اخويا اتجوز سنة ج 2 حكايات روماني مكرم
وقف الرجل صاحب البدلة الأنيقة في وسط الصالة، يوزع نظراته المتكبرة على جدران شقتنا المتواضعة، وكأن وجوده في هذا المكان يقلل من شأنه. تقدمت “فاتن” نحوه بسرعة وهي تحاول لملمة ارتباكها، وقالت بصوت خافت مسموع:
“أهو أحمد أهو يا مدحت بيه.. ده ابني اللي كلمتك عنه، طالع الأول على المحافظة، بس خالتك وجوزها واكلين عقله ومش عايزين يخلونا نأمن مستقبله ويرجع لحضن أبوه.”
أدار “مدحت” وجهه نحو أحمد، ورمقه بنظرة فاحصة من أسفل إلى أعلى، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ثقة باردة. خطى خطوات بطيئة واثقة ونظر إلى زوجي محمود وقال بنبرة مليئة بالاستعلاء:
“أنا مدحت الشناوي.. وأظن الاسمي غني عن التعريف في الديرة هنا. أنا مقدر يا حاج محمود إنك ربيت وصرفت، والناس هنا ولاد أصول ومبينكروش الجميل، لكن إحنا بنتكلم في مستقبل ولد داخل كلية شرطة، يعني كشف هيئة، وتحريات عائلية، ووضع اجتماعي. الكلية دي مبتقبلش أي حد، والملف بتاع الولد لازم يكون نظيف والظهر بتاعه قوي.. وأنا ظهره.”
كان محمود يقف كالوتد، لم تهزه الكلمات الرنانة ولا النبرة المتعالية. ضغط على يد أحمد التي كانت على كتفه، ورد بصوت جهوري هز أرجاء الشقة:
“أهلاً يا مدحت بيه.. والأسماء الكبيرة بنحترمها لما تحترم بيوت الناس. الولد ده ظهره ربنا اللي حماه وهو حتة لحمة حمراء لما أبوه وأمه رموه. والملف النظيف اللي بتتكلم عنه، أحمد نظفه بأدبه وأخلاقه وبتفوقه اللي خلاه الأول على المحافظة كلها من غير ما حد فيكم يديله قلم أو يشتريله كتاب. اتفضل خدهم واخرج بره، مفيش ورق هيتمضي هنا، ومستقبل أحمد مش للبيع ولا للإيجار في سوق نفوذكم.”
تغيرت ملامح مدحت فجأة، واختفت الابتسامة الباردة لتحل محلها نظرة شرسة. التفت إلى “سيد” وقال له بحسم:
“جرى إيه يا سيد؟ أنت مش قايل لي إنك الأب الشرعي ومعاك شهادة الميلاد وكل الأوراق؟ اخلص وامضي الإقرارات وخد ابنك، أنا معنديش وقت أضيعه في البيوت دي، الناس مستنيانا في القاهرة عشان نخلص إجراءات التقديم والملف يتدبس فيه التوصية.”
تحمس سيد بكلام مدحت، وشعر أن وراءه ظهراً قوياً يحميه، فاندفع نحو أحمد وجذبه من ذراعه بقوة وقسوة وهو يزعق:
“امشي معايا يا واد! مفيش قعاد هنا تاني، أنت اسمك أحمد سيد.. يعني ابني أنا، والورق ده هيمشي غصب عن عين أي حد!”
لم يتحمل محمود هذا التطاول، فدفع يد سيد بقوة وعنف حتى تراجع سيد للخلف واصطدم بمراته الجديدة، وصرخ محمود:
“إيدك لتتكسر قبل ما تلمسه! الولد ده لو قربت منه تاني مش ه تخرج من هنا على رجليك!”
بدأت الأصوات تتعالى، وزوجة سيد الجديدة بدأت تصوت وتلم الجيران، وفاتن تصرخ وتقول: “خاطفين ابني.. عايزين يحرموني من ضنايا بعد السنين دي كلها!”
وفي وسط هذه الفوضى العارمة، تحرك أحمد. لم يكن خائفاً، بل كان يتأمل الوجوه بعينين ثاقبتين، وكأنه يدرس القضية بدقة. وقف بين محمود وسيد، ونظر إلى “مدحت بيه” مباشرة، وبصوت هادئ ومسموع قال:
