الممرضه ج 1 حكـايات رومـاني مكـرم
بعد وفاة جوزي، الممرضة ادتني مخدة وردي وقالتلي:
“جوزك كان بيخبيها كل مرة قبل ما تيجي تزوريه.”
عندي ٥٥ سنة، وكنت متجوزة سامح بقالنا تقريبًا ٢٥ سنة.
كنا عايشين حياة هادية ومستقرة… أو على الأقل ده اللي كنت فاكراه.
لكن من أسبوعين، سامح وقع فجأة في البيت واتنقل المستشفى.
أسبوعين كاملين، دكاترة وتحاليل وأجهزة… ومحدش عارف ماله.
كان نايم على السرير ساكت بشكل غريب، أهدى بكتير من أي وقت شوفته فيه.
كنت بروحله كل يوم. أقعد جنبه، أمسك إيده، وأتكلم في أي حاجة… عن أيامنا، عن العيال، عن الذكريات… أي كلام يبعدنا شوية عن كومة الفواتير اللي كانت مستنياني في البيت.
بس سامح ماكنش طبيعي.
كان أوقات يبصلي بنظرة غريبة… كأنه شايل سر تقيل ومش قادر ينطق بيه.
ومن تلات أيام، الدكاترة قالوا إنه لازم يدخل عملية طوارئ فورًا.
بست جبينه ووعدته إني هكون أول واحدة يشوفها لما يفوق.
دي كانت آخر مرة أشوفه عايش.
بعدها بساعة… تليفوني رن.
“يا مدام، لازم تيجي المستشفى حالًا.”
لما وصلت… كان خلاص راح.
لحد دلوقتي فاكرة صوت صريخي وأنا برجّيه يصحى. حسيت وقتها إن الدنيا كلها اتهدت فوق دماغي.
بس ده ماكنش أسوأ شيء.
الممرضة بتاعته كانت واقفة مستنياني في الطرقة. وشها كان شاحب ومتوتر.
بدل ما تديني ساعته أو محفظته…
كانت شايلة مخدة صغيرة لونها وردي، شكلها قديم ومشغولة بإيد.
بصتلها باستغراب وقلت: “دي مش بتاعة سامح.”
ترددت شوية… وبعدين قالت بصوت واطي: “لا… دي بتاعته فعلًا. كان مخبيها تحت السرير. وكل مرة قبل ما تيجي، كان يوصينا نبعدها عنك.”
حسيت ببرودة سرت في جسمي كله.
قلت بقلق: “ليه؟”
الممرضة بصت حواليها قبل ما تهمس: “عشان الحاجة اللي جواها.”
إيديا بدأت تترعش وهي بتحط المخدة في حضني.
وقالت بهدوء: “افتحي السوستة… لازم تعرفي الحقيقة.”
وسابتني ومشيت.
فضلت قاعدة في العربية أكتر من عشرين دقيقة، باصة للمخدة ومش قادرة أفتحها.
قلبي كان بيدق بعنف.
#الكاتب_رومانى_مكرم
وبصعوبة… مسكت السوستة وفتحتها ببطء.
دخلت إيدي جواها…
وفجأة لمست حاجة ساقعة وخشنة.
طلعتها واحدة واحدة…
وأول ما شفتها…
وأول ما شفتها… حبست أنفاسي ومبقتش قادرة أصدق عيني.
طلعت علبة قطيفة حمراء قديمة، مربوطة بشريط حرير متبهدل، ومعاها نوتة صغيرة بجلدة سوداء متآكلة.
فتحت العلبة بإيد بتترعش… كان جواها غويشة دهب عريضة، بنقشة قديمة جداً، وجنبها دبلة فضة رجالي مكتوب عليها من الجوا بحروف محفورة: *(سامح ونادية – ١٩٩٥)*.
نادية؟ مين نادية؟ إحنا اتجوزنا سنة ٢٠٠١، وعمري ما سمعت الاسم ده في حياتي! ٢٥ سنة جواز كنت فاكرة فيهم إني أول وأخر ست في حياته.
بسرعة فتحت النوتة السوداء، وكان خط سامح… خطه اللي حافظاه صم، بس الكلام كان كأنه مكتوب بدموعه. فتحت أول صفحة وقريت:
“نادية… النهاردة عدا سنة على غيابك. لسه مش قادر أسامح نفسي إني مكنتش جنبك وأنتِ بتولدي. لسه صوتك بيرن في ودني وأنتِ بتقوليلي متسيبنيش يا سامح. بنتنا كبرت يا نادية… بس أنا اضطريت أبعدها… عشان مصلحتها.”
