أخويا اتجوز سنة ج 3 والاخير حكايات روماني مكرم
#
تحول وجه محمود إلى شاحب كالموت، وارتجفت يده التي يمسك بها الهاتف، بينما كانت عيناه مثبتتين على أحمد وعمي الحاج عبد الحميد. ساد الصمت في الصالة مجدداً، ولم نكن نسمع سوى الأنفاس المتلاحقة.
أغلق محمود الهاتف ببطء، ونظر إليّ بنظرة مكسورة، ثم قال بصوت متحشرج:
“سيد وفاتن مش ناويين يجيبوها لبر.. بعتوا ناس يهددوا بفضايح، وبيقولوا إنهم بعتوا شكاوى رسمية لـمكتب تنسيق كليات الشرطة والجهة المختصة بالتحريات.”
وقف عمي الحاج عبد الحميد وضغط بعصاه على الأرض وقال بغضب:
“شكاوى بإيه يا محمود؟ ورقنا سليم والولا طالع الأول، والقانون معانا!”
رد محمود والهم يملأ وجهه:
“بالمشاحنات العائلية يا حاج.. كاتبين في الشكاوى الكيدية إن الولد عايش في بيئة غير مستقرة، وإن فيه نزاع قضائي وأسري على نسبه ورعايته، وإن أبوه وأمه بيطالبوا بيه وهو رافضهم. أنت عارف كشوف الهيئة والتحريات في الكلية دي بالذات.. مبيرضوش يدخلوا نفسهم في متاهات، وأي شبهة أو شوشرة عائلية، حتى لو كدب، ممكن تخلي الملف يتأرشف والولد يستبعد من البداية عشان يتجنبوا وجع الدماغ!”
سقطت الكلمات علينا كالمطر الثلجي. أحمد، الذي كان يملأه الحماس، انطفأت عيناه فجأة وجلس على أقرب مقعد، يضع رأسه بين يديه. كل طموحه، وتعبه طوال السنين الماضية، وسهره ليكون الأول على المحافظة، كان مهدداً بالضياع بسبب حقد شخصين لم يقدما له في حياته سوى الخذلان.
قعدت جنب أحمد، أخذته في حضني وبكيت:
“حرام عليهم.. عايزين يموتوه وهو حي؟ تمنتاشر سنة رامينا ومسألوش، ودلوقتي لما جه يفرح ويشيل راسنا، عايزين يكسروا ضهره؟”
هنا وقف أحمد فجأة. اختفت دموعه وحلت محلها نظرة غريبة، نظرة رجل وضعته الظروف في فوهة المدفع فقرر ألا يموت مستسلماً. نظر إلى محمود وإلى عمي وقال بقوة:
“محدش هيكسرني.. ولا هما ولا شكاويهم. الكلية دي أنا هدخلها، مش بس عشان حلمي، عشان أثبت ليهم وللدنيا كلها إن ابن الأصول اللي اتربى صح بيكسب في الآخر. يا عمي.. الورق والوصاية القانونية اللي معاك تطلع فوراً، وإحنا مش هنستنى التحريات تجيلنا، إحنا اللي هنروح ليهم.”
التفت عمي إليه بفضول: “قصدك إيه يا ولد؟”
أحمد رد بثقة:
“إحنا هناخد ملف التفوق بتاعي، مع ورق الوصاية وأحكام المحكمة القديمة اللي بتثبت إهمالهم وتخلي الحاج محمود هو ولي أمري، وهنطلب مقابلة سيادة اللواء مدير مكتب القبول والتنسيق شخصياً أو نقدم التماس مسبق. هنحط الحقيقة كاملة على الترابيزة قبل ما هما يلوثوا اسمي بشكاويهم الكدابة. الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع.”
لم نضيع دقيقة واحدة. في الصباح الباكر، ارتدى أحمد بدلة أنيقة، وأخذ عمي حقيبته الجلدية، وتحركوا جميعاً برفقة محمود نحو مقر التقديم بالقاهرة، وكأنهم داخلون إلى معركة حياة أو موت.
بقيت في البيت أدعو الله بقلب ينفطر، أصلي وأبكي وأتوسل أن ينصر الله هذا اليتيم الذي قست عليه الدنيا.

