حماتــي أصــرّت إن فــرش شقّتـي الجديـدة ج 2

الخبط على الباب كان بيزيد لدرجة إن الحيطة كانت بتتهز معانا. أحمد بص لي وعينيه مليانة قلق، بس أنا كنت حاسة بهدوء غريب. قمت وقفت، مسحت دموعي، وخدت نفس عميق. كنت عارفة إن الخبط ده مش خبط ناس جاية تتفاهم، ده خبط ناس جاية تنهي المعركة.
بصيت لأحمد: “اوعى تفتح الباب، خليك ورايا.”
مشيت بخطوات ثابتة ناحية الباب، وسألت بصوت عالي: “مين؟ مين اللي بيخبط بالطريقة دي؟”
جالي صوت من ورا الباب، صوت حماتي “زينب”، بس المرة دي كان صوت مختلف، صوت مكسور ومحروق: “افتحي يا مروة.. افتحي أنا عارفة إنكم جوه.. مش عايزة أذيتكم، أنا جاية أصلح غلطة عمري!”
أحمد شدني من إيدي: “مروة، بلاش.. دي ممكن تكون فخ.”
بصيت لأحمد وهزيت راسي بالنفي: “لو عايزة تأذينا، كانت جابت رجالة يكسروا الباب، مش هتيجي هي بنفسها. خليني أشوف هي عايزة إيه.”
فتحت الباب ببطء. لقيت الحاجة زينب واقفة في الطرقة، مبهدلة، طرحتها مش مظبوطة، وعينيها دبلانة كأنها ما نامتش بقالها سنين. وراها كان فيه حد تاني.. كان “محامي العيلة” القديم، الأستاذ صبري.
دخلت وقعدت على أقرب كنبة، من غير ما تستأذن، وكأن البيت بيتها. بصت لنا وقالت بصوت متهدج: “سمر وجوزها.. هربوا.”
أحمد اتفاجئ: “هربوا؟ راحوا فين؟”
“خدوا كل الورق، وكل الفلوس اللي كانت في الخزنة، وطلعوا على المطار. كانوا بيخططوا من زمان يصفوا كل حاجة ويسافروا، وأنا.. أنا كنت مجرد وسيلة في إيدهم. لما بدأت أعترض، وبدأت أقول إن اللي بيعملوه ده غلط، انقلبوا عليا، وهددوني باللي يعرفوه عني.. هددوني بفضايحي اللي سمر كانت بتسجلها لي من ورا ضهري.”
ضحكت بسخرية: “يا سلام يا حاجة زينب! دلوقتي بقيتي غلبانة وضحية؟ إنتي اللي كنتِ بتخططي، وإنتي اللي كنتِ بتعملي الفتنة بيني وبين ابنتك!”
بصت لي بنظرة انكسار حقيقية المرة دي: “أنا عارفة.. عارفة إني ظلمتك يا بنتي. طول عمري كنت فاكرة إني بحمي سمر، بس اكتشفت إني كنت بربي تريان، بيستنى اللحظة اللي ينهش فيها فيا. أنا جيت النهاردة عشان أديكِ حاجة.”
أشارت للمحامي صبري، فطلع ملف تقيل من شنطته وحطه على التربيزة. “ده إقرار وتنازل عن كل الأملاك اللي سمر وجوزها سرقوها، ومستندات تانية بتثبت إنهم هما اللي زوروا الصور والفيديوهات اللي شفتوها. المحامي ده هو اللي كان بيخلص لهم الورق، وقرر إنه يقلب عليهم قبل ما يطيروا، عشان يحمي نفسه من التورط في قضايا النصب.”
أحمد فتح الملف، كان فيه كل حاجة.. عقود، وتوكيلات، وحسابات بنكية، وحتى إيصالات أمانة كانوا كاتبينها عليا وعلى أحمد عشان يبتزونا.
“ليه بتعملي كدة دلوقتي يا أمي؟” سأل أحمد بصوت واطي.
ردت بدموع: “عشان عايزة أموت وأنا ضميري مرتاح. سمر ما بقتش بنتي اللي أعرفها، سمر بقت شيطانة. وأنا.. أنا تعبت يا أحمد. تعبت من الكذب، وتعبت من الظلم.”
سكتنا كلنا. الجو في الشقة كان مشحون بمشاعر متناقضة، غضب، شفقة، وندم. المحامي صبري بدأ يتكلم بصوته الرخيم: “يا جماعة، الوقت بيجري. سمر وجوزها لسه في مصر، وممكن نلحقهم لو تحركنا بسرعة. الأوراق دي كافية إنها تمنعهم من السفر، وتخليهم ورا القضبان.”
بصيت لأحمد. كان القرار قراري وقراره. لو سيبناهم يهربوا، الورق ده هيفضل مجرد ورق، بس لو تحركنا، هنقدر نرجع حقنا ونحط حد للمسلسل ده.
“نروح فين؟” سأل أحمد.
رد المحامي: “على قسم الشرطة، وعلى المطار. أنا مجهز كل الإجراءات القانونية.”
بدأنا نتحرك. ركبنا العربية، والحاجة زينب كانت معانا، ساكتة طول الطريق. كنت ببص من الشباك وبفكر في كل اللي حصل. سنتين من عمري ضاعوا في محاولة إرضاء ناس ما تستاهلش. بس في نفس اللحظة، كنت حاسة إن التجربة دي هي اللي صقلتني، هي اللي خلتني “مروة” القوية اللي واقفة دلوقتي وبتواجه الكل.
وصلنا المطار، والشرطة كانت في انتظارنا بناءً على بلاغ المحامي. المطار كان زحمة، والناس رايحة وجاية، وأنا عيني كانت بتدور في كل حتة. وفجأة.. لمحتهم.
سمر كانت لابسة نظارة شمس كبيرة، وجوزها كان شايل شنط كتير، وبيدخلوا على بوابة الجوازات.
صرخت: “هناك هما!”
أحمد والشرطة جريوا ناحيتهم. كان مشهد سينمائي.. سمر حاولت تهرب، بس الأمن كان أسرع. جوزها حاول يقاوم، بس اتسيطر عليه في ثواني.
وقفت بعيد، بتفرج على انهيار “مملكة الشر” اللي سمر كانت بتبنيها. سمر بصت ناحيتي، وخلعت نظارتها. كانت عيونها مليانة غل وحقد، بس كان باين فيها الهزيمة.
قربت منها، وقفت قدامها، والشرطة كانت بتحط الكلبشات في إيديها.
“كنتِ فاكرة إنك هتغلي وتبيعي في الناس للأبد يا سمر؟” قلت لها بهدوء. “الظلم ما بيدومش، والحق بيرجع لأصحابه، لو مش النهاردة.. بكرة.”
سمر بصقت في الأرض وقالت: “إنتي فاكرة إنك خلصتي؟ لسه فيه مفاجآت تانية.. إنتي مش عارفة مين اللي كان بيساعدني بجد، ومين اللي كان بيمول كل ده!”
الكلام ده رن في ودني. مين كان بيمول؟ هل فيه حد أكبر؟ هل دي مش نهاية اللعبة؟
أحمد جه وشدني من إيدي: “خلاص يا مروة، سيبيهم للشرطة، الموضوع خلص.”
رجعنا البيت، والحاجة زينب فضلت معانا. كان واضح إنها مكسورة تماماً، بس في نفس الوقت، كان فيه حاجة في عينيها بتقول إنها خايفة من سر لسه ما قالتهوش.
قعدت معاها في الصالة بعد ما أحمد نام من التعب. “يا حاجة زينب، سمر قالت إن فيه حد كان بيمولها.. تقصدي مين؟”
زينب بصت لي برعب، وقربت مني وهمست: “مش سمر اللي كانت بتخطط لكل ده لوحدها.. سمر كانت أداة. اللي كان ورا كل ده، هو أخوكي أنتِ يا مروة.”
اتجمدت في مكاني. أخويا؟ أخويا أنا؟ إيه اللي جاب أخويا في الموضوع ده؟
“أخوكي كان شريك سمر وجوزها في كل الصفقات المشبوهة.. هو اللي كان بيغسل الفلوس، وهو اللي كان بيعمل التهديدات. سمر كانت بتعمل ده عشان تغطي على خيانتها هي وأخوكي ليكي.”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا. أنا كنت فاكرة إن عدوي الوحيد هو حماتي وسمر، بس طلع العدو أقرب مما أتخيل. أخويا.. الدم اللي من دمي.. كان بيخطط لتدميري وتدمير بيتي؟
ليه؟ ليه يعمل فيا كدة؟
“هو اللي كان باعت الصور المفبركة؟” سألت بصوت بيترعش.
هزت رأسها بإيجاب. “أيوة. كان عايز يورث أهلك ويستولى على كل حاجة بيمتلكوها، وكان شايف إن زواجك من أحمد هو اللي واقف في طريقه.”
قمت وقفت، وبدأت أتمشى في الصالة. كان لازم أفكر، لازم ألاقي خطة جديدة. الحرب ما انتهتش، الحرب اتنقلت لمرحلة تانية.. مرحلة دموية، ومرحلة شخصية جداً.
أحمد صحي ولقاني قلقانة. “في إيه يا مروة؟ ليه منهارة كدة؟”
بصيت لأحمد، وكنت محتارة. أقوله؟ أقوله إن أخويا كان شريك في كل ده؟ خفت لو قلت له، يتهد البيت من جديد، ويحس بالخذلان أكتر.
“مفيش يا أحمد.. مفيش حاجة.”
بس أحمد كان ذكي، وعارف إمتى بكذب. “مروة، قولي الحقيقة. إنتي مخبية إيه؟”
في اللحظة دي، سمعت صوت تليفوني بيرن. رقم غريب. رديت، وكان صوت أخويا.. “يا أختي العزيزة، كنتِ فاكرة إنك خلصتي من سمر؟ ده إنتي لسه شفتي البداية.. العبي مع الكبار، يا مروة.”
وقفل التليفون.
بصيت لأحمد بدموع: “أحمد.. أخويا.. هو اللي كان ورا كل ده.”
أحمد اتصدم، وبص لي بنظرة كانت بتجمع بين الحزن والغضب. “أخوكي؟ أخوكي يا مروة؟ طب ليه؟ ليه يعمل فيكي كدة؟”
“عشان الفلوس.. وعشان الجشع.”
قعدت على الأرض وبدأت أبكي. سنتين من الظلم، سنتين من المعاناة، وفي الآخر.. يطلع أخويا هو اللي بيحرك الخيوط من ورا الستار.
مسح أحمد دموعي: “يا مروة، إحنا هنواجهه. مهما كان مين، مش هسمح له يلمس شعرة منك.”
بس في قرارة نفسي، كنت عارفة إن أخويا مش هيسكت. أخويا كان أكتر ذكاءً وقسوة من سمر بكتير.
الليل كان طويل، والبيت كان هادي، بس في جوايا عاصفة. كنت عارفة إن بكرة هيكون يوم حاسم. كنت عارفة إن الصراع الحقيقي لسه هيبدأ، وإن أخويا مش هيسيبني في حالي.
في وسط الهدوء، سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت. صوت خطوات تقيلة جاية ناحية الباب.
بصيت من الشباك، وشفت أخويا.. واقف قدام الباب، ومعاه مجموعة من الرجالة.
“أحمد، جهز نفسك.. الحرب بدأت فعلاً.”
أخدت اللاب توب بتاعي، وبدأت أجهز كل التسجيلات وكل الأدلة اللي كنت محتفظة بيها. كان عندي خطة، خطة أخيرة، خطة إما نخرج منها منتصرين، أو..
أخويا خبط على الباب.. خبطة كانت أقوى من خبطة حماتي بمراحل.
بصيت لأحمد وابتسمت ابتسامة باهتة: “مستعد؟”
هز رأسه بإصرار: “لآخر نفس.”
فتحت الباب، ووقفت قدام أخويا بكل شموخ.. “أهلاً يا أخويا.. نورت بيتي.”
بدأت الحكاية الأخيرة.. حكاية الانتقام، وحكاية الحقيقة، وحكاية مروة اللي ما بقتش مروة الضعيفة اللي الكل بيستغلها.. مروة اللي بقت أقوى من أي حد.
سمر وجوزها كانوا مجرد البداية، بس أخويا كان النهاية.
يتبع.. ومين مستني الفصل الأخير؟
