أبـويا رجـع من السـوق شايـل أكـل العشـا عشـان نحتـفل بتخرجـي ج 2 حكايات مني السيد

وقفت فجأة، وسبت حتت الفستان من إيدي. الحرير وقع على الأرض الخشب وطلع صوت ناعم، واتكوم كأنه ج*ثة زرقا تحت رجلي.
— أنا مش رايحة — قلتها وأنا قافة على سناني وبمسح دموعي من على خدي بضهر إيدي اللي بترتعش — خلاص. خلصت. مفيش حفلة، مفيش تخرج. ومفيش عشا. دلوقتي حالا هكلم خالتي كريمة عشان ماتتعبش نفسها وتيجي. هقولهم يلغوا كل حاجة.
مشيت بخطوات كلها غضب ناحية السرير، مسكت المقص الحديد اللي ليلى سابته كأنه كاس النصر بتاعها، ورميته بكل قوتي في باسكت الزبالة الحديد الصغير اللي في الركن. الصوت الرنان بتاع الخبطة سمع في البيت كله، كأنه نهاية مسرحية حزينة.
— لأ، هتروحي — صوت ناشف، تخين وقوي قالها من ورايا.
لفيت وأنا مستغربة. أبويا كان بيقوم براحة، وبيسند على حرف السرير. ركبه طقطقت من المجهود، بس وقفته كلها اتغيرت تماماً في ثواني. مابقاش الراجل العجوز المكسور بتاع من شوية. كتافه اتفردت. كان فيه نظرة تحدي قوية، قريبة للموت، في عيونه الغامقة. كانت شرارة عرفتها علطول، نفس النظرة العند اللي كان بيحطها لما موتور عربية ملوش أمل يرجع يشتغل وهو، بيمسح العرق من جبهته بخرقة، ويحلف برقبته إنه هيخليه يدور.
— يابا عشان خاطري، معنديش حاجة ألبسها — ترجيته وأنا بشاور على الأرض بقلة حيلة وكسرة — شفه! بقى حتت حتت! الحفلة في المدرج الكبير هتبدأ كمان تلات ساعات! معندناش فلوس شايلاها على جنب نشتري بيها فستان طوارئ. معندناش فيزا عشان نأجر واحد غالي. أنا حتى معنديش لبس خروج عدل، كل اللي بلبسه لبس بالة قديم بروح بيه الكلية. شوفني! لابسة جينز مقطع وتيشرت باهت!
— هتروحي كدا! — علا صوته، وخلى الحيطان تترج. ماكنش زعيق زعل مني، كان صيحة حرب مليانة قوة خلتني أرجع خطوة لورا — هتروحي بالبنطلون المقطع يا أنا! هتروحي بشبشب، هتروحي حافية لو لزم الأمر!
مشي ناحيتي بخطوات واسعة، وداس من غير ما يقصد على باقي الحرير اللي مرمي على الأرض، ومسكني من كتافي. إيديه كانت تقيلة، دافية جداً، صلبة كأنها حجر. مسكني بجمود، وأجبرني أبص في عينه علطول.
— اسمعيني كويس يا بنتي — نفسه كان عالي، ونظرته كانت بتخرم عيني، وبتدور في قعر روحي — إنتي فاكرة، بجد فاكرة، إني طفحت الدم السنين دي كلها، واستحملت قلة قيمة من أصحاب الورش وحرمت نفسي من كل حاجة عشان حتة قماشة بتلمع؟ إنتي فاكرة إن الفخر الكبير اللي في صدري ده عشان أشوفك لافة نفسك في حرير أزرق جاي من برا؟ لأ يا فندم!
ساب كتف من كتافي عشان يشاور على جبهتي بصابعه الخشن المليان علامات وجروح.
— أنا اشتغلت بدمي عشان اللي جوا هنا، في الدماغ دي. عشان ذكائك. اشتغلت عشان يبقى معاكي شهادة تقول إنك مهندسة. عشان بكرا مفيش حد، مفيش مخلوق، يقلل منك ولا يهينك زي ما عملوا معايا. عشان ماتحتاجى لقمة من راجل، ولا من أي حد.
سكت شوية عشان ياخد نفسه. عيونه دمعت تاني، بس المرة دي من الغيظ والقهر.
— ليلى… — صوته اتكسر شوية وهو بينطق اسم بنته التانية، وجع ساكت وحامي بيعدي في زوره، وجع أب بيشوف المسخ اللي طالع من دمه — ليلى جت، مسكت المقص ده وقطعت الفستان عشان في جهلها وغلها، هي فاكرة إن قيمتك متخيطة في اللبسة دي. هي فاكرة إنها لو خدت الفستان، هتاخد شهادتك، هتاخد نجاحك، هتاخد إنتي مين. هي عايزاكي تشوفي نفسك مرمية على الأرض، مكسورة، بتعيطي، ومستسلمة. هتديلها اللي هي عايزاه؟ هتخلي خيبتها تاخد منك الليلة اللي طلع عينا فيها خمس سنين؟
كلمات أبويا نزلت عليا زي مية ساقعة بتلج، فوقتني فجأة من حالة الشفقة على النفس اللي كنت عايشة فيها. نفسي اتقطع. قلبي كان بيدق بسرعة في صدري.
الكسوف ملاني كله. كنت هأستسلم. كنت هسيب الكره والغل بتاع أختي من أبويا يكسب المعركة الأخيرة. ليلى كانت عايزة تكسرني، كانت عايزة تتأكد إني أحس، في أهم ليلة في حياتي، إني ماليش مكان في المدرج النضيف ده اللي مليان طلاب ناجحين وأهالي مرتاحين. كانت عايزة تذكرني إحنا جايين منين بأقذر طريقة ممكنة.
— بس يابا… الناس هتقول إيه؟ — صوتي اتهز، وطلع كل خوفي اللي دايماً بحاول أداريه ورا درجاتي العالية — كل زمايلي هيكونوا لافين ومتمكيجين. دي الحفلة الرسمية بتاعة التخرج من الجامعة. رئيس الجامعة هيكون واقف هناك على المنصة. أهالي أصحابي دكاترة، مهندسين، رجال أعمال… أنا ماقدرش أروح وشكلي كأني شحاتة. هيفتكرونا سخرية.
أبويا ساب كتافي براحة. هز دماغه، وابتسم ابتسامة حزينة بس مابتتكسرش. مشي ناحية الدولاب الخشب القديم اللي كنا بنشارك فيه في ركن الأوضة وفتح الضلف، اللي طلعت تزييق بتشتكي من الصدأ اللي في المفصلات. بدأ يدور وسط الهدوم القليلة بتاعة كل يوم اللي كانت متعلقة على شماعات سلك.
— يقولوا اللي يقولوه — قالها وهو بيدور جوا الدولاب وبيشيل شماعات — الناس علطول هتتكلم يا بنتي، عملتي إيه ولا معملتيش. لو رحتِ شيك أوي وبلبس غالي مش بتاعك، هيقولوا بتتباها ومقضياها شمال. لو رحتِ بسيطة، هيبصوا لك بقرف ويقولوا مش شبهنا. خليهم يتكلموا. إنتي مش رايحة تشحتي منهم شغل بالهدوم اللي لابساها. إنتي هتوقفي على المسرح ده وتثبتي لهم بشهادتك إنك أحسن من نص اللي قاعدين بيسقفوا هناك ببدل حرير.
سمعت صوت بلاستيك بيتحرك. طلع حاجة من قعر الدولاب، من الحتة الضلمة خالص. كانت كفر تخين، شفاف ومصفر من السنين، عليه طبقة تراب خفيفة. جابها في نص الأوضة، تحت اللمبة الليد الواحدة اللي متعلقة من السقف.
قلبي اتنفض ونفسي وقف.
دي كانت بدلة جدي.
بدلة ستايل أسود، تفصيل قديم، تقيلة جداً، من الصوف الناشف وبطانة ستان غامقة. أبويا كان شايلها هناك كأنها أثر غالي من متحف، عشان كانت، بجد، الحاجة الوحيدة اللي ليها قيمة مادية جدي سابها له قبل ما يموت. جدي كان لبسها في فرحه من أكتر من خمسين سنة وعمرها ما طلعت تاني. كانت بدلة واسعة، مربعة، بكتافات عريضة وتفصيل رجالي قديم أوي وبان عليه الزمن.
— يابا، عشان خاطر ربنا، دي هتبقى واسعة عليا أوي — قلتها، وأنا مابين مستغربة وخايفة، ورجعت خطوة لورا.
— مش لو عملنا ليها معجزة ميكانيكا — رد عليا، والمرة دي، ابتسامة كاملة ومنورة نورت وشه التعبان، ابتسامة تحدي صافي — هاتي الدبابيس. المشابك دي اللي كانت شبكة في كفر الفستان الجديد لما طلعناه من المحل.
بصيت له جامد لكام ثانية، كأنه بيكلمني بلغة تانية، كأن الصدمة طيرت برج من دماغه وخليته اتجنن رسمي. بس كان فيه حاجة في طاقته، في الطريقة اللي ماسك بيها البدلة القديمة دي، كانت بتعدي. كان تمرد حقيقي، مابيتكسرش وبتاعنا بالظبط، بتاع الناس الولاد البلد اللي بيتعلموا يصلحوا الدنيا بسلك ورباط وبلاستر.
وطيت، وزحفت على الأرض، وبدأت ألم الدبابيس والمشابك اللي كانت اتطوحت في الأرض لما ليلى قطعت الكيس بتاع الفستان. وبدأت أديهمله في كف إيده.
خلال الساعة اللي بعد كدا، أوضتي الصغيرة ذات السقف الواطي اتقلبت لورشة خياطة سرية، أو ورشة تصليح بالبركة. أبويا، بنفس التركيز العالي، والدقة والسكوت اللي كان بيستعمله عشان يظبط فرامل عربية نقل تقيلة، بدأ يتني القماش الناشف بتاع البدلة على جسمي الرفيع.
الأول لبست البنطلون الأسود الصوف. لما سبته، القماش وقع وكان بيجر ورايا كام سنتيمتر على الأرض؛ وسطى كان عايم جوا الحزام. طلب مني أقف ثابتة خالص، ركع قدامي على الأرض، مسك المقص التقيل اللي أنا لسه رامياه في الزبالة، ومن غير ما يفكر ثانية واحدة، قص حتة من رجل البنطلون بتاع أبوه الله يرحمه.
— يابا بتعمل إيه! ده الأثر الوحيد اللي فاضل من جدي! — صرخت وأنا بحط إيدي على دماغي، وخايفة بجد يكون بيبوظ حاجته الغالية.
— جدك، الله يرحمه ويحسن إليه، كان هيفرح ألف مرة أكتر وهو شايفك واقفة في المدرج ده بتستلمي شهادة الهندسة، من إنه يعرف إن القماش القديم ده لسه بيتاكل من العتة في قعر الدولاب — قالها بصوت ناشف، ومن غير ما يرفع عينه، مركز على الآخر.
بصوابعه التخينة، عمل ثنية لجوّة ورجل البنطلون وظبطها بالدبابيس، وظبط الطول لحد كعب رجلي وقفل الوسط بحزام جلد ضفيرة قديم بتاعه، اضطر يعمل فيه خرم زيادة ببوز مفك صليبة كان في جيب بنطلونه.
بعدين جه الدور على الجاكيت. لبسته فوق بلوزتي البيضاء القطن الهايكول، اللي كنت بلبسها تقريباً كل يوم عشان تحميني من البرد في محاضرات الساعة سبعة الصبح. لما لبست الجاكيت الأسود، تقل الصوف حسسني كأني لابس درع حديد من العصور الوسطى. الكمام كانت واسعة ومغطية صوابعي كلها، والكتاف العريضة كانت مخلية شكلي كأني بلعت لاعب كورة أمريكية.
أبويا رجع خطوتين لورا، ربع إيديه وخد نفس طويل، وبدأ يهرش في دقنه بقلق:
— طب… كدا شكلك عامل زي شوال مش متقفل عدل. اقلعي الجاكيت ثانية كدا.
عملت زي ما قال بسرعة. أخد الجاكيت التقيل، وفَرَده بحرص على السرير، فوق ملاية السرير اللي بورد…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *