حـطّت راسـها عـلى كـتف راجـل غـريب فـي الـمترو ج 3
حكـاية رومـانسية طـارق و نـادين

العربيات كانت ماشية في خط مستقيم، كأنها جنازة صامتة بتتحرك وسط ضلمة طريق الفيوم الصحراوي. الجو كان برد قارس، لدرجة إن نادين كانت حاسة إن صوابع رجليها اتجمدت جوة الجزمة. الشنطة القماش كانت على حجرها، بس المرة دي مكنش فيها ورق كنسون ولا مساطر هندسية.. المرة دي كان فيها جهاز إرسال صغير، وقنبلة دخان مجهزة للتفجير عن بعد، وطبنجة صغيرة طارق أصر يحطهالها في جيب الشنطة الجواني وهو بيقول لها: “دي للأمان.. متستخدميهاش إلا لو شفتِ الموت بعينك.”
طارق كان قاعد جمبها، عينه مش بتفارق شاشة التابلت اللي في إيده، واللا سلكي الصغير اللي في ودنه عمال يوش بأصوات رجالة سليم اللي انتشروا في المدافن من ساعتين.
* “الباشا.. إحنا على بعد كيلومتر واحد من نقطة التلاقي.” السواق قال بصوت واطي وهو بيمهد السرعة.
طارق قفل التابلت، والتفت لنادين. بص لوشها المخطوف، ومد إيده الكبيرة مسك إيدها اللي كانت بتترعش وزي التلج. ضغط عليها ضغطة خفيفة وقال بصوت دافي مليان ثقة: “بصي في عيني يا نادين.”
رفعت عينيها وبصت له، وسط الضلمة كانت عينيه واسعة وثابتة زي الصخر: “الخوف بيموت صاحبه قبل ما الرصاصة توصله. الضبع عايز يشوفك مكسورة وبتترعشي عشان يحس إنه كسبان. أول ما تنزلي، ترفعي راسك فوق.. أنتِ مهندسة نادين، وأنتِ دلوقتي في حماية طارق السيوفي.. يعني مفيش قوة على الأرض تقدر تلمسك. فاهمة؟”
نادين بلعت ريقها وهزت راسها، كلامه كان بيديها طاقة غريبة، أكن نفوذه وقوته بيتنقلوا ليها باللمس: “فاهمة.. أنا مش هخاف.”
العربية وقفت فجأة. الدنيا برة كانت ضلمة كحل، ومفيش أي إضاءة غير كشافات العربية اللي اتقفلت فوراً. المكان كان عبارة عن مساحات واسعة من المقابر القديمة المبنية بالطوب الأحمر والأسمنت، شجر السرو العالي كان بيتحرك مع الهوا وبيعمل أصوات زي الأنين.
سليم فتح الباب لنادين، ونزلت وهي ضامة الشنطة لصدرها. طارق فضل جوة العربية المصفحة، لإن الاتفاق إن نادين تنزل لوحدها مع سليم لحد أول ممر في المدافن.
* “اتفضلي يا بشمهندسة.. خطوة بخطوة جمبي.” سليم همس وهو بيمسح المكان بعينيه، وإيده تحت الجاكيت ماسكة السلاح.
مشيت نادين، وصوت جزمتها على الرمل والحصى كان عالي ومرعب في وسط الهدوء ده. بعد حوالي ميت خطوة، ظهر ضوء كشاف قوي عمى عينيهم لثواني. لما نادين برقت، شافت تلات عربيات دفع رباعي واقفين في حتة واسعة بين الترب، وحواليهم حوالي عشر رجالة مسلحين بآلي.
وفي النص.. كان فيه كرسي خشب، قاعد عليه المهندس شريف، وشه كان متغطي بكيس أسود، وإيديه مربوطة ورا ضهره، وفيه راجل ضخم واقف وراه وحاطط سكينة دبح كبيرة على رقبته.
من وسط العربيات، خرج راجل قصير، مكرش، ولابس بالطو جلد أسود غالي، وفي بؤه سيجار ريحته رديئة.. هو ده “الضبع”.
* “يا مرحب.. يا مرحب بالبشمهندسة.” الضبع قال بصوت مسرسع ومقزز وهو بيضحك بامتلاء: “والله وعرف ينقي السيوفي.. بقى الحوت الكبير قالب الدنيا ومقعد البلد على رجل واحدة عشان حتة البت دي؟”
سليم خطى خطوة لقدام وصوته طلع زي الرعد: “اللسان ده لو طول تاني يا ضبع، مش هترجع بيه لعيالك. البشمهندسة عندك اهي، والشنطة معاها.. فين شريف بيه؟”
الضبع شاور للراجل اللي ماسك السكينة، فسحب الكيس الأسود من على وش شريف. شريف أول ما شاف نادين، صرخ بصوت تعبان ومبحوح: “نادين! إيه اللي جابك هنا؟ الورق لأ يا نادين.. الورق ده فيه خراب بيوت!”
* “اسكت يا راجل يا عجوز!” الضبع زعق وضربه بضهر المسدس في راسه، فشريف أن من الوجع ونزل دم من جبهته.
نادين قلبها وجعها وصرخت: “سيبه! سيبه وأنا هديك الشنطة اهي!”
الضبع عينيه لمعت بالجشع: “هاتي الشنطة.. ارميها على الأرض هنا وولعي كشاف موبايلك عشان أشوف الخريطة.”
نادين بصت لسليم، فسليم هز راسه بإشارة خفيفة. نادين قدمت خطوتين، وقلبها بيدق في رجليها، رمت الشنطة القماش تحت رجيلن الضبع. الضبع وطى بسرعة وبشغف فتح السوستة، ومد إيده عشان يطلع الورق الكروكي..
بس المفاجأة إن إيده ملقتش ورق.. إيده لمست علبة حديد سودا صغيرة، وفيها لمبة حمراء بتنور وتطفي بسرعة مرعبة.
الضبع برق عينيه واستوعب في ثانية: “دا مش ورق! دا شرك! اضربواااااااااا!!”
قبل ما الكلمة تطلع كاملة من بؤ الضبع، نادين شافت سليم بيشدها من دراعها بعنف وبيرميها ورا سور تربة مبني من الطوب، وفي نفس اللحظة.. العلبة السودا انفجرت!
الانفجار مكنش بيموت، بس طلع كمية دخان أبيض كثيف جداً وعميق، غطى المنطقة كلها في ثواني وخلى الرؤية صفر. وبدأ ضرب النار الكثيف يشتغل من كل حتة. رجالة طارق السيوفي، اللي كانوا مستخبيين فوق أسطح المدافن وفي الممرات، بدأوا يضربوا نار على رجالة الضبع زي المطر.
الدنيا اتقلبت جهنم في ثواني. أصوات الصراخ، وضرب الآلي، ووقوع الرصاص على الحيطان كان بيعمل صدى صوت يرعب القلوب. نادين كانت حاطة إيديها على ودانها وميتة من الرعب ورا السور، وسليم كان واقف جمبها بيضرب نار بدقة ويموت رجالة الضبع واحد ورا التاني.
فجأة، وسط الدخان، ظهر الضبع وهو بيجري زي المجنون، وكان ماسك شريف من قفاه وبيجرجره وراه وهو بيضرب نار عشوائي عشان يهرب من الممر الخلفي للمقابر.
* “الباشا! الضبع بيهرب بشريف من الممر الغربي!” سليم زعق في اللاسلكي.
وفي أقل من دقيقة، ظهر خيال ضخم من وسط الدخان.. كان طارق السيوفي بنفسه. نزل من عربيته المصفحة ودخل وسط ضرب النار وكأنه عزرائيل. مكنش بيجري، كان بيمشي بخطوات ثابتة وسريعة، والطبنجة في إيده بتتحرك وتضرب وتموت أي حد يقف في طريقه.
طارق لمح الضبع وهو بيزق شريف جوة عربية جيب عشان يهرب. طارق رفع سلاحه وصوب على كاواتش العربية وضرب طريقتين، الكاوتش انفجر والعربية مالت. الضبع نزل وهو بيصرخ وبيدور على أي مخرج، ولقى شريف واقع على الأرض. رفع مسدسه وعايز يضرب شريف في راسه عشان يخلص منه.
نادين شافت المشهد ده من ورا السور، ومستنتش. من غير ما تفكر، سحبت الطبنجة الصغيرة من جيب الشنطة اللي كانت واقعة جمبها، ووقفت وبإيدين بترعش صوّبت ناحية الضبع وغمضت عينيها وضربت طلقة!
الطلقة مجتش في الضبع، بس خبطت في الصاج بتاع العربية جمب ودنه بالظبط، فالضبع اتخض ولف وشه ناحية الصوت.. الإلهاء ده كان كفيل لطارق السيوفي.
في جزء من الثانية، طارق كان وصل عنده، وبحركة سريعة وقوية ضرب الضبع بـ شلوت في بطنه طيره مير ونزل المسدس من إيده. طارق مسكه من هدمه ورفعه لفوق، وضربه بالبوكس في وشه مية حتة، لحد ما الضبع بقى تحت رجليه بينزف ومش قادر يتنفس.
طارق وقف فوقيه، وحط بوز الطبنجة في نص جبهة الضبع، وعينيه كانت خالية تماماً من أي رحمة: “قولتلك ميت مرة يا ضبع.. طارق السيوفي مبيسلمش حاجته، واللي بيقرب من رجالته بيدفن هنا.. والنهاردة ليلتك.”
* “أرجوك.. أرجوك يا طارق بيه.. بلاش.. الخريطة مش عايزها.. سيبني أعيش..” الضبع كان بيترجاه وهو بيموت من الرعب والدم مغطي وشه.
سليم جيري بسرعة وأخد شريف وفك حباله، وشريف كان بيكح وبيشكر ربنا إنه لسه عايش. نادين مشيت بخطوات بطيئة وهي بتترعش، وبصت لطارق اللي كان خلاص هيدوس على الزناد وينهي حياة الضبع.
* “طارق.. لأ.. بلاش.” نادين قالت بصوت ضايف ومبحوح.
طارق ثبت إيده، ولف عينه وبص لنادين واستغرب من كلمتها: “البنت دي بتقولي لأ؟”
* “بلاش تقتله.. عشان خاطري.. بلاش دم تاني.. هو خلاص خسر وكل رجالته ماتت أو اتأسرت.. سيبه للشرطة، بلاش تلوث إيدك بيه قدامي.” نادين قالت والدموع في عينيها.
طارق فضل باصص لعينيها لثواني طويلة. المكان كله سكت، ورجالته كلهم كانوا واقفين مستنيين إشارته. نظرة نادين الباكية والبسيطة، خلت الغول اللي جواه يهدى لأول مرة في حياته. سحب المسدس من جبهة الضبع، وتف على الأرض وقال لسليم بقرف: “اكسروا رجليه الاتنين، وارموه قدام مديرية الأمن مع ملف إبراهيم.. مش عايز أشوف وشه في البلد دي تاني.”
التفت لنادين، ومشي لحد عندها. بص للطبنجة الصغيرة اللي لسه في إيدها وبترتعش. مد إيده وبحنان أخد منها الطبنجة وحطها في جنبه، وبعدين سحبها لحضنه وضمها بقوة. نادين في اللحظة دي استسلمت تماماً، ودفنت وشها في صدره العريض وبدأت تعيط بنشيج عالي وهي بتطلع كل الرعب اللي عاشته. طارق كان بيطبطب على ضهرها وبيهمس لها: “خلاص يا نادين.. كل حاجة انتهت.. أنتِ في أمان.”
بعد ساعتين.. رجعوا كلهم للبيت الكبير.
المهندس شريف كان قاعد في الصالون، وعم حسين بيعمله غرز في راسه وبيطهر جروحه. شريف بص لطارق وقال له بامتنان: “شكراً يا صاحبي.. أنا كنت عارف إنك مش ه تسيبني.. بس الخريطة دي راحت فين؟”
طارق سحب الخريطة الأصلية من جيبه وحطها على الترابيزة: “الخريطة اهي يا شريف. وبكرة الصبح، الورق ده هيتسلم لـ جهات سيادية حيوية في البلد عشان الأنفاق دي تتقفل بالخرسانة المسلحة وتتأمن رسمي. الخطر ده لازم ينتهي عشان محدش يلعب بيه تاني.”
بص لنادين اللي كانت قاعدة بتشرب شاي دافي ووشها بدأ يرد فيه الروح: “والبشمهندسة نادين.. من بكرة، مكتبها الهندسي هيستلم عملية تشطيب الفندق بالكامل، وبعقد رسمي ومقدم يخلي مكتبها الأكبر في القاهرة.. دا أقل واجب للي عملته النهاردة.”
شريف ابتسم وبص لنادين: “والله يا نادين أنتِ بطلة.. طلقة امبارح هي اللي لحقتني.” نادين اتكسفت وبصت للأرض.
عم حسين أخد شريف عشان يرتاح في أوضة الضيوف، وساب طارق ونادين لوحدهم قدام الدفاية. الصمت كان مالي المكان، بس كان صمت مريح ومش مخيف زي زمان.
* “أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي..” نادين قالت وهي بتبص للنار: “أنت غيرت حياتي كلها في يومين.”
طارق قعد جمبها، وبص لها بنظرة عميقة وصادقة: “أنا اللي بشكرك يا نادين. أنتِ دخلتي حياتي بالصدفة في المترو.. بس الصدفة دي صحت فيا بني آدم كنت فاكر إنه مات من عشرين سنة. بني آدم بيعرف يحس، وبيعرف يخاف على حد، وبيعرف ينام وهو مطمن.”
مد إيده ولمس وشها براحة: “الشغل هيبدأ من بكرة.. بس وجودك هنا في البيت الكبير.. مش هينتهي. أنتِ بقيتي حتة مني يا نادين.”
نادين ابتسمت وحست إن ضربات قلبها سريعة، بس المرة دي مش من الخوف.. المرة دي من مشاعر جديدة بدأت تتولد جواها ناحية الراجل الغامض ده.
لكن وهي بتبتسم، تليفون طارق الخاص رن تاني برنة غريبة ومختلفة.. رنة طارق أول ما سمعها وشها اتخطف تماماً، ووقف فجأة.
مسك الموبايل وفتح الخط، وجاء له صوت راجل غامض، صوته أعمق وأخطر من الضبع بمية مرة، وبلهجة شامية قال له: “فاكر إنك خلصت من الضبع يا سيوفي؟ الضبع كان مجرد عسكري في رقعة الشطرنج بتاعتنا.. والخريطة اللي هتنزل تسلمها بكرة.. النسخة اللي معاك ناقصة أهم صفحة.. والصفحة دي معانا إحنا.. واللعب الكبير لسه هيبدأ.”
طارق عينيه اسودت، وبص لنادين اللي وقفت فجأة وهي حاسة إن المصيبة الأكبر لسه بتفتح أبوابها.. وإن الدوامة ملهاش آخر.

