حـماتي كسـرت الكوبايـة في وشـي عشـان الطماطـم ج 3 والاخير حكايات مني السيد

سارة اتسمرت في مكانها والسمّاعة في إيدها، دقات قلبها بدأت تزيد لثواني، مش من شوق ولا من ضعف، لكن من شريط ذكريات كامل مر قدام عينها في لمحة عين. بصت من شباك المكتب العالي على الشارع تحت، شافت عربيته المركونة على جنب، وشافته هو واقف ساند ضهره عليها، باصص للأرض وراسه مكسورة، ومبقاش فيه حتة من كبرياء زمان.
أخدت نفس طويل، وحست إنها قوية.. قوية لدرجة تخليها تواجهه من غير ما تتهز ولا تدمع.
— خمس دقايق يا أحمد.. مش أكتر من كده، وأنا مستنياك في الكافيه اللي تحت المكتب.
قفلت السكة من غير ما تسمع رده، أخدت شنطتها ونزلت. أول ما دخلت الكافيه، لقطته قاعد في ركن بعيد، وشه خاسس، وعينه حواشيها سودا من قلة النوم والهم. أول ما شافها داخلة، وقف بسرعة كأنه تلميذ واقف قدام ناظر المدرسة.
سارة قعدت ببرود وحطت شنطتها على التربيزة، وشاورت له يقعد.
— اتفضل يا أحمد.. أنا وقتي ضيق، قولي إيه اللي جابك؟
أحمد بلع ريقه وبص لإيدها المفرودة على التربيزة، لقى صباعها فاضي، الدبلة اللي كانت مابتتخلعش من إيدها تلات سنين مابقاش ليها أثر. غصة وقفت في حلقه وقال بصوت واطي ومبحوح:
— سارة.. أنا مش جاي عشان أقولك ارجعي، وأنا عارف إن ماليش حق أطلب ده اصلاً. أنا جاي عشان أطهر نفسي قدامك.. جاي أقولك إني آسف.. آسف على كل ليلة نمتي فيها دمعتك على خدك بسببي، آسف على كل مرة صغرتك فيها قدام أمي ووقفت أتفرج، آسف إني مكنتش الراجل اللي يملى عينك ويحميكي.
سارة بصلته بثبات، ملامحها مكنش فيها غضب، كان فيها هدوء مرعب، الهدوء اللي بيجي بعد ما العاصفة تدمر كل حاجة. وقالت بنبرة هادية وزي السكينة:
— الأسف ده جاي متأخر أوي يا أحمد.. جاي بعد ما الشقة بقت رماد، وبعد ما كرامتي اتهانت في بيتك، وبعد ما وقفت بتموت من السخونية وأمك كانت عايزة تضربني بلوح الخشب عشان تلات أقفاص طماطم! الأسف مبيصلحش الكوباية اللي اتكسرت في وشي.. ولا بيعوضني عن تلات سنين عيشتهم وأنا حاسة إني عايشة مع واحد غريب ملوش كلمة في بيته.
أحمد دارى وشه بإيديه وصوته بدأ يتهز:
— عندك حق في كل كلمة.. أنا كنت أعمى، كنت فاكر إن بر الوالدين إني أظلم مراتي عشان أرضي أمي، ومكنتش فاهم إن الظلم ميرضيش ربنا. أنا نفذت كل شروط عمي عبد الصمد ومصطفى أخوكي، ومضيت على ورق التنازل عن الأرض، وبكرة الصبح ورقة طلاقك هتوصلك لحد عندك بكامل حقوقك.. أنا مش جاي أفاصل في حقك، حقك على راسي.
سارة هزت راسها:
— وده اللي خلاني أنزلك يا أحمد.. إنك على الأقل في الآخر عِرفت الأصول وجبت حق الله بالمعروف من غير محاكم وقضايا تبهدلنا.
أحمد رفع عينه وبصلها بنظرة رجاء أخيرة:
— أنا مسافر يا سارة.. جالي عقد شغل في السعودية، هسيب البلد كلها.. الشقة راحت، والأرض مبقاش ليا عين أقعد فيها وسط أهلي بعد ما عمي عبد الصمد صغرني قدام الكل وعلمني الأدب. أنا هسيب أمي هنا في شقتها القديمة في البلد، وهسافر ومش عارف هرجع إمتى.. بس كان لازم قبل ما أمشي أسمع منك كلمة واحدة.. إنتي مسمحاني يا سارة؟
سارة سكتت لثواني، بصت في عينه وشافت الندم الحقيقي، الندم اللي بيجي بعد فوات الأوان. اتنهدت وقالت:
— مسمحاك يا أحمد.. مسمحاك عشان ربنا يوفقني في حياتي اللي جاية، وعشان مش عايزة يربطني بيك ولا بذكرياتك أي غل أو وجع. أنا قفلت صفحتك من يوم ما خرجت من الشقة وهي بتولع.. ربنا يسهلك حالك في سفرك، ويهدي والدتك لنفسها.
وقفت سارة، أخدت شنطتها، وبصتله بصة أخيرة، بصة وداع مفيهاش رجوع. سابته وقامت مشيت بخطوات ثابتة وواثقة، طالعة لمكتبها ولمستقبلها الجديد. أحمد فضل قاعد مكانه، باصص على أثرها والدموع نزلت من عينه لأول مرة، حس إن خسارة سارة كانت أكبر عقاب ربنا كتبه عليه في الدنيا، خسارة ملهاش تعويض.
عدت الأيام والشهور، ومرت سنة كاملة على الحادثة اللي قلبت حياة الكل.
في شقة الحاجة فاطمة، الأجواء كانت مليانة فرحة وزغاريط. الشقة كانت متزينة بالورد والأنوار، ومصطفى واقف في الصالة لابس بدلته وشغال يستقبل الضيوف والابتسامة مش مفارقة وشه. جوة الأوضة، كانت سارة واقفة قدام المراية، لابسة فستان رقيق ومكياج هادي مبرز جمال ملامحها اللي رجعلها صفاها وراحتها.
سارة مكنتش سارة بتاعة زمان.. الدبلانة الخايفة من صوت حماتها. سارة النهاردة كانت ناجحة في شغلها، متمكنة من نفسها، ووشها منور بضحكة طالعة من القلب. الباب اتفتح ودخلت الحاجة فاطمة وهي بتزغرد ودموع الفرحة في عينها:
— بسم الله ما شاء الله يا قلب أمك! قمر منور.. ربنا يسعدك يا بنتي ويعوض صابرك خير.
سارة جريت على حضن أمها وبست إيدها:
— كلو بدعاكي ليا ياما.. وبوقفتك انتي ومصطفى جنبي. لولاكم مكنتش هبقى واقفة الوقفة دي النهاردة.
الحاجة فاطمة طبطبت عليها:
— إنتي تستاهلي كل خير يا سارة.. و”كريم” ابن حلال ويستاهلك، شريكي وصاينك من أول يوم دخل فيه بيتنا، وعارف قيمتك كويس. الراجل يبان من أول خطوة يا بنتي، وهو من أول يوم جاب أهله وكتب كتابكم النهاردة عشان يدخل بيكي بيته وهو رافع راسه قدام الدنيا كلها.
في الصالة برة، المأذون كان قاعد وبدأ يكتب الكتاب. كريم، المهندس المحترم اللي اتعرف على سارة في الشغل وشاف فيها الست الأصيلة المكافحة، كان قاعد جنب مصطفى وحاطط إيده في إيده. مصطفى بص لكريم وقاله بنبرة رجولة:
— أنا بلمنك أمانة يا كريم.. سارة مش مجرد أخت، دي حتة من قلبنا.. شافت كتير وتعبت، وعايزك تعوضها عن كل وجع شافته.
كريم ضغط على إيد مصطفى وقال بثقة وأمانة:
— سارة في عيني يا مصطفى.. وحقها عليا أشيلها على راسي فوق، وبيت المودة والرحمة اللي هنبنيه سوا مش هيدخله غير الفرحة بإذن الله.
المأذون قال جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، والدوار اتملى بالزغاريط والفرحة، وسارة دمعت دموع الفرحة وهي بتوقع على قسيمة الجواز، حاسة إن ربنا قفل باب العذاب وفتح لها طاقة قدر وعوض ملوش آخر.
وعلى الجانب الآخر، وفي نفس الليلة، كانت الأجواء مختلفة تماماً في شقة البلد القديمة بالدور الأرضي.
الشقة كانت ضلمة ومكركبة، التراب مغطي العفش القديم. أمينة كانت قاعدة على الكنبة، لافة طرحة سودا حوالين راسها، ملامحها عجزت وبقت كرمشتها باينة، وعينها مطفية ومفيهاش لا حس ولا خبر. كانت قاعدة لوحدها، مفيش حد بيسأل عليها ولا جارة بتعتب بابها بعد ما الجيران كلهم عرفوا طبعها وجبروتها اللي خرب بيت ابنها.
الخال سيد مكنش بيدخلها، والحاج عبد الصمد بيبعت لها مصاريفها الأساسية مع البواب من غير ما حد من العيلة يكلمها. تليفونها رن بصوت عالي كسر سكوت الشقة القاتل. جريت عليه بإيد بتترعش، كانت فاكرة إنه أحمد.
— ألو.. أحمد؟ يا ابني كلمني يا أحمد ريح قلبي!
جالها صوت غريب، صوت صاحبة البيت اللي أحمد مأجرها في الرياض:
— السلام عليكم.. أخت أمينة؟ أنا بكلمك من طرف أحمد ابنك.
أمينة قلبها وقع في رجليها:
— خير يا بنتي؟! أحمد فيه حاجة؟! جرى له إيه؟!
— أحمد تعب فجأة يا حاجة، وجاتله جلطة خفيفة من الزعل والضغط العصبي والشغل ليل نهار.. هو دلوقتي في المستشفى وحالته استقرت الحمد لله، بس الدكتور منعه من الحركة والزعل، وهو مش قادر يتكلم، بس طلب مني أكلمك عشان أطمنك ومتقلقيش عليه لو غاب في التليفون.
الخط قطع، وأمينة وقعت على الأرض والصرخة اتكتمت في صدرها. بصت حواليها في الشقة الفاضية، لقت نفسها وحيدة، خسرت كل حاجة.. خسرت أختها، وخسرت ابنها وصحته وشبابه اللي ضاع في الغربة بسببها، وخسرت كرامتها وسط الناس.
افتكرت في اللحظة دي يوم ما كانت واقفة في المطبخ ورمت الكوباية في وش سارة، وافتكرت صراخها وجبروتها وهي بتقول: “البيت ده إحنا اللي بنمشيه!”. بكت بحرقة وندم، وعرفت إن الدنيا دوارة، وإن ظلم الولية الغلبانة مبيعديش بالساهل عند ربنا.. طمعها في الشقة والأرض وطمعها في لوي دراع بنوت الناس، رجع عليها بالخراب والوحدة والمرض.
بعد مرور سنتين..
في أحد الأحياء الهادية والجديدة، كانت سارة واقفة في بلكونة شقتها الواسعة والشمس منورة المكان. الشقة كانت متزينة بذوق عالي، وفيها دفا مكنتش شيفاه زمان. سارة كانت شايلا في إيدها طفل صغير عنده كام شهر، شبهها في عيونها الواسعة وفي طيبتها.
دخل كريم البلكونة وهو شايل كوبايتين عصير دافي، حطهم على التربيزة وحضن سارة من ضهرها وباس راس ابنه الصغير “يوسف”.
— واقفة بتفكري في إيه يا سارة؟ العصير هيبرد يا حبيبتي.
سارة لفت وشها وبصت لكريم بابتسامة مليانة رضا وأمان:
— مش بفكر في حاجة يا كريم.. كنت ببص للشمس وبحمد ربنا على العوض الكبير. بجد يا كريم، ربنا لما بيقفل باب، بيفتح أبواب من حيت لا نحتسب.
كريم ابتسم وضغط على إيدها:
— إنتي اللي طيبة وأصيلة يا سارة، وتستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا. يالّا بينا ندخل عشان مصطفى وأمي زمانهم على وصول عشان يتغدوا معانا.
سارة دخلت الصالة وهي شايلا ابنها، وبصت لشقتها الجديدة، حست إن الخراب القديم والرماد مكنش نهاية القصة.. ده كان مجرد بداية لحياة حقيقية، حياة مبنية على الأصول، والمودة، والرحمة اللي ربنا أمر بيها.
وعرفت سارة إن رنة الجرس اللي قلبت البيت زمان، مكنتش مصيبة.. دي كانت الإشارة الإلهية اللي خرجتها من الضلمة للنور، وعلمتها إن المظلوم لو صبر، حقه بيرجعله تالت ومتلت، والظالم بياكل في نفسه لحد ما يخلص عليه عمله.
وانتهت حكاية “الطماطم والمخلل” اللي بدأت بخناقة وكسر كوباية، وبقت مجرد ذكرى بعيدة في كتاب اتقفل واترمى في الرماد، وبدأت حكاية جديدة مليانة فرحة وأمل وعوض جميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *