اماني سيد ج الأخير

أبويا وقف في مكانه أول ما شافهم قربوا، وبص لهم من فوق لتحت ببرود تام، ملامحه مكنش عليها أي مفاجأة كأنه كان متوقع وجودهم. إبراهيم قدم خطوة ووشه خاطف، وحاول يتكلم ويقول: “يا عمي.. إحنا جايين من الصبح ومستنيينكم عشان…”
لكن بابا قطعه بإشارة حازمة من إيده، وقال بنبرة صوت ناشفة ومفهاش أي مجال للنقاش: “إحنا لسه راجعين من بره، وجايين تعبانين ومش طايقين حتى الهدوم اللي علينا.. ومفيش كلام هيتقال في وقت زي ده. اتفضلوا امشوا دلوقتي.”
في اللحظة دي، إبراهيم نقل عينه عليا ومستني مني أي رد فعل، مستني فرح القديمة اللي كانت بتضعف قدام نظرة عينه أو تبريراته. بس أنا اتجهلته تماماً، وبصيت الناحية التانية كأنه هوا مش واقف قدامي. سحبت شنط الخروج والأكياس اللي في إيدي، ومشيت بخطوات ثابتة وواسعة، وعديت من جنبه ودخلت باب الشاليه من غير ما أرمي عليه حتى نظرة عتاب واحدة.
الحركة دي خلّت الدم يغلي في عروق إبراهيم. إبراهيم اتغاظ غيظ مش طبيعي، ووشه احمر وعينه بدأت تطق شرار.. حس إن كرامته اتهانت في الأرض لما اِتْجَاهل تماماً قدام أبوه وأخوه الكبير، وبقى دمه بيحرقـه وهو شايف الست اللي كان حاططها على الرف، بقت هي اللي بتبص له من فوق وبتقفل الباب في وشه.
أول ما باب الشاليه اتقفل في وشهم، إبراهيم لف وشه بغضب وكان هيزعق ويدخل وراهم، بس أبوه (عمي) مسكه من دراعه بقوة وضغط عليه، وسحبه لورا وهو بيهديه وبيكتم عصبيته.
عمي بص لإبراهيم بنظرة كلها لوم وأسف، وقال له بصوت واطي ومخنوق وهو بيهز راسه: “أقعد مكانك و اهدى.. الغلط منك أنت من الأول والآخر! أنت اللي رخصت بنوت الناس لحد ما مابقتش مالي عينيها. الست لما بتشيل من قلبها وبتتجاهل بالمنظر ده، بيبقى الراجل هو اللي صغّر نفسه في نظرها بكذبه وبخله عليها.. ابلع ريقك وامشي قدامي من سكات، والصبح ربك يحلها.”
وفضلوا على الحال ده طول فترة السفر؛ إبراهيم وأبوه في شاليههم والنكد واكل قلوبهم، وأبويا وإخواتي واخديني في حضنهم وبنخرج ونتفسح، وكل ما إبراهيم يحاول يلمحني أو يقرب، بيلاقي حيطة سد من إخواتي الصبيان ونظرات تجاهل مني بتدبحه وتزيد غيظه.
انتهت السفرية السخيفة دي، ورجع الكل على بيته. إبراهيم رجع شقته الفاضية اللي مبقاش فيها غير صدى صوته وكذب سِنينه، وأنا رجعت معززة مكرمة في بيت أبويا وسط لمتنا.
بعد يومين بالظبط من الرجوع، أبويا قرر ينهي المأساة دي. اتصل بأبو إبراهيم وقاله بلهجة حاسمة مفيهاش فصال: “هات ابنك وتعالوا على البيت عندي الليلة، عشان نقفل الصفحة دي وميبقاش في حبال دايبة.”
جاء إبراهيم وأبوه، وأول ما دخلوا الصالون، كان باين على إبراهيم اللهفة والخوف من الفراق، وشه كان دبلان وعينه بتقدم ألف اعتذار. قعدوا، وأبويا ناداني وقعدت جنبه، حاطة عيني في عين إبراهيم بكل قوة، مفيش في قلبي ذرة ضعف واحدة من فرح القديمة.
أبويا بدأ الكلام ومن غير مقدمات، بص لإبراهيم وقاله: “يا إبراهيم، قعدة النهاردة دي مش قعدة صلح ولا عتاب.. القعدة دي عشان تطلق فرح بالمعروف، وتدّيها كل حقوقها من غير محاكم وشوشرة.”
الكلمة نزلت على إبراهيم كأنها صاعقة. وقف مكانه وبدأ يتكلم بنبرة كلها رجاء ومحايلة، وبص لأبويا وقاله: “يا عمي أرجوك، أنا شاري فرح ومقدرش أستغنى عنها، دي أم عيالي وشريكة عمري. أنا غلطت وأنا معترف، والمرة الجاية هفسحها وهوديها كل مكان، بس بلاش طلاق.. اطلب أي شروط وأنا موافق!”
أبو إبراهيم (عمي) تدخل في الكلام وبدأ يحايل أبويا ويقول: “يا حاج، عشان خاطري أنا.. إحنا أهل، والصلح خير، والواد ندمان وجاي لحد بيتك وشاريك ومستعد يكتب على نفسه شروط وتعهدات، بلاش نخرب البيت عشان خروجة وسفرية.”
إبراهيم بقا يبص لي وعينه مليانة دموع ورجاء ويقول: “عشان خاطري يا فرح.. سامحيني المرة دي، أنا اتعلمت الدرس والله العظيم، وعرفت قيمتك.”
لكن كل المحايلات دي كانت بتخبط في صخر. أبويا بص لأبو إبراهيم وبص لإبراهيم وقال بكل حسم وثقة تنهي الموضوع: “شروط إيه وتعهدات إيه اللي بتكلمني عنها؟ أنا إزاي آمن على بنتي، حتة من قلبي، لواحد بيستخسر يبسطها ويفسحها؟ واحد بيعيشها في كذبة “الميزانية مخرمة” عشان يقعدها على الرف، ويروح بفلوسه يفسح الغريب عنه ويبسط أهله ومرات أخوه وبنات خالته؟”
أبويا كمل كلامه وهو بيطبطب على إيدي: “الراجل اللي يستخسر في مراته اللقمة الحلوة والفسحة والضحكة، ميتأمنش عليها.. بنتي مش تحفة مركونة عشان لما يجيلك مزاج تفسحها لوحدها بعد ما تشبع من الغريب تفتكرها! بنتي كرامتها من كرامتي، وطالما هانت عندك، يبقى مكانها مش عندك.”
إبراهيم حاول يتكلم معايا تاني ويقول: “يا فرح قولي كلمة.. أنتي قلبك طيب وبتعدي.”
رديت عليه بنبرة هادية بس حاسمة هزت كيانه: “الطيب صفا يا إبراهيم.. والشرخ اللي عملته بـ كذبك وصورة العمرة وبخل مشاعرك وخروجك وسيبانك ليا في البيت مبقاش ينفع يتصلح. أنا مش هرجع الست اللي على الرف تاني بمزاجك.. اطلقني يا إبراهيم بالمعروف، لأن الصلح بقا أبعد من النجوم.”
أبويا وقف وأنهى القعدة وهو بيقول لعمي: “الموضوع منتهي يا أبو إبراهيم.. المأذون هيكون هنا الأسبوع الجاي، وابنك يطلق بالمعروف ويخرج بالتي هي أحسن، وإلا المحاكم هي اللي هتحكم بيننا.”
بعد الأسبوع ده، تم الطلاق بهدوء وفي صمت، وكل واحد فينا مشي في طريق وشاف حياته.
أنا “فرح” قفلت الصفحة دي تماماً، ورفضت ألتفت ورايا ولو للحظة. ركزت في نفسي وفي ولادي وفي شغلي، وبدأت حياتي تزهر من جديد؛ رجعتلي ضحكتي اللي كانت غايبة، وكرامتي اللي كانت مهدرة فوق الرف رجعتلي وأنا وسط أهلي وعزوتي اللي عرفوا قيمتي وصانوني. بقيت بخرج واتفسح وأعيش حياتي وأبسط ولادي من غير ما أسمع كلمة “الميزانية مخرمة” أو أحس إني عبء على حد.
أما إبراهيم.. فكانت قصته تانية خالص.
بعد ما اطلقنا، طبعاً مبقاش فيه “فرح” اللي بتدبر وتوفر، وتستحمل وتقيد صوابعها العشرة شمع عشان المركب تمشي بالقرشين اللي معاها. أهله افتكروا إن فضيان البيت ليه هيخليه ليهم لوحدهم ولفلوسه، وبدأ الفصل الحقيقي من الاستغلال.
حماتي وإخواته وبنات خالته ملقوش حد يصد عنهم، فـ بقوا هما اللي سايقين حياته ومحفظته:
السفريات والخروجات: بقت تزيد ومبتخلصش، وكل أسبوع “ويك إند” في مكان شكل، وطبعاً إبراهيم هو اللي بيدفع “الشرط والشرط الحساب” لأنهم عودوه إن هو الراجل اللي بيصرف على العيلة عشان يثبت نفسه قدامهم.
الطلبات والمصاريف: مرات أخوه وبنات خالته بقوا يطلبوا طلبات مبتنتهيش؛ دي عايزه تشتري لبس براند، ودي عايزه تروح كافيه غالي، وأمه دايماً تزن على ودنه: “أنت مالكش غيرنا يا حبيبي، لازم تبسطنا وتصرف علينا، إحنا أهلك وسندك.”
إبراهيم كان بيصرف بغباء وبدون حساب، بس عشان يداري على كسرة عينه وصغرته اللي حساها قدامهم بعد يوم الشاليه، وعشان يثبت لنفسه وليهم إنه “راجل وبيصرف” زي ما أبويا اتهمه.
مرت الشهور، والبلونة اللي كان عايش فيها فرقعت! المصاريف زادت عن طاقته، والديون بدأت تتراكم عليه من كل حتة، وشغله مكنش مغطي طلبات أهله اللي مبيشبعوش. في الموقف ده، لما إبراهيم بدأ يشتكي ويقول: “مش معايا.. الميزانية مخرمة بجد المرة دي”، ملقاش الست الطيبة اللي كانت بتطبطب عليه وتقوله “الحمد لله مستورة” وتشيل معاه.
بالعكس، أول ما فلوسه خلصت وفلس تماماً ومبقاش معاه مليم، أهله بدأوا يتهربوا منه! الخروجات بقت تتعمل من غيره، وبنات خالته مابقوش يتصلوا بيه، وحماتي بقت تقوله: “يا بني أنت مش عارف تدبر حالك ليه؟ ضيعت فلوسك في إيه؟”
وقف إبراهيم في النهاية بطولـه، مفلس، مديون، والندم بياكل قلبه وهو شايف أهله سابوه لما مصلحتهم خلصت، واكتشف بعد فوات الأوان إنه ضيع الست الأصيلة اللي كانت شيلّاه في عيونها وفي قلبها، عشان يفسح ويزهزه للغريب اللي سابه أول ما جيبه فِضي!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *