أهـلي عامـلوني كخـدامة ببـلاش ج 2 حكـايات منـي الـسـيد

العربية جرت بينا بسرعة، سابت وراها شوارع الحارة الضيقة وبيوتها الزحمة، وسابت أحمد وندى واقفين على الرصيف زي التماثيل المكسورة. أنا كنت لسه متكومة في حِضن أمي—الست اللي فجأة ظهرت في حياتي بعد ما كنت مقتنعة إنها تراب تحت الأرض.
جسمي كان لسه بيترعش، مش عارفة أصدق الدفا اللي أنا فيه ولا أصدق كابوس الست سنين اللي فاتوا. أمي كانت مشيّة إيدها على شعري، وبتبوس راسي كل دقيقة وهي بتعيط وصوتها مخنوق:
— يا حبيبتي يا هبة.. يا عذاب السنين يا بنتي.. مش قادرة أصدق إنك في حِضني.. كبرتي وبقيتي زي القمر، بس عينيكي فيها وجع يقطع القلب.. عملوا فيكي إيه ولاد الهرمة دول؟
مسحت دموعي براحة وبصيت في وشها القريب مني.. الملامح هي الملامح، بس السنين حفرت فيها علامات تانية. بعدت عنها خطوة صغيرة، وسألتها بصوت مرعوب:
— إنتِ كنتِ فين؟ السنين دي كلها كنتِ فين يا أمي؟ إزاي سيبتيني ليهم؟ قالوا لي إنك مُتِّي في مستشفى القصر العيني.. قالوا لي غسلنا وكفنا ودفنا! أنا روحت وقفت على قبر ودموعي نشفت عليه، وقريت الفاتحة لست تانية مش إنتِ؟ إزاي تعملي فيا كده؟
أمي غطت وشها بإيديها وانفجرت في العياط، والأستاذ رفعت المحامي كان سايق وبصلي في المراية وقال بهدوء:
— هبة يا بنتي.. الحاجة فاطمة مالهاش ذنب. الست دي اتلعب عليها لعبة قذرة تودي حبال المشانق، وأنا هفهمك كل حاجة بس لما نوصل البيت ونرتاح. إنتِ أعصابك مش حمل الكلام ده في العربية.
العربية فضلت ماشية لحد ما دخلنا منطقة تانية خالص.. شوارع واسعة، شجر على الصفين، وفيلات فخمة. الدنيا كانت هادية هنا لدرجة تخوف بني آدمة زيي، متعودة على خناقات الحارة وصوت بياعين الخضار من الفجرية. العربية وقفت قدام فيلا أنيقة، الباب الحديد اتفتح ودخلنا.
أمي مسكت إيدي جامد وهي بتنزلني:
— ده بيتك يا هبة.. ده حقك وحق أبوكي اللي شقيت عشان أرجعهولك.
دخلنا جوه.. الصالة كانت واسعة ومفروشة بحاجات غالية عمري ما شوفتها غير في التلفزيون وأنا قاعدة تحت رجلين حماتي بمسح لها السيراميك. الخدامة جابت لنا عصير، بس أنا ملمستوش. كنت قاعدة على طرف الكنبة الفرو، حاطة الكيس البلاستيك الأسود اللي فيه عباياتي القديمة جنب رجلي.. كنت حاسة إني غريبة، إني مش لايقة على المكان ده.
أمي قعدت جنبي، خدت إيديا المشققة بين إيديها الناعمة، وعينيها اتملت دموع تاني لما شافت شكل صوابعي من الصابون والمية.
— أنا هحكيلك كل حاجة يا هبة.. عشان تبريني وماتشيليهوش مني في قلبك. زمان، لما أبوكي مات وإنتِ عندك حداشر سنة، ساب لنا ورث كبير.. أراضي في القليوبية، وفلوس في البنك، وشقة تمليك. عمك—اللي هو يبقى جوز الست اللي كنتِ قاعدة معاها دي، وأبو أحمد— كان راجل عينه فارغة وجشع. حاول ياخد حاجتنا بالذوق، ولما رفعت عليه قضايا، بدأ يضايقني.
سكتت شوية وبلعت ريقها بتعب وكملت:
— لما تميتي ستة عشر سنة، وأنا راجعة من مشوار بالليل، طلعت عليا عربية نقل على الطريق الزراعي.. خبطتني خبطة موت. الميكروباص اتقلب بيا، ودخلت المستشفى في غيبوبة كاملة قعدت تمن شهور. لما فوقت.. لقيت نفسي في مستشفى حكومي، ومفيش معايا أي إثبات شخصية، وورقي كله اتقطع واتسرق. ولما سألت عليكي، وروح حارتنا القديمة، قالوا لي إن عيلة عمك جابوا شهادة وفاة ليا!
برقت عيني بصدمة:
— شهادة وفاة وإنتِ عايشة؟
تدخل الأستاذ رفعت وقال:
— أيوا يا فندم. جابوا جثة ست مجهولة الهوية ماتت في نفس الحادثة، وبالمحسوبية والرشاوى في مكتب الصحة، طلعوا شهادة الوفاة باسم الحاجة فاطمة عبد العال. وبناءً عليه، وبما إنك كنتِ قاصرة، عمك قدم طلب وصاية عليكي وعلي أملاكك، وبقيتي تحت طوعهم قانوناً.
أمي كملت والغل باين في صوتها:
— لما روحت أدور عليكي في بيت عمك، طردوني ورموني بره، وهددوني بالبوليس وقالوا لي “إنتِ ست نصابة وبتمثلي، وفاطمة ماتت ودفناها والكل يشهد”. أنا كنت لوحدي يا هبة، وخفت يقتلوني بجد عشان يداروا على جريمتهم. سافرت مع قرايب ليا من بعيد أتعالج بره مصر في دبي، واشتغلت هناك وتعبت وبدأت أعمل قرش، وبقيت ببعت ناس من طرفي يراقبوا البيت من بعيد عشان أطمن عليكي.. لحد ما عمك مات. ولما رجعت مصر من شهرين، وكلت الأستاذ رفعت عشان نقلب الدنيا ونرجع حقنا.. وعرفت الكارثة الكبيرة.
أنا وقفت في نص الصالة، دماغي كانت هتنفجر:
— الكارثة الكبيرة؟ اللي هي إيه؟ هما سحبوا الفلوس كلها، وندى كانت مخبية الجواب.. بس إيه موضوع عقد الكفالة؟ إزاي أحمد كافلني وهو جوزي؟
الأستاذ رفعت عدل وقفته، وطلع المستند القديم اللي كان مع حماتي صوره منه.
— هبة.. ركزي معايا في اللي هقولهولك ده كويس، عشان ده أخطر جزء في اللعبة. عمك قبل ما يموت، كتب في وصيته الرسمية إن كل الأملاك اللي سرقوها منك، ترجع ليكي لما تتمي 21 سنة، أو تتجوزي حد من عيلته عشان الفلوس ما تطلعش بره. أحمد وأمه لما لقوا إنك كبرتي وبدأتي تسألي عن شغل المحاسبة وبقا ليكي صوت، خافوا الورق ده يقع في إيدك.
— طب وعقد الكفالة؟ —سألته وأنا بنهج.
المحامي بص لأمي، وبعدين بصلي وقال:
— عقد الكفالة ده اتعمل وإنتِ عندك 17 سنة.. عمك كتب فيه إنه بيتكفل بالبنت “هبة السيد” كابنة متبناة أو مكفولة، وحط بند سري.. إنك في حال جوزاكِ من ابنه أحمد، بيتم دمج ثروتك وثروتهم في صندوق استثماري واحد، والوصي عليه والمسؤول عن السحب منه هو “أحمد” وأمه! يعني الجوازة دي ماكانتش جوازة يا هبة.. دي كانت “صفقة قفل قانوني” عشان يقفلوا عليكي كل الأبواب، وماتقدريش ترفعي عليهم قضية سرقة أو تبديد، لأنك بتمضيتك على عقد الجواز، وافقتي بالتبعية على دمج الأملاك وبقى هو الوكيل القانوني عنك!
قعدت على الأرض من طول الصدمة. الجوازة اللي كنت فاكراها ستر.. وكلمة “إحنا أهل” اللي أحمد كان بيذلني بيها كل يوم عشان أخدم أمه المريضة.. كل ده كان تمثيل؟ الجلطة اللي جات لأمه وقعدتني من شغلي كمحاسبة.. كانت حقيقية؟ ولا كانت برضه حجة عشان أفضل محبوسة بين الأربع حيطان مابشوفش الشارع ولا بكلم حد؟
فجأة، تليفون المحامي رفعت رن بصوت عالي. عدل نضارته ورد:
— أيوة يا متر.. أيوة أنا مع الحاجة وفاطمة وبنتها.. إيه؟! بتقول إيه؟
ملامح الأستاذ رفعت اتقلبت 180 درجة، وبصلي بنظرة رعب خلت قلبي يقف. قفل التليفون ويده بترحش.
أمي وقفت بقلق:
— في إيه يا رفعت؟ انطق! أحمد وأمه عملوا إيه؟
رفعت بلع ريقه بصعوبة وقال:
— المحامي زميلي اللي مراقب شقة أحمد بيقول.. إن أحمد وأمه وندى أخت الصبح لموا كل حاجتهم وهربوا من الشقة قبل ما قوة الحجز تنزل عليها! ومش بس كده.. أحمد قدم بلاغ في قسم الشرطة ضدك يا هبة!
— ضد أنا؟! —زعقت بذهول— بلاغ بإيه؟
— مقدم بلاغ بيتهمك فيه بسرقة مشغولات ذهبية ومبلغ 200 ألف جنيه من دولاب أمه، وهروبك من بيت الزوجية مع راجل غريب.. وشايلين معاهم نسخة من عقد الجواز وعقد الكفالة القديم وبيقولوا إنك مختلة عقلياً ومتهربة من مصحة!
الدموية غلت في عروقي. البجاحة وصلت بيهم لدرجة إنهم يلبسوني قضية سرقة وشرف عشان يلووا دراعي وخلوني أتنازل عن القضايا اللي رفعناها؟
أمي صرخت بغضب:
— ولاد الكلب! لسه فيهم فجر؟ والله ما هسيبهم.. يلا بينا على القسم يا رفعت، إحنا معانا المستندات الرسمية ومعانا كل حاجة تثبت كدبهم!
الأستاذ رفعت هز راسه بالرفض وقال:
— مش بالسهولة دي يا حاجة فاطمة. البلاغ نزل في الكمائن رسمي، وأحمد معاه شهادة طبية قديمة—مكتوبة بتاريخ قديم ومزورة طبعاً— بتقول إن هبة بتتعالج من صدمة عصبية بعد وفاة والدتها، وده معناه إن لو أي كمين وقفنا، هبة هتتحجز لحد ما يتعرض الورق على النيابة. إحنا لازم نستخبى هنا كذا يوم لحد ما أقدم التظلم لنيابة الأموال العامة وأثبت التزوير بتاعهم، ونطلع أمر ضبط وإحضار لأحمد وأمه.
في اللحظة دي، سمعنا صوت كلاكيت عربيات بره الفيلا.. وصوت خبط رزع عنيف على الباب الحديد الخارجي!
جريت على الشباك وبصيت من ورا الستارة.. جسمي كله اتجمد لما شوفت بوكس بوليس واقف بره، ومعاه عربية ملاكي تانية.. نزل منها أحمد وندى، وأحمد كان بيشاور للعسكري على الفيلا ويقوله بزعيق:
— هنا يا فندم! مراتي المخطوفة والمجنونة هنا.. والراجل النصاب اللي معاها جوه!
*تابع في الفصل القادم…*
## الفصل الرابع: اللعب على المكشوف
الرزع على الباب الحديد كان بيهز الفيلا كلها، وصوت أحمد وهو بيجعر بره مع العساكر كان واصل لحد جوه الصالة. أنا لفت بيا الدنيا، ومسكت في الستارة عشان ما أقعش. بصيت لأمي، لقيت وشها اتقلب خشب، بس عينيها كان فيها غل غريب، مش خوف.. لأ، ده كان غضب سنين مكبوتة.
الأستاذ رفعت جري على الباب الداخلي وقفله بالترباس، ولف لينا وهو بيتكلم بسرعة وبصوت واطي من غير ما يتهز:
— اسمعوني كويس.. أحمد مش غبي، هو عارف إن البلاغ المزيف ده مش هيعيش في النيابة تلات ساعات على بعض، بس هو بيلعب على عنصر المفاجأة.. عايز يعمل شوشرة وياخدك يا هبة بالدراع تحت غطاء البوليس، وعشان يرهب الحاجة فاطمة ويجبرها تقعد على ترابيزة المفاوضات وتتنازل عن قضايا التزوير والأموال العامة.
أمي جزت على سنانها وقالت بصوت حاد وزي الموس:
— ياخد مين بالدراع؟ ده بعده! أنا ما صدقت لقيت بنتي، والنعمة الشريفة لو حد لمس شعرة منها لأكون قتلاه ومقطعة لحمه بإيديا دول!
— يا حاجة فاطمة صلي على النبي.. —المحامي قالها وهو بيطلع موبايله— إحنا مش هنبلطج، القانون معانا بس لازم نكسب وقت. الشغالة اللي بره هتعطلهم على الباب دقيقتين وتقولهم إن صاحب البيت مش موجود، وأنا بكلم حالاً المستشار المحامي العام عشان يتدخل ويبعت إشارة للقسم بوقف أي إجراء لحد ما نتقدم بالطلب الرسمي الصبح. هبة.. ادخلي الأوضة اللي جوه واقفي على نفسك، مش عايز أحمد يلمح طولك من الشباك خالص.
أنا رجلي ما كانتش شايلاني، مشيت ورا أمي ودخلنا أوضة صغيرة جوه ممر طويل في الفيلا. قعدت على السرير وأنا ضامة نفسي، وسامعة من بعيد صوت الباب الحديد وهو بيتفتح، وصوت زعيق وخناق بين الشغالة وبين أمين الشرطة اللي داخل مع أحمد.
من ورا الباب الخشبي للأوضة، كان صوت أحمد واصل لودني وهو بيصرخ ببجاحة:
— بقولك مراتي جوه! الست اللي هنا خطفاها هي والمحامي النصاب بتاعها.. افتشي الأوض دي يا فندم، أنا معايا قسيمة الجواز ومعايا قرار الوصاية والنقالة الطبية!
ندى أخته كانت بتزيد النار حطب وصوتها المسرسع جايب آخر المكان:
— أيوة يا باشا، البت هبة دي عيانة ومجنونة، وهربانة بفلوسنا ودهب أمي العيانة اللي بتموت في البيت.. الناس دول عصابة خطفوها عشان يبتزونا!
كنت بسمع الكِلام ده ودموعي بتنزل من القهر. يا جحودك يا أخي! يا بجاحتك يا ندى! ست سنين كاملة وأنا بمسح قرفكم وتعبكم، ست سنين والقمة اللي باكلها بتطلعوها من عيني بالسم والهري، ودلوقتي بقيت أنا الحرامية والمجنونة؟
أمي كانت واقفة ورا الباب، حاطة ودانها عليه وتتنفس بسرعة. لفت وبصتلي، وجت قعدت جنبي وأخدتني في حِضنها:
— متخافيش يا هبة.. متخافيش يا قلب أمك، طول ما فيا نفس مش هخلي الكلب ده يلمسك.
في اللحظة دي، سمعنا صوت الأستاذ رفعت وهو خارج لهم الصالة بكل برود وبيرد بصوت جهوري هز البيت:
— جرى إيه يا حضرة الأمين؟ داخلين زريبة هنا ولا إيه؟ فين إذن النيابة اللي معاك عشان تقتحم فيلا ملكية خاصة؟
أمين الشرطة صوته هدي شوية وقال:
— يا أستاذ، الأستاذ أحمد مقدم بلاغ رسمي بسرقة وهروب زوجة قاصر—قاطعه رفعت بسرعة وبقوة:
— قاصر إيه وزوجة إيه يا فندم! المدام هبة عندها 22 سنة يعني مش قاصر، وده كدب وتزوير في محضر رسمي. ثانياً، اتفضل إشارة المحامي العام اهي.. —سامعة صوت ورق بيتحرك— وبلاغ السرقة ده متفبرك، وإحنا باعتين فاكس رسمي لسيادة المأمور بخصوص قضية الأموال العامة المرفوعة ضد المدعو أحمد وأمه بتهمة تزوير إعلام وراثة الست فاطمة عبد العال اللي واقفة جوه دي!
أحمد صوته اتلجلج:
— تزوير إيه وكلام فارغ إيه؟ أمها ماتت من سنين!
رفعت رد عليه بضحكة استهزاء:
— أمها واقفة جوه حية ترزق يا أستاذ أحمد.. والظاهر إنك نسيت إن التزوير جناية مش جنحة، يعني إنت وأمك وأختك اللي واقفة تلطم دي مكانكم الحبس الاحتياطي من بكره الصبح. اتفضل يا حضرة الأمين شوف شغلك، ولو عايزنا نروح القسم بالذوق عشان نثبت الحالة بالمستندات الأصلية اللي معايا، أنا جاهز.. بس الأستاذ أحمد هيتكلبش معايا وهو خارج من هنا بتهمة البلاغ الكاذب وتأجير سلاح وتزوير أوراق رسمية.
السكوت حل بره فجأة.. سكوت طويل ومرعب. الظاهر إن أمين الشرطة بدأ يقلق لما لقى المحامي بيتكلم بثقة ومعاه إشارة من المحامي العام. سمعت صوت الأمين وهو بيقول لأحمد بحسم:
— اجهز معايا يا أستاذ أحمد.. هنطلع على القسم ونشوف الحكاية دي هناك، والورق ده كله هيتعرض على النيابة الصبح.
أحمد بدأ يغير لهجته ويتحايل:
— يا باشا طب بس افهمني.. دي مراتي..
— في القسم يا أستاذ.. يلا قدامي!
الصوت بدأ يبعد.. وصوت رزع الباب الخارجي أعلن إنهم خرجوا كلهم. الأستاذ رفعت جه فتح لينا الباب ووشه كان عرقان بس ملامحه متطمنة:
— الحمد لله.. كسبنا الجولة الأولى. الأمين أخذ أحمد وأخته على القسم عشان يثبتوا المحضر، وأنا هتحرك وراهم حالاً ومعايا المستندات الأصلية عشان أطلب حجز أحمد على ذمة التحقيق في قضية التزوير وسحب الملايين.
أمي وقفت وقالت بحزم:
— أنا جاية معاك يا رفعت.
رفعت هز راسه بالرفض:
— لأ يا حاجة فاطمة.. إنتِ وجودك هنا مع هبة أمان ليها. الفيلا أمان ومحدش يقدر يقرب هنا تاني خلاص بعد إشارة المحامي العام. أنا هروح وأخلص الليلة دي، وأحمد مش هيشوف الشارع تاني.. بس المهم هبة تفضل هنا وماتخرجش لأي سبب.
أمي وافقت على مضض، ورفعت لم ورقه وخرج بسرعة.
بعد ما المحامي مشي، قعدت أنا وأمي في الصالة الواسعة. المكان كان هسس، بس دماغنا كانت شغالة زي الماكينة. أمي طلبت من الشغالة تعمل لنا شاي، وقعدت جنبي وطبطبت عليا:
— ارتاحي يا بنتي.. كل كابوس وله نهاية، والنهاية قربت خلاص.
بصيت لأمي، وطلعت المستند القديم—صورة عقد الكفالة اللي كان معايا في الكيس البلاستيك— وحطيته قدامها على الترابيزة.
— أمي.. المحامي قال إن عقد الكفالة ده فيه بند سري بخصوص دمج الثروة لو اتجوزت أحمد.. بس أنا فيه حاجة مش فاهماها. حماتي لما ورتني الورقة دي في شقتها، همست في ودني وقالت لي: “إنتِ مش الشخص اللي فاكرة نفسك عليه”.. وأحمد قال لي: “إنتِ مش مجرد بنت أم متوفية”.. الكِلام ده معناه إيه؟ لو القصة قصة ورث وفلوس وبس، ليه قالوا لي الكِلام ده بالذات؟ وليه حماتي كانت بتبصلي بنظرة غل وكره كأني قاتلة لها قتيل، مش مجرد بنت بتسرق فلوسها؟
ملامح أمي اتغيرت فجأة.. الهدوء اللي كان على وشها اختفى، وعينيها زاغت يمين وشمال كأنها برضه مخبية سر مش عايزة تقوله. بلعت ريقها وصوتها اتهز وهي بتقول:
— ما تدققيش في كِلامهم يا هبة.. دول ناس مرضى بالفلوس، وكانوا عايزين يهدوا ثقتك في نفسك عشان تفضلي ذليلة تحت رجليهم وما تفتشيش وراهم.
وقفت ومسكت إيد أمي وبصيت في عينيها جامد:
— لأ يا أمي.. النظرة دي أنا حافظاها. السنين اللي عشتها في ذل خلتني أفهم لغة العين كويس. إنتِ كمان مخبية عليا حاجة؟ عقد الكفالة ده مكتوب فيه إيه تاني؟ وأنا بنت مين بالظبط؟ المحامي قال إن عمي كتب الوصية دي.. بس أبويا السيد عبد العال مات وأنا عندي 11 سنة.. ليه عمي هو اللي يتحكم في كل ده؟ وليه فيه صندوق استثماري باسمك وباسمي من وأنا عيلة صغيرة؟
أمي دارت وشها عني وقامت وقفت عند الشباك، وضهرها ليا. فضلت ساكتة دقيقة كاملة، ودقيقة السكوت دي كانت كفيلة تخلي الشك ينخر في عظامي زي السوس.
ولفت ليا فجأة، وعينيها مليانة دموع وقالت بصوت مكسور:
— هبة.. أنا عمري ما كدبت عليكي.. السيد عبد العال—الله يرحمه— اللي ربّاكِ وعشتِ معاه حداشر سنة.. ماكانش أبوكي الحقيقي يا بنتي.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. حسيت إن الأرض اتهدت تحت رجلي.
— بتقولي إيه؟ —صوتي طلع واطي ومبحوح— السيد مش أبويا؟ أمال أنا بنت مين؟
أمي قربت مني وهي بتبكي وبتحاول تمسك كتفي:
— اسمعيني يا هبة.. أنا اتجوزت السيد بعد ما قصتي الأولى انتهت بكارثة. أبوكي الحقيقي يبقى.. يبقى الكبير بتاع العيلة دي.. عم أحمد! الراجل اللي سرقنا وظلمنا.. هو ده أبوكي الحقيقي!
الدنيا اسودت في عيني.. عمي؟ عمي اللي كنت فاكراه عمي هو أبويا؟ يعني أحمد يبقى.. يبقى ابن عمي وأخويا في نفس الوقت؟ ولا إيه اللخبطة دي؟
أمي كملت بسرعة وهي بتبكي:
— لأ يا هبة، مش أخوكي.. عمك—أبو أحمد— اتجوزني زمان سري من ورا مراته الست فاطمة اللي كنتِ عايشة معاها دي.. ولما حملت فيكي، خاف من فضيحة مراته وعيلتها لأنهم كانوا أصحاب الفلوس والأملاك كلها. طلقني ورماني في الشارع، وأنا عشان أداري الفضيحة وأحميكي، اتجوزت السيد عبد العال اللي كتبك باسمه وعشنا مع بعض. عمك لما حس بالذنب وهو بيموت، كتب الصندوق الاستثماري ده باسمك وباسمي من أملاك عيلته هو.. ومراته الست فاطمة وأولادها عرفوا بالموضوع ده بعد ما مات!
مسكت راسي بإيديا والدموع بتعمي عيني. يعني حماتي.. الست اللي كنت بخدمها وبغسل رجليها ست سنين.. كانت عارفة إني بنت جوزها من حرامه؟ كانت عارفة إني بنته السريّة اللي جاية تشارك أولادها في الميراث؟ عشان كده كانت بتذلني؟ وعشان كده أحمد اتجوزني.. عشان يرجع فلوس أبوه اللي كتبها لبنت الشوارع في نظرهم؟
وفجأة، وقبل ما أستوعب الصدمة اللي هدت كياني كله.. تليفون البيت الأرضي رن بصوت حاد ومستمر.
أمي جريت على التليفون ورفعته وبصوت مرعوب قالت:
— ألو.. مين؟
سمعت صوت ضحكة خبيثة وعالية جاية من السماعة.. صوت أنا عارفاها كويس.. صوت حماتي الست أم أحمد!
صوتها طلع من التليفون وهي بتقول بملامح كلها شر وتشفي:
— أهلاً يا فاطمة.. أهلاً يا خطافة الرجالة. فاكرة نفسك هربتِ بالبت؟ وفاكرة إن المحامي بتاعك هيحبس أحمد؟ أحمد بره القسم من نص ساعة يا حبيبتي، واللعبة الكبيرة يلا هتبدأ.. لو عايزة بنتك هبة تفضل عايشة، وماتشوفيش جثتها في المجرى المائي بتاع الحارة.. افتحي الباب اللي ورا بتاع الفيلا.. عشان إحنا واقفين بره حالاً ومعانا اللي هيخلص الحكاية دي كلها!
*تابع في الفصل القادم…*

