أنا اتجوزت عشان أرتاح، مش عشان أروح أتهد في الغيط والبيت ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

«أنا اتجوزت عشان أرتاح، مش عشان أروح أتهد في الغيط والبيت في البلد!».. قالتها ياسمين وهي على آخِرها: «خلي مامتك تشوف حد تاني يساعدها يا إبراهيم».
ياسمين كانت بتمرر صباعها على شاشة الموبايل، وتتفرج على صور فنادق الغردقة وشرم الشيخ. مية زرقاء، رملة بيضاء، وعصير فريش على البيسين.. هو ده كل اللي كانت بتحلم بيه بعد سنة طافحة فيها الدم في مكتب المحاسبة. ميزانيات وضرايب وتقفيل حسابات خلوا حياتها لونها رمادي، ومكنش مصبرها على المر ده كله غير أمل أسبوع المصيف.
«إبراهيم، بص الفندق ده!».. ندهت على جوزها وهي بتوريه الشاشة: «أول إنكلوزيف (كل حاجة شاملة)، وفيه سبا ومساج وملاهي مائية.. ممكن نحجز النهاردة علطول».
إبراهيم شال عينه من على ماتش الكورة بالعافية، وبص على العرض بلوية بوز: «غالي أوي يا ياسمين.. وبعدين إيه لازمتها الفنادق دي؟ ما تيجي نسافر لأمي في البلد (الشرقية). هناك هدوء حقيقي، وهوا نضيف، وخير ربنا كتير.. الطبيعة والخضرة هناك تفك الجسم أحسن من مية سبا!».
ياسمين حست بقلبها اتقبض وخيبة أمل غسلتها من فوق لتحت. بلد إيه وأرض إيه اللي أروحها بدل البحر؟ وجلابية وطبيخ بدل المايوه والفستان؟ مش ده خالص اللي كانت بتحلم بيه طول الشهور اللي فاتت.
«يا إبراهيم أنا عايزة أرتاح.. عايزة أنام، أتمدد، مأعملش أي حاجة في دنيتي».
إبراهيم استغرب وقال ببرود: «ومين قالك إنك مش هترتاحي في البلد؟ هوا نضيف، وخير، وهتروحي تقعدي في الجنينة وتاكلي فاكهة من الشجر. أمي قاعدة لوحدها وتعبانة ومحتاجانا نساعدها. ده هو أسبوع واحد، فكري في الثواب وفرحة أمي بينا!».
المنطق بتاعه كان من النوع اللي ميتفوتش وميعرفش يرد عليه. ياسمين استسلمت، ورغم إن قلبها كان واجعها، قالت لنفسها: “يمكن فعلاً الخضرة تريح أعصابي والوقت يعدي قوام”.
## الصدمة في “البيت الكبير”
بعد كام يوم، كانوا قاعدين في القطار المتجه للبلد. الغيط والشجر بيمروا من الشباك، وياسمين لسة بتمني نفسها إن الرحلة متبقاش سواد كحل زي ما هي متوقعة.
الحاجة غالية، والدة إبراهيم، كانت مستنياهم في المحطة. ست صعيدية/فلاحية شديدة في الستين من عمرها، بس صحتها الله أكبر عليها؛ وشها شربان من الشمس، وإيديها قوية، وعينيها بتلقط الدبة الطايرة.
«يا مرحب! خطوة عزيزة!».. حضنت ابنها ومراته بقوة: «كنت فاكراكم هتخلعوا وموش جايين».
«إزيك يا أمي؟ وحشاني».. إبراهيم باس إيدها وخدها.
«الحمد لله يا بني، البيت مبيفضاش والطلبات مابتخلصش. الزرع عايز يتسقي، والسطح متبهدل، والفراخ والبط عايزين علف، وعندي غسيل سجاد قد كده!»
ياسمين كانت بتسمع اللستة دي والدم بيهرب من عروقها.. عرفت إن “الإجازة” اتدبحت على عتبة البيت. بس حاولت تبلعها وقالت يمكن الشغل الحركي يفك جسمها من قعدة المكاتب.
بيت الحاجة غالية كان في أول البلد؛ بيت كبير مبني بالطوب الأحمر، وراه جنينة واسعة وفيها حظيرة مواشي وقن فراخ وبط. البيت كان محتاج إيد شغالين فيه طول الوقت، والحاجة غالية واخدة على إنها تعمل كل حاجة بنفسها وتستخسر تجيب حد غريب.
«ادخلوا غيروا هدومكم وارتاحوا النهاردة».. الحاجة غالية شاورتلهم على الأوضة: «ومن النجمة بكرة، ورانا شقى مبيخلصش».
أول ليلة عدت هادية. عشا فلاحي أصيل؛ فطير مشلتت وجبنة قديمة وعسل ونوم بدري، ياسمين بدأت تحس براحة وتقول: “الموضوع مش مرعب أوي كده”.
## طابور الصباح.. الساعة 6!
لكن الساعة 6 الصبح، الباب اتخبط بخبطات تهد الحيط.
«ياسمين! يا ياسمين! قومي يا حبيبتي الشمس طلعت ووراكي كوم شغل».
ياسمين فتحت عينيها بالعافية، لقت إبراهيم نايم في سابع نومة ومغطس راسه تحت اللحاف.
«يلا يا مراتي ابني».. لحت الحاجة غالية: «قومي عشان تكنسي السلم وتغسلي الحوش وتجهزي المحشي عشان نلحق نولع عليه. سيبي إبراهيم نايم، الراجل جاي شقيان وسهران في السفر ومحتاج يرتاح».
ياسمين قامت وجسمها مكسر من السرير الناشف والأوضة المكتومة. وهي لسة مبحلقة ومش فايقة، لقت نفسها واقفة في الحوش والخرطوم والمقشة في إيدها.
«اكنسي بضمير يا ياسمين».. الحاجة غالية كانت واقفة فوق راسها: «بنات المدارس والمكاتب بتوع الأيام دي بيعملوا الحاجه كروكة عشان يخلصوا».
وفي الوقت اللي ياسمين كانت بتهد حيلها في كنس الحوش ومسح السلم، إبراهيم صحي على مهله، شرب الشاي باللبن، ومسك الموبايل شوية، وبعدين لبس وقال إنه رايح يقعد مع قرايبه على القهوة ويشوفوا الأرض.
«أنا مش هأخر يا حبيبتي، شدي حيلك إنتي مع أمي».. إبراهيم قالها وهو خارج.
«مش هساعدني؟».. ياسمين سألته بذهول.
«يا بنتي ده شغل حريم، وأمي هتفهمك تعملي إيه بالظبط».
ومشي وسابها لست الحبايب ولستة الطلبات اللي مالهاش آخر. على الضهر، كانت ياسمين كنست ومسحت، وقورت بتنجان وكوسة، وخرطت الملوخية، وعملت حلة محشي قد كده تكفي عيلة.
«مش بطال».. الحاجة غالية داقت الشوربة وقالت: «بس ناقصة ملح شوية، وتقلية الملوخية كانت عايزة تدبل أكتر.. بس يالا، مع الأيام هتتعلمي».
بعد الغدا، بدأت الموجة الثانية من الشغل: علف الفراخ، تنظيف العشة، وغسيل الملايات والهدوم الكبيرة في الطشت في الحوش عشان الغسالة الأوتوماتيك مبتنظفش بنظر الحاجة غالية. ياسمين كانت حاسة إن ضهرها بيتقطم، وصوابع إيديها بدأت تبوش وتوجعها من المية والكلور.
«أنا في سنك ده كنت بأشيل الطين شيل».. الحاجة غالية علقت ببرود وهي شايفاها بتنهج: «أروح الغيط وأرجع أطبخ وأغسل وأقعد بالعيال.. أنتوا بتوع البندر فرفورين وبتموتوا من أقل مجهود».
ياسمين كتمت في نفسها ومردتش، بس الكلام كان بيحرق دمها. هي جاية إجازة تدلع، لقت نفسها شغالة “شغالة” من غير مرتب وعليها كلام سم كمان.
على المغرب، إبراهيم رجع.. فريش، واخد تان، ومبسوط وجايب معاه بطيخة.
«ها يا جماعة، الأخبار إيه؟».. قعد على الكنبة وطلب كوباية شاي بحبك هيل.
«تمام».. ياسمين ردت بكلمة واحدة وهي قاعدة بتنقي رز للعشا.
«زي الفل، أمي بتقول عليكي شاطرة وإيدك خفيفة».
حتى مأ جاش عليه الفضول يقولها “تعبتي؟” أو “أساعدك في حاجة؟”. قعد يشرب الشاي وياكل البطيخ ويحكي عن قعدته مع صحاب زمان، وهي قاعدة بتموت من التعب في الشمس اللي بتغيب.
## الانفجار
تلات أيام عدوا على الوضع ده. كل يوم صحيان الساعة 6 الصبح، طحن طول النهار، وبالليل تترمي على السرير زي الج*ثة، ومش بتفكر غير في حاجة واحدة: “أنا عايزة أمشي من هنا حالا”.
في اليوم الرابع، ياسمين مأ قدرتش تستحمل وانفجرت: «أنا اتجوزت عشان أبقى بني آدمة، مش عشان أبقى خدامة في البيت الكبير هنا!».
إبراهيم رفع عينه من الموبايل وبصلها باستغراب: «في إيه يا ياسمين؟ أمي بتطلب منك مساعدة عادية يعني».
«أمك بتمشيني بالريموت كنترول من النجمة ليل ومطيرة النوم من عيني! وإنت مقضيها قهاوي وفسح مع صحابك!».
«أنا بأجازة وبأغير جو.. وبعدين الطبيخ والترويق ده شغل ستات، إنتي شاطرة فيه».
«خلي مامتك تجيب حد بفلوس يعملها شغلها!».. ياسمين صرخت وصوتها علي: «أنا جاية أرتاح في إجازتي السنوية، مش جاية أشتغل فاعلي في بيوت الناس!».
الحاجة غالية سمعت الصوت العالي وخرجت من المطبخ وعينها بتطق شرار: «جرى إيه يا حسام؟ إيه الصوت العالي ده؟ الجيران هيقولوا علينا إيه؟».
«يا حاجة غالية أنا تعبت».. ياسمين حاولت تتكلم بحدة بس بأدب: «بقالي أربعة أيام مأ شفتش راحة.. ضهري انكسر».
«تعبتي؟».. الست ضحكت باستهزاء: «يا دلع بنات البندر! أنا في سنك كنت شايلة تلات عيال والبيت على كتافي وبأخدم حماتي من غير ولا كلمة.. وإنتي بتشتكي من كام يوم مساعدة؟».
«دي مش مساعدة، دي سخرة وشغل بيت مبينتهيش!».
«ومين ضربك على إيدك؟».. الحاجة غالية قفشت ولتت في الكلام: «لو مش عاجبك عيشة البلد، الباب يفوت جمل وارجعي بندرك.. بس إبراهيم قاعد هنا، ابني مكانه في وسط أهله».
إبراهيم وقف في النص ساكت، بيبص لمراته ويبص لأمه، ومش قادر (أو مش عايز) ياخد موقف أو يزعل أمه.
## القرار الأخير
في اليوم الخامس، إبراهيم قال ببرود إنه رايح مع قرايبه يقضوا اليوم كله بليلته في المزرعة والصيد في الترعة الكبيرة.
«الرجالة عازمين عليا وعيب أكسر بكلمتهم».. إبراهيم بيبرر موقف: «يوم واحد يا ياسمين وأمي معاكي أهي هتسليكي».
«يعني هتسيبني لوحدي هنا؟».. ياسمين سألته وهي مش مصدقة الإهمال ده.
«يا بنتي يوم وهتعدي، خليني أتبسط أنا كمان شوية».
ومشي ومأ استناش يسمع ردها. ياسمين لقت نفسها وجهاً لوجه مع الحاجة غالية، اللي دخلت عليها وف إيدها لستة طلبات جديدة.
«بما إن الرجالة مش هنا، يبقا نخلص شغلنا سوا».. الست قالت بنبرة آمرة: «عايزين ننظف خزين الرز، ونقشر توم لتخزين السنة، ونقلب الفرش كله يتشمس».
اليوم كان عبارة عن كابوس ملوش آخر. ياسمين بتشتغل وهي بتعيط من التعب، والحاجة غالية واقفة تدي أوامر وتطلع القطط الفاطسة في شغلها:
«احتي التوم كويس.. سايبة القشر فيه ليه؟»
«الملايات لسة فيها ريحة صابون، مشطفيتهاش كويس»
«الزوايا لسة فيها تراب.. مسحتِ بلمسة وخلعة!».
على عشا، ياسمين مكنتش قادرة تقف على رجليها. ضهرها بيوجعها لدرجة صعبة، إيديها ملتهبة ومقشرة من الكيماويات، والناموس قرصها في كل حتة في جسمها. “الطبيعة” اللي إبراهيم قال عليها طلعت جحيم حقيقي.
دخلت أوضتها واترمت على السرير بهدومها. كانت عايزة تغيب عن الوعي وماتصحاش. بس مأ كملتش ساعة، ولقت الحاجة غالية بتفتح الباب وواقفة على العتبة.
«ياسمين.. قومي يلا عشان نحلب المعيز ونأكل الطيور قبل ما الدنيا تليل خالص».
ياسمين لفت راسها ببطء وبصت لحماتها. عينيها مكنش فيها لا تعب ولا غضب.. كان فيها هدوء بارد ومخيف.. هدوء حد أخد قراره الأخير ومبقاش يهمه حاجة.
قامت من على السرير، ومن غير ولا كلمة، راحت للناحية التانية من الأوضة وسحبت شنطة سفرها الكبيرة. إيديها مكنتش بترحف من التعب، كانت بتتحرك بقوة وثبات.
«بتعملي إيه يا بت؟».. الحاجة غالية استغربت لما شافتها بتفتح الشنطة وبتلم حاجتها.
ياسمين مردتش. وبكل برود وثقة، بدأت تطبق الفساتين والهدوم وتحط الشنطة والفرشة وتظبط حاجتها. كل حركة كانت سريعة ومظبوطة.
«إنتي اتجننتي؟».. صوت الحاجة غالية علي: «على فين العزم إن شاء الله؟ إنتي مش وعدتي إنك تقعدي وتساعدي في البيت؟».
«أنا ساعدت بما فيه الكفاية».. ياسمين ردت بنبرة ناشفة وناشفة جداً وهي مكملة لّم في حاجتها.
«وتسمي دي مساعدة؟ ده لسة ورانا أسبوع شغل كامل! التوم مخلصش، والبامية لسة متجمعتش عشان تتجفف، والبيت مقلوب!».
ياسمين قفلت سستة الشنطة بكل قوة، ووقفت وبصت في عين حماتها مباشرة:
«يا حاجة غالية.. أنا اتجوزت إبراهيم عشان أعمل بيت وأرتاح، مش عشان آجي أتهد وأتكسر في البلد هنا.. خلي إبراهيم والبلد يشبعوا ببعض، وشوفي حد تاني يسخر ليكي في طلباتك».
«نععععم؟».. الحاجة غالية صوتها جاب آخر الشارع وصوتت: «إنتي فاكرة نفسك ملكة وإحنا جواري عندك؟ إنتي فاكرة الجواز ده دلع وحقوق بس ومن غير واجبات؟…»
**…حكايات مني السيد…**
