حـق لا يمـوت ج 2 حكايات منـي الـسـيد

## الفصل الثالث: خيوط العنكبوت
الصوت ده.. الصوت الناعم، الأرستقراطي، اللي طالع من سماعة التليفون وهو بينضح بالفزع، رن في دمي زي الكهربا. مكنتش محتاجة عبقرية عشان أفتكره، النبرة دي سكنت ودني لمدة تلات سنين في كل مناسبة، في كل عزومة، وفي كل قعدة عائلية اتفرِضت عليا.
ده صوت **شريفة هانم الهواري**.. عمة طارق، الست الكبيرة اللي ممشية العيلة كلها على عجين متبلخطوش، اللي لما بتدخل مكان الكل بيقف لها انتباه. الست اللي كانت دايماً بتبص لبنتي مريم من فوق لتحت، كأنها حتة أرض اشتروها بفلوسهم وندمانين على ثمنها.
الظابط حازم لقط نظرة عيني وعملي إشارة بصباعه على بوقه عشان أفضل ساكتة. شاور للعسكري اللي معاه بسرعة عشان يلقط إشارة التليفون ويحدد المكان. الصوت رجع تاني من السماعة، والمرة دي كان أشرس وأسرع: “طارق! رد عليا أنت فين؟ الولد عمال يعيط وأنا مش عارفة أسكته.. اخلص وقولي أتحرك من الممر الخلفي ولا لاء؟!”
الظابط حازم غيّر نبرة صوته، وبحرفية ظابط مباحث متمرس، اتكلم بصوت واطي ومخنوق كأنه بينهج: “يا فندم.. طارق بيه مش عارف يتكلم حالياً.. الدنا مقلوبة في الدور فوق، خليكي مكانك ومتتحركيش بالعربية لحد ما نأمن لك السكة”.
“أنت مين؟” الصوت اتقطع فجأة بنبرة شك قاتلة. شريفة هانم مش غبية، حست إن النبرة مش نبرة رجالة طارق. “طارق فين؟ أنتوا مين؟!” متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات
الخط قطع. تيت.. تيت.. تيت.
الظابط حازم ضرب كف على كف وزعق في العسكري: “لقطت المكان؟”
العسكري بص في الجهاز الصغير اللي معاه وقال بسرعة: “أيوة يا فندم، التليفون لسه جوة نطاق المستشفى، تحديداً في الإشارة ورا الملحق الطبي ب، عند الجراج المفتوح بتاع الإدارة”.
“معايا بسرعة!”، الظابط حازم خرج جري من الأوضة، ووراه اتنين عساكر مس*دساتهم في إيديهم. طارق والدكتور رفعت كانوا واقفين برة تحت حراسة أمين شرطة، طارق لما سمع صوت عمته طالع من التليفون، وشه اتقلب أزرق، وبص للأرض كأنه بيلعن الحظ اللي جابني وجاب الشرطة في اللحظة دي.
أنا مكنتش قادرة أقف مكانب. رجلي سحبتني ورا الظابط. أبلة ماجدة مسكتني من دراعي: “رايحة فين يا كريمة؟ استني هنا جنب بنتك”.
“بنتي في أمان هنا يا ماجدة”، قلتها وأنا بدمع، والغل مالي قلبي، “لكن حفيدي برة مع الحرباية دي.. مش هقعد هنا والنار بتأكل في صدري.. لازم آجي معاكي”.
ماجدة بصت لي بنظرة فهم، الست دي عاشت في المحاكم وشافت قلوب الأمهات لما بتتحول لـ صخر. سابت دراعي وقالت: “طب يلا.. بس ورايا وفي ضهري”.
نزيلنا جري من السلم الخلفي اللي ريحته رطوبة وعفن، السلم اللي بيودي على ورا المستشفى، الحتة اللي مبيعديش منها غير عمال النظافة وسيارات نقل الموتى. الهوا البارد بتاع الليل خبط في وشي أول ما فتحنا الباب الحديد الصديان.
المكان ورا كان ضلمة، عبارة عن ساحة ترابية واسعة فيها شوية شجر دبلان، وفي آخرها الجراج المخصص لدكاترة الإدارة وعربياتهم الشيك. في النص، كانت واقفة عربية مرسيدس سودا، مفيهاش ولا لقمة نور، فوانيسها مطفية، والزجاج الفاميه بتاعها مسوّد الدنيا أكتر.
الظابط حازم شاور لرجالته بالراحة. انتشروا حوالين العربية زي الضلال. قربنا أنا وأبلة ماجدة ووقفنا ورا سور شجري قصير. قلبي كان بيدق زي طبول الحرب. في اللحظة دي، سمعت الصوت.
صوت عياط واطي.. مخنوق.. صوت صرخة طفل لسه مولود، حنجرته لسه يدوب بتجرب الهوا. الصوت ده اخترق ضلمة الليل ونزل على قلبي برد وسلام. عايش! الواد عايش وبيتنفّس برة بطن أمه!
فجأة، نور الفانوس الداخلي للعربية نور. شريفة هانم كانت قاعدة ورا، شفتها من الزجاج الأمامي وهي بتلفت حواليها برعب، كانت لافة العيل الصغير في بطانية صوف بيضا، وبتحاول تكتم بوقه بإيدها وهي بتزعق للسواق اللي قدام: “دور العربية واطلع.. اطلع اِكسر البوابة دي.. في حاجة غلط!”.
“اثبت مكانك أنت وهي! الشرطة محاصرة المكان!”، الظابط حازم صرخ وهو بيطلع مس*دسه وبيوجهه ناحية الزجاج الأمامي للعربية. العساكر حاصروا الأبواب الأربعة، وواحد منهم ضرب بكعب بندقيته على إزاز السواق: “انزل وارفع إيدك برة!”.
السواق فتح الباب ونزل وترمى على الأرض وهو بيترعش: “ماليش دعوة يا باشا.. أنا سواق الهانم والله ماليش ذنب في حاجة!”.
الباب الخلفي للعربية اتفتح ببطء. نزلت شريفة هانم الهواري. هيبتها اللي كانت بتخوف عائلات، كانت متهدمة. شعرها الأصفر المصبوغ كان منكوش، وجاكت البدلة الشيك بتاعتها كان متبهدل، بس عينيها كانت لسه فيها النبرة المتكبرة الناشفة. كانت ماسكة العيل في حضنها وقافلة عليه كأنها بتتحامى فيه.
“أنت بتكلم مين كدا يا ظابط أنت؟” شريفة زعقت وصوتها اتهز بس حاولت تداريه: “أنت عارف أنا مين؟ أنا شريفة الهواري! أنت إزاي تتجرأ توجه س*لاحك ناحية عربيتي؟ أنا معايا حفيد عيلتي، والولد ده أمه ماتت جوة وإحنا بناخده لرعايتنا!”.
“حفيد عيلتك؟” طلعت من ورا الشجر وزعقت فيها، وصوتي شرخ صمت الجراج: “بنتي مامتتش يا شريفة! بنتي مريم عايشة جوة وبتتنفس! وأنتي وجميلك الحرامي طارق كنتوا بتسرقوا ابني وبتقولوا إنه مات!”.
شريفة أول ما شافتني، عينيها وسعت، وبصت ورايا لـ أبلة ماجدة. عرفتها. الستات الكبار في السن من الطبقة دي يعرفوا بعض بالاسم. “ماجدة السيوفي؟ أنتي إيه اللي جابك هنا؟ وإيه التهريج اللي بيحصل ده؟”.
أبلة ماجدة تقدمت بخطوات ثقيلة وحاسمة، وقفت قدامها وقالت ببرود قاتل: “التهريج ده اسمه جناية خطف طفل حديث الولادة، وتزوير ورق رسمي، واحتجاز أنثى بدون وجه حق، يا شريفة هانم. والظابط اللي واقف قدامك ده مش هيهمه اسم عيلتك ولا فلوسك لما يلاقي الج*ريمة متلبسة في حضنك”.
الظابط حازم قرب ومد إيده: “هاتي الطفل يا فندم بالذوق.. هاتي الطفل عشان متتحمليش مقاومة سلطات فوق القض*ية اللي أنتي لبساها”.
شريفة بصت حواليها، لقت السكة سدت بالكامل. العساكر محاوطينها، السواق على الأرض، وماجدة السيوفي واقفة بتسجل كل حركة بـ عين القاضي. ببطء، وبقرف شديد، مدت إيدها بالبطانية.
أنا منتقلتش.. أنا طرت. أخدت الولد من حضنها.. حطيته في صدري.
يا الله.. السخونة اللي طلعت من جسمه الصغير ودخلت قلبي، دفت سنين عمري كلها. بصيت في وشه.. حتة سكرة صغنونة، وشه أحمر ومكرمش، وعينيه مقفولة وبيعيط بصوت واطي. شميت ريحته.. ريحة المية بتاعة ربنا، ريحة البراءة اللي كانت هتروح في داهية بسبب طمع وجشع الناس دي. وبقيت أقول وأنا ببكي: “يا حبيبي.. يا قلب تيتة.. أنت هنا.. أنت في أمان يا واد مريم”.
الظابط حازم كلبش شريفة هانم ووراها السواق، وأمر العساكر يركبوهم البوكس اللي دخل الجراج بصوت سرينته اللي هزت الحتة.
رجعنا تاني على المبنى، كنت شايلا الولد ومرعوبة حد يلمسه أو ياخده مني. طلعنا للدور اللي فيه مريم. أول ما وصلنا، لقيت الممر مقلوب. دكاترة تانين وممرضات من دور الأطفال المبتسرين كانوا جايين جري، ومعاهم جهاز حضانة متنقل.
“الحاجة كريمة.. هاتي الطفل بسرعة”، ده كان صوت دكتور شاب، باين على وشه الاحترام والنظافة، مش زي الدكتور رفعت. “أنا الدكتور شريف، رئيس قسم الأطفال هنا. الممرضة سعاد بلغتني بكل اللي حصل. الولد ده محتاج يدخل الحضانة فوراً، نزل قبل معاده ومحتاج أكسجين ورعاية طبية عاجلة”.
خفت.. قفلت إيدي على البطانية أكتر: “مش هسيبه.. مش هسيب حد ياخده”. حكايات مني السيد
أبلة ماجدة قربت مني وطبطبت عليا: “اديه له يا كريمة.. الدكتور شريف ملوش دعوة بيهم، والشرطة واقفة معاه. لازم يطمنوا على الواد”.
سلمت الولد للدكتور، وقلبي كان بيتسحب مع عربية الحضانة وهي بتتحرك بسرعة ناحية العناية المركزة للأطفال.
في نفس الوقت، الظابط حازم كان واقف مع طارق والدكتور رفعت في الممر. طارق كان لسه بيحاول يلعب دور الضحية، أول ما شافني داخلة، صرخ: “يا فندم.. حماتي دي مجنونة.. والست الممرضة دي أنا هقاضيها بتهمة التشهير وبلاغ الكذب! أنا ابن الهواري.. أنا هخطف ابني ليه؟ إيه المنطق في كده؟!”.
الظابط حازم بص لـ طارق باحتقار وقال: “المنطق ده والسبب هتقوله في النيابة يا طارق بيه.. عمتك شريفة هانم اتقبض عليها في الجراج والطفل كان في حضنها جوة العربية، يعني مكنش في الثلاجة زي ما الدكتور رفعت قال. فوفّرو الكلام ده كله لـ محضر التحقيق”.
أنا سبتهم ودخلت الأوضة لـ مريم. البنج بدأ يروح أكتر، ومريم كانت صاحية، بتلتفت برقبتها يمين وشمال ودموعها مغرقة المخدة. أول ما شافتني داخلة، حاولت تقعد على السرير بس آهات الوجع من جرح العملية منعتها. “ماما.. ابني فين؟ شفتيه؟ طارق عمل فيه إيه؟”.
قعدت على طرف السرير، أخدت راسها في حضني وبقيت أملس على شعرها: “الولد سليم وزي الفل يا مريم.. الولد في الحضانة دكاترة بجد بيراعوه.. والشرطة قبضت على طارق وشريفة عمتو والدكتور الحرامي”.
مريم بكت.. بكاء طويل، بكاء مرير، كأنها بتغسل تلات سنين من الخديعة والوهم اللي عاشت فيهم مع الراجل ده. لما هديت شوية، بصت لي وعينيها فيها علامات استفهام تخوف: “ماما.. أنا لازم أقولك على حاجة.. طارق مكنش عايز الولد ده يطلع للدنيا باسمي”.
“يعني إيه يا بنتي؟” سألتها وأنا مش فاهمة.
مريم بلعت ريقها بصعوبة وقالت: “من ست شهور.. طارق جابلي ورق كتير وقالي اِمضي عليه عشان نشتري الأرض الجديدة اللي في التجمع. أنا وثقت فيه ومضيت من غير ما أقرا. بس من أسبوع، بالصدفة، وأنا بنظف مكتبه، لقيت نسخة من الورق ده.. طارق مخليني أمضي على تنازل عن كل ورثي من بابا، والتنازل ده لصالح شركاته هو وعمته شريفة. ومش بس كده.. لقيت عقد غريب جداً.. طارق مأجر رحم ست تانية برة مصر، والعقد مكتوب فيه إن الطفل اللي هيتولد من مريم.. هيتسجل باسم الست التانية دي!”.
جسمي سقع.. “ليه؟ يعمل كل ده ليه؟”.
“عشان جدي الكبير.. الحاج عاصم الهواري”، مريم قالت وصوتها بيرتعش: “كتب في وصيته إن نصيب طارق في المحلات والأراضي الكبيرة في وسط البلد، مش هيتنقل لاسمه ولا يقدر يتصرف فيه، إلا لو خلف ولد يحمل اسم العيلة من زوجة تكون من عائلة الهواري! شريفة عمتو متجوزة برة العيلة، وطارق اتجوزني أنا ومكنتش عاجباهم. فالخطة كانت إنهم ياخدوا الولد، ويسجلوه باسم بنت عم طارق اللي عايشة في دبي ومبتخلفش، عشان الورث كله يتفك والفلوس تدخل جيب طارق وشريفة.. وأنا اطلع من المولد بلا حمص.. ويقولوا إني موت وأنا بولد والواد مات معايا!”.
أنا كنت بسمع الكلام وضغطي بيعلى، الدم بيغلي في عروقي. اللعبة مكنتش مجرد سرقة عيل.. دي مؤامرة قذرة، تزوير في أنساب، وسرقة ورث، وق*تل بالبطيء لـ بنتي عشان الفلوس! الملايين عمت عينيهم لدرجة إنهم يرموا أم في الترب وهي صاحية ويحرموها من ضناها!
في اللحظة دي، دخلت أبلة ماجدة الأوضة، ووشها كان قلقان، ماسكة تليفونها في إيدها. بصت لي وقالت: “كريمة.. لازم نيجي مع الظابط حازم حالاً على قسم الدقي عشان نسجل الأقوال رسمي والنيابة هتبدأ التحقيق الفجر. بس في مصيبة تانية حصلت برة”.
“مصيبة إيه تاني يا ماجدة؟” سألتها بنفاذ صبر.
“المستشفى.. مستشفى الصفا التخصصي طلع مش ملك الدكتور رفعت لوحده. عائلة الهواري شريك بنسبة 40% في المستشفى ده من خلال شركات تانية. وأول ما خبر القبض على شريفة وطارق انتشر، في محامين كبار جداً وصلوا القسم دلوقتي ومعاهم تليفونات من جهات تقيلة بيحاولوا يلموا الموضوع ويوجهوا التهمة كلها للدكتور رفعت والممرضة سعاد على إنه (خطأ طبي وفردي)، وعايزين يخرجوا طارق وشريفة بكفالة على ذمة التحقيق بحجة إن مفيش دليل رسمي إنهم كانوا بيخطفوا الواد!”.
وقفت على رجلي، وجسمي كله مشدود زي الوتر: “مفيش دليل؟ والولد اللي كان في عربية شريفة في الضلمة ورا المستشفى ده إيه؟ والأسورة اللي في جيبي دي إيه؟”.
“المحامين بتوعهم أذكياء يا كريمة”، ماجدة قالت بنبرة خوف حقيقية: “بيقولوا إن شريفة هانم كانت بتاخد الولد تنقله لمستشفى تاني لإنقاذ حياته بعد ما الدكتور رفعت قالها إن الأجهزة هنا بايظة، وإن طارق مكنش يعرف بحكاية المخدات اللي على السرير وكان فاكر مراته ماتت فعلاً من كلام الدكاترة. هيلبسوها كلها للدكتور والممرضة.. ولو طارق وشريفة خرجوا الصبح.. مريم وابنها مش هيكونوا في أمان.. الناس دي معاها نفوذ يهد جبال”.
بصيت لـ مريم اللي كانت بتبكي على السرير، وبصيت لنفسي في الإزاز.. كريمة نصار، الست اللي عاشت طول عمرها في حالها، بتربي بنتها بعد موت جوزها، ومبتعرفش في المشاكل. بس الليلة دي غيرتني. الليلة دي خلقت مني حد تاني خالص.
“مش هيخرجوا يا ماجدة”، قلتها بصوت ناشف وزي الحديد، “لو هقعد على باب النيابة بـ طشت دم.. مش هسيب حق بنتي وحفيدي. يلا بينا على القسم”.
خرجنا من الأوضة، الممر كان فضي تماماً من الشرطة، طارق وشريفة والدكتور رفعت أخدوهم في البوكسات على القسم. سيبنا مريم تحت حراسة اتنين عساكر تبع الظابط حازم ودكتور شريف الطيب اللي وعدني مش هيسيب الولد ثانية واحدة.
ركبنا عربية أبلة ماجدة واتحركنا في شوارع القاهرة اللي بدأت تفضي في الهزيع الأخير من الليل. الدنا كانت هادية من برة، بس جوة قلبي كان في بركان شغال.
وصلنا قسم الدقي.. المكان كان زحمة على غير العادة في الوقت ده. برة القسم كان واقف تلات عربيات مرسيدس وبي إم دبليو، ورجالة بلبس شيك جداً، محامين بشنط جلد غالية، بيتكلموا في التليفونات بنبرات صوت عالية وأوامر.
دخلنا جوة.. في مكتب رئيس المباحث، كان قاعد الظابط حازم، وقدامه طارق الهواري قاعد وحاطط رجل على رجل، وبيدخن سيجارة بكل برود، وكأن المكان بتاعه. وشريفة هانم كانت قاعدة على كرسي جلد، وواقف وراها محامي عجوز، شعره أبيض ونظرته خبيثة جداً.
أول ما دخلت، طارق بصلي وابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة ثقة مسمومة، كأنه بيقولي: “وريني هتعملي إيه يا حماتي”.
المحامي العجوز تقدم خطوة وبص للظابط حازم وقال بنبرة واثقة: “يا فندم.. إحنا قدمنا الطلب خلاص، والتقرير الطبي الاستشاري من دكاترة المستشفى التانيين بيقول إن حالة المريضة مريم نصار كانت تستدعي عزل طبّي تام، والطفل كان محتاج نقل سريع لغرفة رعاية مركزة مش متوفرة في القسم القديم. موكلي طارق بيه وشريفة هانم مكنش عندهم أي نية إجرامية، والموضوع كله سوء تفاهم ناتج عن بلاغ كاذب وانفعالي من الحماة. وإحنا بنطلب إخلاء سبيلهم حالاً بضمان مالي أو محل الإقامة”.
الظابط حازم بص لـ أبلة ماجدة ولي، ووشه كان باين عليه الضغط.. المحامي بيتكلم بالقانون، والورق اللي معاهم متقفل صح.
في اللحظة دي، أبلة ماجدة لفتت ووقفت في نص المكتب، فتحت شنطتها وطلعت جهاز تسجيل صغير جداً، حطته على مكتب رئيس المباحث وقالت: “ده تسجيل للمكالمة اللي دارت بين طارق الهواري وبين والدة مريم الساعة 4:38.. اللي بيقولها فيها بلفظ صريح (بنتك ماتت وهي بتولد.. البقاء لله). لو كان الموضوع نقل طبي زي ما الأستاذ بيقول.. كان كدب ليه وقال إنها ماتت؟”.
المحامي العجوز ضحك بسخرية: “التسجيلات الصوتية غير المأذونة من النيابة يا سيادة المستشارة، لا قيمة لها في المحكمة وتعتبر باطلة.. أنتي أستاذتنا وعارفة الكلام ده كويس”.
طارق نفخ دخان سيجارته وبصلي وقال بنبرة تحدي واضحة: “قولتلك يا طنط.. الصدمة مأثرة عليكي.. روحي روحي بيتك واعملي الرز بلبن اللي مريم بتحبه.. وسيبيلنا ابننا نربيه بمعرفتنا”.
دمي فار.. الغضب عما عيني. مكنتش سامعة كلام القانون ولا البطلان. كنت شايفة الشيطان واقف قدامي وبيضحك في وشي ويهددني ياخد حفيدي مني بعد الصبح. قربت من مكتب الظابط، خبطت بإيدي الإتنين على الخشب وزعقت: “القانون بتاعكم باطل لو هيخرج المجرمين دول! أنا معايا الأسورة.. ومعايا شهادة الممرضة.. ومعايا…”.
قبل ما أكمل الكلمة، الباب بتاع المكتب اتفتح بقوة.
دخل عسكري وهو بينهج، وبص للظابط حازم وقال بصوت مسموع للكل: “يا فندم.. في دكتور جيه برة ومصمم يدخل حالاً.. دكتور من نفس المستشفى ومعاه حاجة خطيرة تخص الق*ضية دي!”.
التفتنا كلنا ناحية الباب.. طارق وقف وسيجارته وقعت من إيده.. والمحامي العجوز وشه اتغير.. مين اللي جيه في الوقت ده؟ وإيه الحاجة الخطيرة دي؟
حكايات مني السيد
