حماتــي كانــت بتعامــل ضرتــي كأنها ملكــة ج 3

محمود بص للتليفون ووشه اتقلب، وبصلي بنظرة رعب وهو بيفتح السبيكر. صوت سمر طلع من السماعة، بس مكنش فيه عياط ولا ولولة زي الأول، مكنتش سمر الضحية.. دي كانت سمر الحية اللي بتنفث سمها، وضحكتها السخيفة كانت مالية المكان.
قالت بنبرة كله تشفي وقياحة: “إيه يا حودة؟ صوتك ماله مخضوض كده ليه؟ أكونش بوظت عليكوا طبخة الظهر؟”
محمود جز على سنانه وزعق في التليفون: “أنتِ فين يا سمر؟ والورق اللي اتسرق من البيت ده معاكي؟ انطقي بدل ما آجي أطربق الدنيا فوق دماغك ودماغ أخوكي!”
ضحكت تاني وقالت بكل برود: “تطربق إيه يا عين أمك؟ أعلى ما في خيلك اركبه. الورق الأصلي معايا وفي حرز حريز، وعقد البيع والوصية المسجلة اللي هناء كانت فاكرة نفسها هتاخد بيهم بيت العيلة كله، بقوا في إيدي أنا. تحب أقولك لقتهم فين؟ أصل هناء غبية، فاكرة إنها لما تخبي الظرف في وسط ملايات السرير اللي في الدولاب مفرشة بالورد، مش هعرف أتوصل له! ده أنا حافظة دبة نملة البيت ده، ودخلت في غفلة منكم وأمك نايمة وهي زي الفرخة الديخة، وخدت حقي وحق أولادي اللي كنتم عايزين تأكلوه عليا.”
أنا حطيت إيدي على بوقي وأنا مش مصدقة، افتكرت اليوم اللي سمر نزلت فيه تلم حاجتها وذهبها، طبعاً كانت بتتحجج بالهدوم ودخلت شقتي بحجة إنها بتدور على حاجة تخصها ومحمود مكنش مركز معاها من كتر الزعيق، وغفلتنا وسرقت الشقا كله!
محمود صرخ فيها: “أنتِ حرامية يا سمر! حرامية وبتسرقي ورق مش حقك، ده تزوير وسرقة وهحبسك!”
ردت عليه بكل لؤم وثقة: “توجع قلبك ليه يا محمود؟ المحامي بتاعي قال لي إن الورق ده ملوش أي لزمة في إيدكم طالما مش معاكم الأصل، والآن الأصل معايا أنا، يعني أنا اللي في إيدي ألغيه، أو أثبت إن أمك مضت عليه وهي مش في وعيها، والشهود بتوع المنطقة كلهم هيبصموا بالعشرة إن الحجة مكانتش دريانة بالدنيا. لو عايز الورق ده يرجع، والنيابة والمحاكم والفضايح تقف، يبقالنا كلام تاني خالص.”
محمود سألها وعينيه بتطلع شرار: “عايزة إيه يا سمر؟ خلصي!”
قالت بقسوة: “عايزة الأرض اللي ورا البيت تتنازل لي عنها رسمي بعقد بيع منك ومن أمك، وشقتي تتكتب باسمي ومحدش يقدر يخرجني منها، والمؤخر بتاعي يتدفع كاش طالما استرجلت وطلقتني في وسط أهلي. قدامك لحد بكره الصبح قبل معاد النيابة، يا إما الورق ده هيتحرق قدام عينيك والنيابة هتيجي تعاين وتقلب البيت، وأمك هتدخل المحاكم وهي على آخر أيامها.” قفلت السكة في وشه، والخط قطع.
الصالة بقت زي القبر. محمود رمى التليفون على الكنبة وقعد يلطم على فخاده وهو مش عارف يتصرف إزاي. بصلي وقال وهو عاجز تماماً: “ضيعتينا يا هناء.. ضيعتينا وضيعتي حق أمي. لو الورق ده راح، سمر هتاخد الأرض والبيت وهتطردنا كلنا، وأمي مش هتحتمل بهدلة المحاكم وقضايا الحجر.”
دموعي نزلت، بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع قهر وغيظ. وقفت في نص الأوضة وقلت له بصوت حاد وقوي: “أنا مضيعتش حد يا محمود! أمك هي اللي كتبت الورق ده بأرادتها، وأنا مكنتش أعرف إن سمر بالوساخة دي عشان تدخل تسرق من دولابي. بس وحياة ولادي، ما هسيبها تفرح باللي عملته، والأرض والبيت مش هيروحوا للي ميسواش.”
دخلت أوضة حماتي، لقيتها صاحية وعينيها مليانة دموع، الظاهر سمعت كل حاجة من برا. مسكت إيدي وقالت بصوت مبحوح: “الورق ضاع يا هناء؟ سمر سرقته؟”
وطيت عليها وبست إيدها وقلت لها: “ماتخافيش يا ماما، حقك وحق تعب عمرك مش هيروح، ربنا مابيسبش المظلوم، والست اللي صبرت 11 سنة على المر، مش هتقع في آخر الخطوة.”
خرجت من البيت وأنا دماغي بتلف زي الموتور. سمر فاكرة إنها كسبت الحرب عشان معاها الورق الأصلي، وفاكرة إن المحامي بتاعها أذكى خلق الله. بس أنا فكرت في حاجة هما مخدوش بالهم منها. العقود دي مسجلة وصية وتنازل في الشهر العقاري! يعني فيه أصل مسجل في دفاتر الحكومة والدولة، والسرقة دي ملهاش قيمة غير لو هما قدروا يثبتوا إن حماتي مكانتش في وعيها وقت التسجيل، والتسجيل ده تم من سنتين يعني وهي بكامل صحتها وقوتها قبل ما يحصل لها أي حاجة!
رحت للمحامي بتاعنا، أستاذ رأفت، راجل طيب ومن بقية أهلنا وبيفهم في الأصول. حكيت له كل اللي حصل من طقاطق للسلام عليكم.
أستاذ رأفت عدل نضارته وابتسم وقال لي: “يا مدام هناء، سمر دي بغبائها ده وقعت نفسها في مصيبة. هي فاكرة إن الورق ده زي عقود البيع العادية اللي بتتدفن وخلاص. طالما فيه تنازل مسجل وصية في الشهر العقاري ومن سنتين، يبقى التاريخ ده هو الحماية بتاعتكم. المحكمة لما بتيجي تبحث في قضايا الحجر أو التزوير، بتبص لتاريخ التسجيل، وحماتي في التاريخ ده مكنش عندها أي تقارير طبية بتقول إنها فاقدة الأهلية. السرقة اللي هي عملتها دي، دي جناية سرقة مستندات وهدم حق، ولو ثبتنا إنها سرقته، هتروح ورا الشمس.”
قلت له بلهفة: “ونثبت إزاي يا أستاذ رأفت؟ دي بتقول معاها شهود زور من المنطقة وهيقولوا إن أمي مضت في المستشفى!”
قال لي بخبث: “النيابة مابتمشيش بكلام مصاطب وشهود زور في وجود ورق رسمي ومسجل. إحنا بكره هنروح النيابة، وهنطلب استخراج صورة رسمية مختومة من الشهر العقاري للعقود دي، وهنقدم بلاغ رسمي ضد سمر بطلب تفتيش وسرقة مستندات، وهنطلب شهادة الدكتور اللي عمل العملية للحجة عشان يثبت إن الست لما دخلت المستشفى كانت بكامل قواها قبل ما تدخل العمليات، وإنها متمضتش على حاجة جوه المستشفى أصلاً! سمر هتروح بكره النيابة وهي فاكرة إنها ماسكة السكينة من يدها، وهتفاجأ إن السكينة هتقطع رقبتها.”
رجعت البيت وروحي ردت فيا شوية، فهمت محمود الخطة، وبدأ يهدأ ويمسح عرق الخوف من على وشه. بس الليل ده مكنش بيمر، الساعات كانت بتعدي كأنها سنين.
تاني يوم الصبح، الساعة 9 بالثانية، كنا واقفين قدام باب النيابة. أنا ومحمود وأستاذ رأفت. وبعد دقايق، وصلت سمر ومعاها أخوها مدحت والمحامي بتاعهم، وكانوا داخلين وفاردين ضهرهم وعينيهم مليانة شماتة. سمر بصت لي من تحت لفوق وقالت بصوت واطي وهي بتمر من جنبي: “جهزي شنطتك يا هناء، الأيام اللي جاية هتقضيها في الشارع.”
مردتش عليها، وبصيت قدامي بكل برود.
دخلنا لغرفة وكيل النيابة. المحامي بتاع سمر بدأ يتكلم ويقول: “يا فندم، موكلتي سمر بتتهم المشكو في حقها هناء، بالتدليس والنصب، واستغلال مرض الحجة أم محمود، وتوقيعها على عقود بيع وتنازل عن البيت والأرض وهي غايبة عن الوعي في المستشفى، ومعانا صور المسودات اللي بتثبت النية، وبنطلب معاينة العقود الأصلية وإبطالها.”
وكيل النيابة بص في الورق، وبص لمحمود وبصلي، وقال: “أين العقود الأصلية التي تم التنازل بها؟”
هنا أستاذ رأفت اتدخل بكل هدوء وثقة، وطلع ورق من شنطته وقال: “يا فندم، العقود الأصلية تم سرقتها من شقة الموكلة هناء عبد الرحمن بواسطة المشكو في حقها سمر، وإحنا مقدمين بلاغ سرقة رسمي ومثبت بوقائع تفتيش الشقة. ومقدمين لسيادتك دلوقتي صورة طبق الأصل مستخرجة رسمي من دفاتر الشهر العقاري، ومختومة بشعار الجمهورية، والتاريخ المدون عليها يعود إلى سنتين ماضيتين، أي في فترة كانت الحجة بكامل صحتها وقواها العقلية، وقبل دخولها المستشفى بمدد طويلة.”
وكيل النيابة مسك الصور الرسمية وبدأ يراجع التواريخ والأختام. وش المحامي بتاع سمر اتقلب، وبص لسمر بغضب مكتوم، وسمر بدأت تترعش وتبرق وعينيها تروح وتيجي.
أستاذ رأفت كمل وقال: “وبنطلب من النيابة الموقرة، إلزام المشكو في حقها بتقديم العقود الأصلية التي أقرت في مكالمات مسجلة (ومعانا تفريغ ليها) إنها بحوزتها بعد ما سرقتها، وتوجيه تهمة سرقة مستندات رسمية والشهادة الزور.”
وكيل النيابة رفع عينه وبص لسمر بحدة وقال لها بصوت صارم: “الورق الأصلي فين يا سمر؟”
سمر لسانها اتقلبت واتلعثمت وقالت برعب: “يا.. يا فندم.. أنا.. أنا كنت فاكرة..”
أخوها مدحت اتدخل وحاول ينقذ الموقف وقال: “يا باشا إحنا معناش ورق، دي إشاعات!”
لكن وكيل النيابة زعق فيهم وقال: “الكلام ده ميمشيش هنا! الورق مسجل من سنتين يعني مفيش تزوير ولا استغلال مرض. وبناء على البلاغ المقدم، هتشكل لجنة لتفتيش شقة المشكو في حقها بحثاً عن الأصول المسروقة.”
خرجنا من غرفة التحقيق وسمر كانت هتموت من الرعب وأخوها عمال يزعق لها في الممر ويقول لها: “وديتينا في داهية بغبائك! مش قولتي الورق ده ملوش أصل في الحكومة!”
حسيت بنصر كبير، بس النصر ده مكنش كامل.. لأن لما رجعنا البيت، لقينا جارتنا أم أحمد واقفة بتصوت على السلم وبتقول: “الحق يا محمود! الحق يا هناء! الحجة أم محمود تعبت والوجع مسكها تاني، وشكلها بتودع!”
جريننا على جوه، ولقينا حماتي في السرير، بتتنفس بصعوبة جداً، وعينيها مقلوبة لفوق. محمود صرخ ووقع على ركبه: “أمي! ماتموتيش وتسيبيني يا أمي!”
حماتي فتحت عينيها بالعافية، وبصت حولين الأوضة كأنها بتدور على حد، ولما شافتني، شاورت بإيدها المرتعشة وقالت بصوت طالع بالعافية كأنه حشرجة الموت: “هناء.. الأرض.. الأرض يا هناء فيها…”
وملحقتش تكمل الكلمة، وإيدها وقعت على السرير وعينيها اتفلتت تماماً…
البيت كله اتشقلب، الصراخ ملى الحيطان، ومحمود وقع على الأرض مش قادر يقف من الصدمة. في لحظة واحدة، راحت الست اللي كانت محور حياتنا، الست اللي بكلمة منها كانت بتغير موازين الدنيا، والست اللي كانت شايلة سر الأرض والورق في عقلها وقلبها.
كنت واقفة مذهولة، مش قادرة أصدق إن حماتي راحت، وقبل ما تكمل جملتها! “الأرض يا هناء فيها…” فيها إيه يا حجة؟ إيه اللي كانت مخبياه وعايزة تقوله؟
سمر وأخوها كانوا واقفين على باب الشقة، أول ما سمعوا الصريخ والولولة، دخلوا بوشوش كأنه عليها قناع حزن مصطنع، بس عيونهم كانت بتلمع بشماتة خفية. كانوا فاكرين إن بموتها، كل حاجة هتبوظ، وإننا مش هنعرف الحقيقة اللي كانت لسه هتخرج من بقها.
الايام اللي بعدها كانت كابوس، عزا وناس طالعة وناس داخلة، وأنا كنت غايبة عن الوعي. كنت بفتكر كلام حماتي الأخير، وبدور في عقلي، يا ترى الأرض فيها إيه؟ هل فيها كنز؟ ولا ورق تاني؟ ولا هي كانت بتلمح لحاجة تانية خالص؟
سمر ما سكتتش، في نص العزا، لقيتها داخلة المطبخ وأنا بصب القهوة للمعزيين، وبتقولي بصوت واطي وسم: “أهو الست راحت، والسر مات معاها. والورق اللي معاكي ده يا هناء ملوش أي تلاتين لازمة من غيرها، هتقدري تثبتي إيه قدام النيابة لما يسألوا عن تفاصيل التسجيل؟ أنا لسه معايا الأصل، وبكره هقلب الطاولة عليكم، والبيت ده هيتوزع ورث شرعي على الكل، يعني غصب عنك، هتبيعي وتديني حقي!”
بصيت لها ببرود، رغم إن قلبي كان بيتقطع، وقلت لها: “يا سمر، الموت بيغير الناس، بس واضح إنك مفيش حاجة هتغيرك. الحجة ماتت وهي راضية عني، وماتت وهي بتوصيني على الأرض دي، والوصية دي مش بس ورق في الشهر العقاري، دي عهد في رقبتي.”
خرجت من المطبخ وسيبتها بتتوعد. محمود كان مكسور، فقد أمه، وفقد ثقته في سمر تماماً، وبدأ يعيش في دوامة حزن. بس أنا مكنتش هسكت. أخدت مفتاح “الأرض” اللي كان في ميدالية مفاتيح حماتي، المفتاح اللي كانت دايماً بتلبسه في رقبتها في سلسلة دهب، وكنت دايماً بفتكرها بتلمسه وهي قلقانة.
في يوم التالت، والكل نايم من التعب، خدت محمود ونزلت للأرض دي. الأرض كانت عبارة عن مساحة كبيرة ورا البيت، فيها مخزن قديم كانت حماتي قفلاه بقالها سنين، ومحدش كان بيدخله غيرها.
محمود بص لي باستغراب: “هناء، بتعملي إيه هنا؟ الوقت متأخر والأرض دي مفيهاش غير خردة وكراكيب.”
قلت له: “يا محمود، أمك قبل ما تموت قالت لي ‘الأرض فيها’. لازم نعرف إيه اللي فيها.”
حطينا المفتاح في قفل المخزن الصدي، ولفناه بصعوبة. الباب اتفتح، وطلع ريحة تراب وقديم. دخلنا بالكشافات، ولقينا المكان مليان صناديق خشبية قديمة، وأكياس مكدسة. دورنا في كل حتة، لحد ما لمحنا صندوق حديد صغير، متغطي بقطعة قماش خيش.
فتحت الصندوق، وشهقت! مكنش فيه دهب ولا فلوس، كان فيه “دفتر حسابات” مكتوب فيه كل تفاصيل الأرض، ومعاه “شهادة تسجيل” تانية خالص، ومعاها رسالة مكتوبة بخط إيد حماتي، وموجهة ليا أنا!
فتحت الرسالة وإيديا بترتعش وقرأت:
“بنتي يا هناء، لو قريتي الورقة دي، يبقى أنا روحت للي خلقني. الأرض دي يا هناء مش بس طوب وأرض، الأرض دي تحتها ‘خزنة قديمة’ كان جوزي -أبو محمود- مخبي فيها ورق الملكية الأصلي من أيام جدي، ومعاه وصية تانية بتوضح إن الأرض دي ‘وقف’ لولاد ولادنا، ومحدش من العيال يقدر يبيعها أو يورثها لأي حد من بره البيت، والشرط ده كان مكتوب وموثق قبل ما نتجوز حتى. سمر لو عرفت إن الأرض ‘وقف’ وملكيتها مقيدة، هتتجنن، لأنها مكنتش عايزة غير إننا نبيع ونقسم عشان تاخد نصيبها وتخلع.”
بصيت لمحمود اللي كان بيقرا معايا والدموع في عينيه، وقلت له: “يعني الأرض دي مش للبيع يا محمود؟ يعني سمر مهما عملت، مش هتاخد فيها مليم؟”
محمود مسح دموعه وقال: “دي وصية أمي، والوقف ده يعني الأرض محمية بقوة القانون والشرع. سمر كانت عايزة تبيع وتسترزق، وأمي كانت عارفة ده وعشان كدة كتبت لي الأرض في الوصية التانية عشان تحميها من طمع سمر، ولما لقت سمر زادت في غيها، خلت الوصية دي هي الضمان الأخير.”
سمعنا صوت حد ماشي برا المخزن، ووقع في قلبي الرعب. كان مدحت، أخو سمر، واقف ومعاه اتنين من صبيانه، وكانوا مراقبيننا! دخل علينا وهو بيضحك ضحكة شيطانية: “آدي اللي كنت بدور عليه! أصل أختي قالت لي إنكم رايحين الأرض، وأنا قولت أكيد فيه حاجة مخبية هنا.”
بص لنا وهو بيقرب وبيمد إيده ياخد الصندوق: “هاتوا اللي في إيدكم ده، بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبكم!”
محمود وقف قدامه بجسمه وقال له بصوت عالي: “مدحت، ابعد عننا، المكان ده ملكنا، والورق اللي هنا ده هيوديكم في داهية!”
مدحت ضحك وقال: “ورق إيه؟ إحنا في بلد مفيهاش قانون، والورق ده لو اتحرق، مين هيعرف الحقيقة؟”
في اللحظة دي، سمعنا صوت صرخة سمر من بعيد، كانت جاية هي كمان، وشكلها كانت خايفة من حاجة. بس الصرخة دي مكنتش خوف، كانت صرخة “فضيحة”.
سمر دخلت وهي بتنهج وقالت: “مدحت! سيبهم.. سيب الصندوق! فيه.. فيه ناس برا.. الحكومة!”
اتحولت ملامح مدحت للرعب، بص للباب، ولقى نور عربيات شرطة داخلة على الأرض! سمر كانت بلغت عننا فاكرة إننا بنخبي دهب أو ممنوعات، بس هي مكنتش تعرف إن البلاغ ده هو اللي هيجيب نهايتها هي ومدحت.
وكيل النيابة دخل الأرض، ومعاه قوة، بص لسمر اللي كانت واقفة مصدومة وبص لمدحت اللي في إيده الصندوق، وقال بصوت قوي: “سمر، أنتِ اللي بلغتِ إن فيه تزوير وأعمال غير قانونية في الأرض دي؟ أدينا جينا نعاين، ونشوف إيه الحكاية.”
أنا طلعت الرسالة ودفتر الحسابات، وقدمتهم لوكيل النيابة: “يا فندم، الأرض دي ‘وقف’ موثق، وإحنا معانا أصول الأوراق، ودول كانوا بيحاولوا يسرقوها ويهددونا!”
سمر صرخت: “دي كدابة! دي بتلفق تهم!”
وكيل النيابة خد الصندوق من مدحت وفتحه، وشاف الأوراق، وبص لسمر نظرة كفيلة إنها تموتها من الرعب: “أوراق وقفية مسجلة ومختومة؟ يعني الأرض دي مينفعش حد يتصرف فيها بالبيع؟ وأنتِ كنتِ بتحاولي تضغطي عليهم عشان يبيعوا ويقسموا؟”
مدحت بدأ يتراجع ويقول: “أنا.. أنا كنت جاي أساعدهم بس!”
وكيل النيابة أشار للعساكر: “قبضوا عليهم، بتهمة تهديد، ومحاولة سرقة مستندات، وبلاغ كاذب!”
سمر كانت بتصرخ باسم محمود، بس محمود كان واقف بعيد بيبص لها بإشفاق.. مكنش فيه حب، مكنش فيه غضب، كان فيه بس راحة من كابوس طويل كان عايش فيه.
بصيت لمحمود، ومسكت إيده، وكان الصندوق في إيدي التانية.. الصندوق اللي كان مفتاح النجاة، واللي كان آخر هدية من “حماتي” اللي عرفت في الآخر تختار مين اللي يصون الأمانة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *