، مغطي على صوت العصافير والهدوء اللي هربنا من زحمة القاهرة بسببه.
وقفت على سلم التراس، وقطعت الطريق على طنت ميرفت وقلت بمنتهى الحسم:
— “محدش هيدخل البيت جوه.”
برقت طنت ميرفت وقالت بذهول:
— “أنتِ بتتكلمي جد يا إيمان؟ مش عاوزه تدخلي خالتك بيتك في العيد؟ ده إحنا جايين وجايبين معانا خير ربنا كله، لحمة الأضحية والرقاق والفتة بالخل والثوم!”
رديت ببرود وثبات:
— “أنا معزمتش حد يا طنت.. لا أنتِ، ولا عمو فاروق، ولا تامر. البيت ده بيتنا، وأنا وشريف كنا عاوزين نقضي العيد ده لوحدنا وبراحتنا بعيد عن الدوشة.”
في اللحظة دي قرب مننا تامر وهو ماسك كوباية شاي وقال وهو بيخبط على كتف شريف بقوة:
— “جرى إيه يا شريف؟ صلوا على النبي كده، ده العيد فرحة وإحنا طول عمرنا عيلة واحدة وبنتجمع في العيد الكبير. جدك الله يرحمه لو كان عايش وشافكم بتطردونا في العيد كان هيقول إيه؟ الأرض دي أصلاً كانت أرضه زمان!”
رد شريف وهو بيبص في عينه مباشرة وبنبرة قاطعة:
— “عليه أفضل الصلاة والسلام.. كانت أرضه يا تامر.. دلوقتي بالورق والقانون دي أرضي، والبيت ده اتبنى بفلوس شقاي أنا ومراتي. أنت جيت مرة شيلت معانا طوبة؟ سألت مرة محتاجين مساعدة والبيت بيتبني؟”
اتحرج تامر وهمس:
— “كل واحد فيه اللي مكفيه ومشاغله بقى…”
هز شريف رأسه بابتسامة سخرية وقال:
— “تمام.. وطبعاً المشاغل دي مابتخلصش غير لما البيت يخلص ويبقى جاهز للمشاوي والفسحة. عموماً، خد عربيتك وطلعها برة النجيل فوراً.. دلوقتي حالا.”
ضحك تامر باستهزاء وقال:
— “يا عم كبر مخك! هو إحنا غرب؟ النجيل هيطلع تاني غيره.. تعالوا بس ناكل لقمة سوا ونهدي النفوس في الأيام المفترجة دي.”
بصيت لشريف، شفايفه كانت مضمومة بقوة وعروق رقبته نافرة.
وقفت وقلت بقوة زلزلت المكان:
— “مفيش لقمة هتتاكل هنا.. لموا حاجتكم وشوايتكم واتفضلوا مع السلامة.”
فجأة، الهدوء حل على المكان كله، لدرجة إن العيال الصغيرة سكتت ووقفت تبص لنا. طنت ميرفت رفعت إيدها لورا وقالت بصوت مكسور ومصطنع:
— “بتطردونا؟ بتطردوا عيلتكم أول يوم العيد يا إيمان؟”
قال شريف:
— “إحنا بس بنطلب منكم تحترموا خصوصيتنا وحدودنا.. المكان ده بيت مقفول على صاحبه، مش متنزه عام للمشاوي.”
كشّر عمو فاروق وقال وهو بيبص لنا بضيق:
— “يا خسارة تربية الجيل ده.. زمان كان العيد يعني البيوت كلها مفتوحة لبعض ومفيش فرق.”
رد شريف ببرود:
— “وزمان برضه كان كله بيشقى مع كله ومحدش بيشيل حموله لوحده.. مكنش حد بييجي على الجاهز عشان يتفسح ويبهدل شقا غيره.”
تامر رزع كوباية الشاي على كبوت العربية وقال بغضب:
— “تمام يا سيدي.. فهمنا. خلاص بقيتوا أصحاب أملاك وناشفين ونسيتوا أهلكوا.”
قلت وأنا باصة في عيونهم:
— “لأ.. إحنا بس اتعلمنا نحمي حاجتنا وتعبنا ونقول “لا” لقلة التقدير.”
بعد نص ساعة، كانت الأرض فضيت تماماً. عربية ورا عربية خرجت من البوابة، وسابت وراها آثار كاوتش سودا غائرة ومحفرة في النجيل المدمر. طنت ميرفت مشيت وهي لية بوزها ومابتنطقش، وعمو فاروق بيبرطم بكلام مش مفهوم عن “قلة الأصول والود”، وتامر حتى مفكرش يبص وراه وهو بيمشي.
لما البوابة الكبيرة اتقفلت ورا آخر عربية، حل هدوء غريب.. تقيل، وبارد زي الحديد.
قعدت على سلم التراس.. النجيل متبهدل، شتلات الزرع مكسورة، وأرضية البورسلين مليانة هباب أسود ودهون متساقطة من فحم الشواية. البيت اللي كان الصبح عنوان للنظام والهدوء، بقى شكله حزين ومطفي في أول يوم العيد. شريف قعد جنبي في صمت، وحط إيده على كتفي. متوفرة على روايات و اقتباسات.
همس وهو بيبص للأرض:
— “زعلان على البلاط الجديد اللي اتبهدل بقع دهون الفحم.”
سندت رأسي عليه وقلت:
— “وأنا زعلانة على النجيل والورد اللي مات قبل ما يفتح.”
فضلنا ساكتين كام دقيقة، بنسمع صوت الهوا وهو بيحرك شجر السرو والياسمين، كأنه بيحاول يمسح ويداري الدوشة اللي حصلت من شوية. شريف قام، جاب المقشة والمنظف وبدأ يكنس ويمسح هباب الفحم والدهون بالراحة ومن غير ما يتكلم. كان قلبي بيوجعني وأنا شيفاه بيصلح تعبه اللي غيره استهتر بيه في ثواني لمجرد “إننا عيلة”.
قال بصوت واثق وهو بيمسح البلاط:
— “هنصلح كل ده.. وهيبقى أحسن من الأول كمان.”
قلت وأنا ببتسم بدموع:
— “أكيد طبعاً.”
تاني يوم بالليل، كانت الدنيا رجعت هادية وشبه نظيفة. كنا قاعدين بنتعشى في التراس تحت الإضاءة الصفراء الدافية، وفجأة سمعنا خبطة خفيفة أوي على البوابة، خبطة مترددة كأن اللي واقف خايف نطردة.
شريف قام وفتح الباب. كانت فريدة، بنت تامر اللي عندها ١٢ سنة، واقفة باصة في الأرض وماسكة في إيدها كارت كرتون مقصوص ومصنوع يدويًا بطريقة بسيطة ومكتوب عليه بألوان خشب.
قالت بصوت واطي ومكسوف:
— “أنا آسفة.. أنا اللي كسرت الشجرة الصغيرة وأنا بجري ورا الكورة.. مكنش قصدي. بابا بيقول عادي ومش مهم بس أنا جيت أقولكم إني آسفة بجد وعيد سعيد عليكم.”
شريف سكت لثواني، وبعدين نزل على ركبه وبقى في نفس مستوى طولها، وقال بحنان:
— “شكراً يا فريدة إنك جيتي.. خطوتك دي كبيرة أوي وتدُل إنك شجاعة وأحسن مننا كلنا.. مش سهل الواحد يعمل الصح لما الكبار يكونوا شايفين عكس كده.”
هزت رأسها وهي بتجفف دموعها، وحطت الكارت في إيدي وجريت بسرعة كأنها خايفة حد من أهلها يشوفها عند بيتنا “المقاطع”. فتحت الكارت، لقيت مكتوب بخط عيل صغير مهزوز: “بيتكم جميل أوي.. متزعلوش مني وكل سنة وأنتم طيبين”.
حسيت بدموعي بتنزل بجد المرة دي من التأثر.
همست لشريف:
— “يمكن لسه فيه أمل في حد من الجيل الجديد ده يفهم يعني إيه أصول وحدود.”
شريف ضمني لدراعه، ولأول مرة من يومين أحس بسلام حقيقي وجوايا هادي. تاني يوم الصبح نزلنا المشتل واشترينا شتلات ياسمين جديدة وزرعناها سوا ومسحنا أثر الإهانة. وبالليل عملنا عشاء هادي لينا احنا الاتنين بس.. فجأنا نفسنا بفتة صغيرة ولحمة محمرة على القد.. من غير صخب، من غير كلام مجاملات ملوش معنى.. كنا إحنا والهدوء وبس. متوفرة على روايات و اقتباسات
بعدها بكام يوم، بعت رسالة لعمو فاروق على الواتساب، هادية ومفيهاش أي غل أو عتاب: “عمو فاروق، كل سنة وحضرتك طيب وبخير. إحنا مش زعلانين منكم، بس رجاءً بلاش زيارات مفاجئة تاني.. إحنا بنحب نعيش في هدوء وبشروطنا وبنقدس خصوصية بيتنا”.
طبعاً مفيش أي رد جالي منه.. والسكوت ده في حد ذاته كان رد كافي جداً ومريح ووضح كل حاجة.
مرت الأسابيع، الشجر الجديد كبر وجذوره ثبتت في الأرض، والنجيل رجع أخضر ومنعش تاني. والبيت رجع له روحه الحقيقية: ملجأ دافي لروحين وبس. أوقات كنت بفكر وأقول لنفسي إن اللي حصل ده كان لازم يحصل عشان نختبر قوتنا ونعرف قيمة الحدود، والهدوء، وقيمة الحاجة اللي بنبنيها بإيدينا.
وفي ليلة، والشمس بتغيب ورا الشجر، قال شريف وهو بيبتسم:
— “عارفة إيه المفارقة؟ هما دلوقتي في كل قعدات العيد واللمّات بيجيبوا سيرتنا ويقولوا إننا ناس ناشفة ومعندناش أصول ولا بنود أقاربنا.. بس الحقيقة إننا اخترنا الأصول والاحترام الحقيقي بدل الفوضى وقلة التقدير اللي بيسموها صلة رحم.”
ضحكت وقلت له:
— “يقولوا اللي يقولوه.. العيلة الحقيقية مش هي اللي بتيجي تاكل لحمة ومشاوي لما البيت يخلص ويبقى جاهز للفسحة.. العيلة بجد هي اللي بتشيل معاك الطوب وأنت لسه بتبني الأساس وتفرح لتعبك وتحترمه.”
رفعنا كبايات الشاي بالنعناع الدافية، وبصينا لبعض.. وفهمت إن دي أول حفلة عيد حقيقية وصادقة تتعمل في بيتنا؛ حفلة هادية، حقيقية، وخالية تماماً من الناس اللي بتخلط بين الود وقلة الاحترام للخصوصية.

