إهانـة جـوزي قـدام عيـلته ج 3 حكـايات منـي الـسـيد

## الفصل الرابع (قبل الأخير)
كلام الحاجة فوزية فضّل يرن في وداني طول اليوم زي صوت زن الناموس المزعج اللي مابيخليش الواحد يعرف ينام. “مسير الحي يتلاقى، وشروطك دي هتبليها وتشربي ميتها”. نزلت من الشركة وأنا عيني في الأرض، بفكر في بكرة. الست دي مش هتهدأ، وطالما لسه شايفة إن كرامتها اتجرحت بسبب المسج اللي فضحها، يبقى هتحاول تكسرني وتكسر أحمد بكل الطرق عشان ترد اعتبارها قدام مراتات إخواته.
لما رجعت بيت أبويا، لقيت أحمد قاعد في الصالة مع أبويا وبيشربوا شاي. أول ما دخلت، أحمد قام وقف وبصلي بنظرة رجاء، وكأنه خايف أكون رجعت في كلامي.
أبويا بصلي وقال:
— “تعالي يا نهى.. جوزك جايب معاه عقد الشقة الجديدة والوصل بتاع الإيجار مدفوع لسنة قدام، وجاي يطلب إننا نحدد ميعاد النقل.”
قعدت على الكرسي وجوايا جبال من الحيرة. بصيت لأحمد وقلتله وعيني في عينه:
— “أنا لسه جايبالي تليفون من والدتك يا أحمد.”
أحمد وشه اتخطف، وفي ثانية ظهر عليه التوتر، فرك إيديه في بعض وقال بسرعة:
— “قالتلك إيه؟ كلمتك ليه أصلاً؟ أنا منبه عليها محدش يتصل بيكي!”
— “منبه عليها؟” قلتها بابتسامة مريرة. “والدتك مابتسمعش تنبيهات من حد يا أحمد. قالتلي إنك مش هتستحمل البعد عنها، وإن شروطي دي هبلّها وأشرب ميتها لما أنت تزهق مني ومن دور السبع اللي أنا عايشاه عليك.. والدتك لسه داخلة معايا في حرب يا أحمد، وأنا مابقتش قادرة على حروب.”
أحمد قعد على الكرسي اللي قصادي، وخد نفس طويل، وبص لأبويا كأنه بيستنجد بيه، وبعدين بصلي وقال وصوته فيه نبرة صدق عمري ما سمعتها منه زمان:
— “نهى.. أنا عارف إن أمي مش هتبطل، وعارف إنها حاسة إن برستيجها اتهز قدام العيلة بعد ما أنا اعتذرتلك على الجروب. بس أنا مش عيل صغير عشان تشحنني تاني. أنا جربت العيشة من غيرك ست شهور، شوفت بيتي متبهدل، وشوفت عيالي بعاد عني، وعرفت يعني إيه ست شيلاني وشايلة اسمي ومستحملاني وأنا بدوس عليها. أمي ليها عندي البر، هروح لها وأبوس إيدها ورجلها لأنها أمي، بس بيتي وحياتي معاكي أنتي والعيال خط أحمر. العقد أهو يا نهى.. باسمك أنتي، والوصل مدفوع، والقرار في إيدك. لو مش عايزة تنقلي الأسبوع ده، أنا مستني معاكي لحد ما تطمني.”
أبويا حط كباية الشاي من إيده وطبطب على كتفي وقال:
— “يا بنتي.. الراجل طالما جاب آخره واعتذر قدام عيلته وعمل اللي عليه، يبقى لازم تديله فرصة يثبت كلامه بالأفعال. البيوت مابتتبنيش في يوم، وأنتي مابقتيش ضعيفة.. يعني لو حاول يرجع لقديمه، باب أبوكي مفتوح لك في أي وقت، ومعاكي شهادتك وشغلك وقرشك في جيبك. اطلعي شقتك الجديدة يا بنتي، وابدأي من جديد، بس وعينك وسط راسك.”
كلام أبويا كان دايماً هو الميزان اللي بيمشي حياتي. بصيت لأحمد وقلتله:
— “الخميس الجاي ننقل يا أحمد.. بس افتكر كويس الكلمة اللي هقولهالك دي: المرة دي لو خرجت من باب بيتك، مش هخرج لبيت أبويا.. هخرج للمحكمة علطول، ومفيش قوة في الأرض هترجعني ليك.”
أحمد وقف وفرحته مكنتش سايعاه، وكان دمع من كتر الارتياح:
— “والله العظيم ما هتشوفي مني إلا كل خير يا نهى.. ربنا يقدرني وأعوضك.”
يوم الخميس، نقلنا الشقة الجديدة. يوسف وملك كانوا طايرين من الفرحة وهما بيجروا في الأوض الواسعة ويختاروا مكان سريرهم. الصالة كانت منورة بالمسك والشمس، والمطبخ كان هادي ومفيهوش كتمة ولا ريحة بصل وتوم بتاعة عزومات الجمعة الإجبارية.
أول ليلة لينا في الشقة، أحمد دخل عليا المطبخ وأنا بعمل عشا خفيف — جبنة وطماطم وبطاطس محمرة — وقف جنبي، وخد من إيدي السكينة وقال:
— “ارتاحي أنتي.. أنا هكمل العشا.”
بصيت له باستغراب:
— “أنت هتعمل عشا يا أحمد؟”
ضحك بحزن وقال:
— “اتعلمت في الست شهور اللي فاتوا إني أعمل كل حاجة لنفسي يا نهى. عرفت إن الطبق المفرود على السفرة وراه وقفة وضهر مكسور. حقك عليا عن كل مرة رجعت فيها وشوفتك تعبانة وقلتلك ‘بتعملي إيه طول اليوم؟’.. أنا كنت غمي الغباء عامي عيني.”
العشا كان بسيط، بس طعمه كان أحلى من صينية البشاميل والمحاشي اللي كنت بعملهم وأنا دموعي نازلة في الحلة. قعدنا كلنا، يوسف بيضحك وملك نايمة في حضن أبوها، وحسيت للحظة إن المركب بدأت تمشي في مية هادية.
لكن المية الهادية مابتطولش في حياتي.
بعد شهرين من الاستقرار، وشغلي في الشركة كان ماشي زي الفل، وبقيت متمكنة من الحسابات والكل بيحلف بشطارتي ونظافتي في الشغل، بدأت النغمة القديمة تظهر بس بشكل مستخبي.
أحمد كان بيروح لأمه كل يومين تلاتة، وده حقه ومش همنعه منه. بس كان دايماً يرجع من عندها وشه مقلوب، ساكت، ومش طايق كلمة. كنت بعرف علطول إن الست فوزية بدأت تبخ سمها من جديد في ودنه.
وفي يوم جمعة — اليوم الملعون في تاريخنا — أحمد رجع من عند أمه الساعة خمسة المغرب. دخل الشقة ورزع الباب وراه. يوسف وجري عليه عشان يلعب معاه، أحمد زعق فيه وقال:
— “خش أوضتك ذاكر يا يوسف! مش عايز صداع!”
يوسف اتخض ورجع لورا، وبصلي ونزل راسه ودخل الأوضة. ملك جريت ورا أخوها وهي خايفة.
قمت وقفت من على الكنبة، ورحت وراه المطبخ وهو بيشرب مية ويديه بترحش. قلتله بهدوء مستفز:
— “جرى إيه يا أحمد؟ داخل رادد الباب في وش العيال ليه؟ مالك؟”
لف ليا وعينيه كانت حمرا، وقال بنبرة فيها عتاب مكتوم:
— “مالي؟ مالي إن أمي بقالها شهرين عيانة، وإخواتي ومراتاتهم مابيسألوش عليها، والست اللي كانت شيلاني وشايلة أمي قاعدة هنا في التكييف ومقاطعاها! أمي بتموت يا نهى، وبتقولي ‘نفسي أشوف عيال أحمد قبل ما أموت’.. أنتي إيه؟ معندكيش قلب؟ حجر؟ هتقعدي العمر كله شايلاها منها عشان كلمتين اتنقلوا بالغلط؟”
حسيت بدمي بيغلي، بس افتكرت كلام أبويا “أنتي مابقتيش ضعيفة”. صقّعت صوتي وقلتله:
— “كلمتين اتنقلوا بالغلط؟ أنت بتسمي التخطيط لـ ذلي وإهانتي وتصويري فيديو قدام إخواتك ‘كلمتين بالغلط’ يا أحمد؟ وبعدين أنا مالي ومال إخواتك ومراتاتهم؟ هما اللي مابيسألوش عليها، تروح تحاسبهم هما، مش تيجي تفرغ شحنتك فيا وفي عيالي! أنا قولتلك شروطي قبل ما أرجع، ووالدتك خط أحمر بره حياتي وحياة عيالي.”
أحمد ضرب إيده على الرخامة وقال بصوت عالي:
— “بس دي أمي! أمي يا نهى! أنتي عايزاني أختار بينك وبين أمي؟ عايزة الناس تقول عليا إني رميت أمي في عياها عشان خاطر مراتي؟ أمي بتقولي إنك سحرتيلي وغيرت حالي، وإني مابقتش الراجل اللي هي ربته.. أنا تعبت من الضغط ده!”
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه بكل قوة:
— “أنا عمري ما هخيرك بيني وبين أمك يا أحمد. روح اخدمها، شيلها على راسك، جيب لها شغالة على حسابك تخدمها.. ده واجبك. بس أنا وعيالي ملناش دعوة بالموضوع ده. أمك مش عايزة تشوف العيال عشان وحشوها يا أحمد.. أمك عايزاهم هناك عشان تكسر كلمتي وتثبت لنفسها ولإخواتك إنها رجعتني تحت طوعها تاني. لو مش قادر تستحمل كلام أمك وضغطها، يبقى أنت لسه مابقتش راجل جاهز لفتح بيت، ولسه مستني الإذن من الحاجة فوزية عشان تتنفس!”
الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. كلمة “مش راجل جاهز لفتح بيت” وجعته في كبريائه. بصلي بنظرة غضب أعمى، ورفع إيده وكأنه كان هيضربني..
في اللحظة دي، الوقت وقف. أنا مكنتش نهى اللي هتنزل راسها وتستقبل الضربة وهي بتعيط. فضلت واقفة، رافعة راسي، وعيني في عينه، وبصيت لإيده المرفوعة وقلت بصوت واطي ومخيف:
— “جرب تعملها يا أحمد.. جرب تنزل إيدك دي عليا، وشوف أنا هعمل إيه. أنا مش هعيط.. أنا هطلب البوليس حالاً، وهعمل فيك تقرير، وهفضحك في شركتك وفي وسط ناسك، وهقعدك في المحاكم لحد ما تبيع الهدوم اللي عليك.. جرب كده.”
أحمد إيده بدأت تترعش، ونزلها ببطء وهو مش مصدق القوة اللي طالعة مني. النظرة اللي في عينيه اتغيرت من الغضب للرعب.. رعب من الست اللي مابقتش تخاف.
سيبته في المطبخ ودخلت أوضة العيال، خدت يوسف وملك في حضني وقعدت أقرأ لهم قصة لحد ما ناموا. مكنتش بعيط، كنت حاسة بفخر إني قدرت أحمي نفسي وأحمي حدودي.
تاني يوم الصبح، أحمد نزل من البيت بدري من غير ما يتكلم. وأنا نزلت روحت شغلي. طول اليوم وأنا في الشركة، كنت بفكر: هل العيشة دي هتنفع؟ أحمد لسه هش، لسه كلمة من أمه بتهزه وتخليه يرجع لطبعه القديم. الحرب لسه مخلصتش، والحاجة فوزية بتلعب على الوتر الحساس.. وتر “بر الأم” عشان تخرب بيتنا.
الساعة كانت أربعة العصر، وأنا بلم حاجتي عشان أمشي من الشركة، لقيت تليفوني بيرن. المرة دي كان شريف أخوه، بس صوته كان فيه لهفة وخوف:
— “إلحقي يا نهى.. أحمد عمل حادثة بالعربية وهو راجع من عند أمي، وهو دلوقتي في المستشفى العام!”
الموبايل كان هيقع من إيدي. مهما كان اللي حصل بيننا، أحمد برضه أبو عيالي، والراجل اللي شاركني عمري. حسيت بركبي سابت، ودموعي نزلت غصب عني.
— “هو كويس يا شريف؟ حصله إيه؟”
— “العربية اتبهدلت يا نهى، وهو عنده كسور وجروح، بس الحمد لله واعي.. إحنا كلنا في المستشفى، وأمي هناك ومقلوبة الدنيا.. تعالي بسرعة.”
نزلت جري من الشركة، ركبت تاكسي وروحت على المستشفى العام. رجليا مكنتش شايلاني. طول السكة كنت بدعي: “يا رب ادم لعياله، يا رب ما تحرمهمش من أبوهم”. مهما حصل، أنا مش عايزة عيالي يعيشوا أيتام أو يشوفوا أبوهم بيضيع.
وصلت المستشفى، وسألت على الدور، وطلعت جري. في الطرقة بره الأوضة، لقيت عيلة أحمد كلها واقفة. شريف، وإخواته التانيين، ومراتاتهم اللي كانوا بيضحكوا عليا في عزومة الجمعة.
وأول ما شافتني الحاجة فوزية.. كانت قاعدة على كرسي وبتعيط، بس أول ما عيني جت في عينها، عياطها اتحول لـ هجوم. وقفت على رجليها وجريت عليا في وسط الطرقة، وقالت بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين:
— “أهو! البومة جت أهي! أنتي السبب في اللي حصل لابني! واديتيه في داهية بشروطك وسحرك! الواد كان نازل من عندي وعينيه مليانة دموع بسبب نكدك وفصلك ليه عننا، وعقله مكنش معاه وعمل الحادثة بسببك! حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة! مش هسيبك تاخديه مني تاني!”
الطرقة كلها سكتت، والناس والمرضى بدأوا يبصوا علينا. إخوات أحمد وقفوا يتفرجوا ومحدش فيهم حوش أمه عني، ومراتات إخواته كانوا بيبصوا بنظرات شماتة واضحة.. كأنهم بيقولوا “أهو دورك جالك واتفضحتي في المستشفى”.
في اللحظة دي، حسيت إن التاريخ بيعيد نفسه. نفس الوجع، نفس الفضيحة قدام الناس، ونفس التهم اللي بتترمى عليا وأنا ملنيش ذنب.
بس المرة دي.. أنا مكنتش واقفة في المطبخ بمريلة متبهدلة وإيد ريحتها بصل. أنا كنت واقفة بهدوم شغلي، بكامل قوتي وكرامتي.
بصيت للحاجة فوزية ببرود تام، ومتحركتش من مكاني خطوة واحدة. وقلت بصوت واضح وقوي هز الطرقة كلها:
— “ابنك عمل الحادثة بسبب نكدك أنتي يا حاجة فوزية.. بسبب إنك مابتبطليش تبخي سمك في ودنه كل ما يجيلك، وتفكريه بالخطة الفاشلة اللي عملتيها عشان تخربي بيته. ابنك عمل الحادثة لأنه مش عارف يرضيكي في ظلمك، ومش عارف يعيش حياته في سلام.. حسبي الله ونعم الوكيل في اللي بيخرب البيوت وعايز يشوف عياله متغغربين ومكسورين.”
الحاجة فوزية بلمت، وشها اصفر ومكنتش متوقعة إني هرد عليها بالأسلوب ده وقدام الناس في المستشفى. كانت فاكرة إني هعيط وأعتذر زي زمان.
شريف دخل في النص وقال:
— “خلاص يا جماعة.. مش وقت الكلام ده، أحمد جوه ومحتاجنا.”
سيبتهم واقفين بره زي التماثيل، وفتحت باب الأوضة ودخلت لأحمد.
أحمد كان نايم على السرير، راسه ملفوفة بالشاش، وإيده اليمين متجبسة، وفيه جروح في وشه. أول ما فتح عينيه وشافني، دموعه نزلت على الخيط الشاش اللي على وشه.
قربت منه، وقعدت على الكرسي اللي جنب السرير. ممسكتش إيده، بس بصيت له بحنان مخلوط بعتاب.
— “نهى.. أنتي جيتي؟” صوته كان طالع بالعافية ومكسور.
— “ألف سلامة عليك يا أحمد.. شريف كلمني وجيت علطول. العيال عند بابا وميعرفوش حاجة عشان متخضوش.”
— “أنا أسف يا نهى.. أسف على كل كلمة قولتها امبارح في المطبخ. أنا كنت نازل من عند أمي وهي بتدعي عليا وتقولي ‘أنت عاق ومش ابني طول ما أنتي سايب مراتها تكسر كلامي’.. عقلي طار مني ومكنتش شايف الطريق قدامي.. أنا شوفت الموت بعيني يا نهى، ومفكرتش في اللحظة دي غير فيكي وفي العيال.. أنا ماليش غيركم.”
بصيت له وقلتله بهدوء:
— “أنا عارفة يا أحمد.. وعارفة إنك ضحية لـ تربية وغسيل مخ بقاله سنين. بس أمك بره دلوقتي كانت بتبهدلني قدام الناس وبتقول إني أنا السبب في حادثتك.”
أحمد غمض عينيه بألم وقال:
— “أنا سمعت صوتها من جوه.. سمعت زعاقها ليكي.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخلت الحاجة فوزية ووراها إخواته. دخلت تجري على السرير وهي بتصرخ:
— “سلامتك يا قلب أمك! سلامتك يا ضنايا! شوفت البومة عملت فيك إيه؟ شوفت النكد وداك لفين؟”
أحمد فتح عينيه، وبص لأمه بنظرة غريبة جداً.. نظرة عمري ما شفتها فيه قبل كده. مكنتش نظرة خوف ولا طاعة.. كانت نظرة واحد فاق فجأة من كابوس طويل قوي.
أحمد شد إيده بالراحة من تحت إيد أمه، وبص لإخواته كلهم اللي واقفين في الأوضة، وبعدين بص لأمه وقال بصوت هادي بس قوي لدرجة إن الأوضة كلها ثبتت في مكانها:
— “أخرجي بره يا أمي.. أخرجي بره أنتي وإخواتي.. ومش عايز أشوف حد منكم هنا تاني.”
يتبع في الفصل الخامس والأخير…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *