قـومي فـزي يلا شـوفي أمي وغـيريلها ج 3 والاخير حكايات مني السيد

الخـاتمة
الـسـاعـة كـانـت بـتـدق عـلـى تـسـعـة بـالـلـيـل بـعـد مـا الـشـهـر الأولـاني عـدّى عـلـى مـشـيـة أمـل مـن الـبـيـت. الـشـتـا كـان لـسـه مـرِخّـي بـالـسـاقـعـة بـتـاعـتـه، بـس الـمـرّة دي مـكـانـش فـيـه مـطـر، كـان فـيـه هـوا نـاشـف صـقـيـع بـيـخـبّـط في شـابـيـك الـبـيـوت ويـخـلّي الـلـي قـاعـد جـوّه يـسـتـخـبّى في هـدومـه. الـحـارة الـقـديـمـة الـلـي فـيـهـا الـورشـة كـانـت بـتـقـفّـل دكـاكـيـنـهـا بـالـرّاحـة، ونـور الـمـحـلات بـدأ يـطـفـي والـحـركـة تـقـل.
جـوّه الـشـقـة، الـصـالـة كـانـت عـبـارة عـن هـم كـبـيـر مـتـكـوّم. جـلال كـان قـاعـد عـلـى الـكـنـبـة بـنـفـس هـدوم الـشـغـل الـلـي مـتـعـاصـة شـحـم، مـقـلـعـهـاش ومـغـسـلـش إيـده واصـل غـيـر شـطـفـة بـسـيـطـة بـمـيـة سـاقـعـة مـن الـحـنـفـية عـشـان الـسـخـان كـان عـطـلـان وبـقـالـه أسـبـوع مـش عـارف يـجـيـب سـبّـاك يـصـلّـحـه. الـبـيـت كـان مـلـيـان كـراكـيـب؛ كـوبـايـات شـاي نـاشـفـة في كـل حـتّـة، هـدوم مـمورمـيـة عـلـى الـكـراسـي، والـأرض عـلـيـهـا تـراب وتـقـلـيـم بـصـل وفـرافـيـت عـيـش مـن الـلـي كـان بـيـجـيـبـه مـن عـلـى الـعـربـيـة الـصـبـح.
الـبـيـت الـلـي كـان بـيـبـرق مـن الـنـظـافـة بـقـى كـأنـه خـراب، وبـقـى جـلال عـارف ومـتـأكـد إن الـمـكـنـة الـلـي كـانـت مـمـمـشـيـة الـدنـيـا مـمكـانـتـش ورشـتـه، الـمـكـنـة كـانـت صـبـر الـسـت الـلـي طـفـشـهـا بـإيـده.
مـن جـوّه الأوضـة، جـاي صـوت كـحـة ضـعـيـفـة، كـحـة فـيـهـا كـبـر وعـجـز مـالـوش حـل. الـحـاجـة فـاطـمـة بـقـالـهـا الإسـبـوعـيـن الـأخـرانـيـيـن دول مـمبـقـتـش بـتـنـادي زي زمـان بـجـعـيـر وزعـيـق. كـلامـهـا بـقـى قـلـيـل، لـأنـهـا شـافـت ابـنـهـا بـيـtـكـسـر قـصـادهـا يـوم ورا يـوم.
شـافـtـه لـمّـا جـاب لـهـا الـسـت “أم عـبـده” الـلـي في الـشـارع الـلـي وراهم عـشـان تـقـعـد مـعـاهـا بـالـأجـر تـرعـاهـا نـص الـنـهـار لـحـد مـا يـرجـع مـن الـورشـة. أم عـبـده كـانـت بـtـخـش تـرمـي لـهـا الـأكـل وتـعـمـل الـشـغـل بـالـعـافـيـة وبـقـلـة نـفـس، وتـقـول لـهـا: “يـلا يـا حـاجّـة مـمـعـلـش أنـا مـش فـاضـيـة وورايا بـيـت وعـيـال”. كـانـت الـحـاجـة فـاطـمـة تـفـتـكـر أمـل والـرّاحـة والـحـنـيـة الـلـي كـانـت بـtـعـمـل بـهـا الـحـاجـة مـن غـيـر مـا تـشـتـكـي، وتـعـرف إن الله حـق، وإن الـقـسـاوة الـلـي قـسـtـهـا عـلـى بـنـت الـنـاس تـردّت لـهـا في كـبـرها.
جـلال قـام ودخـل لـأمـه الأوضـة بـخـطـوات تـقـيـلـة شـايـل شـريـط الـدوا وكـوبـايـة مـيـة. قـعـد جـنـبـهـا عـلـى الـسـريـر وسـنـد خـدّه عـلـى إيـده الـتـعـبـانـة.
— خـدي الـدوا يـا أمـي.. عـشـان الـمـعـاد جـه — قـالـهـا بـنـبـرة هـمـدانـة فـيـهـا اسـtـسـلـام كـبـيـر.
الـحـاجـة فـاطـمـة خـدت الـحـبّـة وبـلـعـtـهـا بـالـعـافـيـة، وبـصّـt في وِش ابـنـهـا الـلـي الـهـالات الـسـمـرا حـفـرت تـحـت عـيـنـه وبـقـى لـونـه أصـفـر مـممـمخـطـوف. مـمسـكـt إيـده بـالـرّاحـة وقـالـt بـصـوت مـممـكـسـور:
— جـلال.. يـا ابـنـي.. كـلّـمـت إخـواتـك الـبـنـات؟ مـممـحـدش فـيـهـم جـه لـيـه يـشـوفـنـا؟
جـلال لَفّ وِشّـه الـنـاحـيـة الـتـانـيـة عـشـان مـممـيـبـصّـش في عـيـنـهـا وقـال بـمـرارة تـفـت الـصـخـر:
— كـلّـمـtـهـم يـا أمـي.. هـدى قـالـt جـوزها مـش مـمـوافـق تـسـيـب بـيـتـهـا في آخـر الـدنـيـا وتـيـجـي، ومـمنـى قـالـt عـيـالـهـا عـنـدّهـم امـtـحـانـات ومـش فـاضـيـة. كـل واحـدة شـايـلـة نـفـسـهـا وعـايـشـة دُنـيـtـهـا، ومـممـحـدش عـايـز يـشـيـل هـم مـمعـانـا. الـكـل عـنـده حـجـة، والـكـل نـفـض إيـده.
الـحـاجـة فـاطـمـة نـزلـt مـن عـيـنـهـا د مـعـة تـقـيـلـة ودارت وِشّـهـا لـلـحـيـطـة. عـلـفـt الـوقـت ده إن الـسـت الـغـريـبـة الـلـي كـانـت بـtـعـيـب عـلـيـهـا وتـقـول مـمنـفـعـكـش كـانـت أحـنّ عـلـيـهـا مـن بـنـات بـطـنـهـا الـلـي خـلّـفـtـهـم وتـعـبـt فـيـهـم. الـبـنـات نـفـضـوا إيـديـهـم، والـغـريـبـة كـانـت شـايـلـة ومـمسـtـحـمـلـة الـمـر لـحـد مـا الـحـبـل اتـقـطـع بـالـظـلـم.
وفي نـفـس الـوقـت ده، في أوسـيـم.. الـبـيـت كـان مـمـلـيـان دَفـا وحـيـاة. أمـل كـانـت واقـفـة في الـمـممـطـبـخ بـtـعـمـل عـشـا لـبـنـtـهـا وجـوز بـنـtـهـا الـلـي كـان لـسـه راجـع مـن شـغـلـه في الـمـممـصـلـحـة الـحـكـومـيـة. ريـحـة الـأكـل كـانـت طـالـعـة حـلـوة، وصـوت بـنـtـهـا فـاطـمـة كـان عـالـي وهي بـtـضـحـك مـع جـوزها في الـصـالـة وهـمّـا بـيـلـعـبـوا مـع الـعـيـل الـصـغـيـر.
أمـل بـصّـt مـن شـبّـاك الـمـممـطـبـخ عـلـى الـنـور الـلـي مـممـنـوّر الـشـارع، وحـسّـt بـسـ*كـيـنـة نـزلـt عـلـى قـلـبـهـا. بـقـالـهـا شـهـر مـممـبـتـسـمـعـش كـلـمـة جـعـيـر ولا زئـيـر، مـمبـتـسـمـعـش تـهـديـد بـالـطـلاق أو الـطـرد، مـممـبـtـصـصـحـاش الـفـجـر وبـدنـهـا بـيـtـرعـش مـن الـtـعـب والـخـوف مـن الـلـسـان الـلـي بـيـقـطـع زي الـسـك*ـيـنـة. وِشّـهـا رجـع يـفـtـح، وعـيـنـهـا الـلـي كـان الـحـز ن مـممـطـفّـيـهـا بـقى فـيـهـا نـور هـادي بـتـاع الـسـت الـلـي لـقـt نـفـسـهـا وكـرامـtـهـا بـعـد الـهـلـاك.
جـوز بـنـtـهـا دخـل الـمـممـطـبـخ، وبـص لـلـصـيـنـيـة وقـال بـأدب جـمّ:
— تـسـلـم إيـدك يـا حـمـاتـي.. تـعـبـنـاكِ مـمعـانـا الـنـهـاردة في تـقـفـيـل الـأكـل.. الـبـيـت والله كـأنـه بـقى فـيـه روح ثـانـيـة مـن يـوم مـا شـرّفـtـيـنـا.
أمـل ابـتـسـمـت، الـابـتـسـامـة الـلـي طـلـعـت مـن قـلـب صـافي:
— تـعـبـك راحـة يـا ابـنـي.. الله يـخـلّـيـكـم لـيـا ويـسـعـد بـيـتـكـم. أنـا هـنـا وسـط ولادي، وده بـالـدنـيـا ومـا فـيـهـا.
كـلـمـة “تـسـلـم إيـدك” دي، الـلـي مـممـسـمـعـtـهـاش مـن جـلال في عـشـريـن سـنـة، كـانـت كـفـايـة إنـهـا تـنـشّـف أي د مـعـة قـديـمـة وتـبـل الـريـق الـنـاشـف. الـكـرامـة والـإقـدَام في الـمـممـعـامـلـة هـمّـا الـلـي بـيـخـلّـوا الـعـمـر يـتـحـس بـالـأحـسـن، مـش الـجـدران والـحـيـطـان الـلـي مـممـبـتـجـيـبـش غـيـر الـقـهـر.
الـأطـراف كـلـهـا في الـبـيـت الـقـديـم عـلـفـت الـنـهـايـة، رغـم إنـهـا مـممـكـانـتـش الـنـهـايـة الـلـي بـتـtـكـtـب في الـقـصـص بـالـصـلـح والـهـيـلـمـان والـزغـاريـد. الـنـهـايـة هـنـا كـانـت واقـعـيـة وزي الـدنـيـا مـا بـتـمـشـي في الـحـقـيـقـة.
جـلال خـرج مـن أوضـة أمـه ووقـف في الـبـلـكـونـة يـشـرب سـيـجـارة آخـرة. بـص لـلـشـارع الـضـلـمـة، وحـس بـالـنـدم بـيـنـقـر في صـدره كـأنـه سـوس في خـشـب قـديـم. الـعـنـاد والـtـحـكّـم ونـعـرة الـرّاجـل الـلـي كـان عـايـش بـيـهـا تـهـدّمـوا كـلـهـم قـصـاد حـوض الـمـمـواعـيـن الـمـممـلـيـان وشـريـط الـدوا الـلـي مـش عـارف يـنـظّـم مـمواعـيـدّه لـوحـده، وقـلّـة الـمـممـصـر وف الـلـي بـقى يـتـبـعـثّـر هـنـا وهـنـاك مـن غـيـر حـسـبـة أمـل الـلـي كـانـت بـتـعـمـل مـن الـفـسـيـخ شـربـات وتـمـشّـي الـبـيـت بـالـجـنـيـه.
عـرف فـعـلاً إن الـلـي خـسـره مـممـكـانـش جـرّة قـلـم أو سـت بـتـطـبـخ، الـلـي خـسـره كـان الـسـتـر بـتـاع بـيـتـه، والـسـتـر لـمّـا يـمـشـي الـحـيـطـان نـفـسـهـا بـتـعـرق هـمّ وخـراب. فـکّـر يـمـسـك الـتـلـيـفـون ويـكـلّـمـهـا، يـقـول لـهـا “تـعـالـى وحـقّـك عـلـيـا”، بـس افـtـكـر آخـر نـظـرة في عـيـنـهـا، الـنـظـرة الـلـي كـانـت بـتـقـول إن الـلـي بـيـنـهـم مـات فـعـلاً ومـمفـيـش قـوة تـحـيـيـه تـانـي. حـط الـتـلـيـفـون في جـيـبـه ونـفـخ د خـان الـسـيـجـارة الـلـي تـاه في هـوا الـلـيـل الـسـاقـع.
الـبـيـوت أسـرار، بـس الـخـاتـمـة دي كـتـبـت الـسـر في الـنـور. أمـل قـفـلـت الـحـكـايـة لـنـفـسـهـا بـراحة وطـمـأنـيـنـة وسـابـت وراهـا درس لـلـحـارة كـلـهـا: إن الـصـبـر لـه آخـر، وإن الـسـت الـلـي بـتـشـيـل الـحـمـل لـمّـا يـمـيـل مـش عـبـارة عـن آلـة مـالـهـاش روح، دي إكـرامـهـا حـق، ولـمّـا الـإكـرام يـتـهـان الـمـمـفـارق بـيـبـقى هـو الـطـريـق الـوحـيـد والـأصـح لـكـل عـمـر بـاقي..
والـلـيـل خـلـص، بـس الـبـيـت الـقـديـم فـضّـل واقـف عـلـى عـجـزه الـجـديـد، في حـيـن إن الـشـمـس الـلـي طـلـعـت الـصـبـح الـجـديـد نـوّرت سـكّـة بـعـيـدة فـيـهـا كـرامـة فـوق كـل شـيء.. وخـلـصـت الـقـصـة عـلـى الـمـمـفـارق الـلـي مـمبـقـاش بـعـدّه كـلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *