رضاعة ابني ج 2 والاخـير حكايات زهرة الربيع
الفصل الأخير: كسر اللعنة ونهاية الكابوس
صوت الضحكات الشيطانية اللي طالع من أوضة ابني يوسف كان كفيل إنه يوقف الدم في عروقي. في اللحظة دي، مكنتش حاسس برجليا ولا سامع صريخ أمي اللي مرعوبة ورايا. كل اللي كان مسيطر عليا هو غريزة الأب اللي ابنه في خطر.
جريت على باب الأوضة زي المجنون، خبطت عليه بكل قوتي بس كان مقفول من جوة كأن في جبل سنده.
“يوسف!! يوسف افتحوا الباب!! ابني جوة!!” كنت بصرخ وبضرب الباب بكتفي لحد ما حسيت إن عضمي بيتكسر.
الشيخ رضوان جري ورايا، حط إيده على خشب الباب وبدأ يقرأ بصوت عالي ومجلجل:
**”وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا”**
فضل يكرر الآية، ومع كل تكرار، كنت بضرب الباب بكتفي لحد ما الكالون طار والباب اتفتح بعنف.
المشهد جوة الأوضة كان قطعة من الجحيم. الأوضة كانت ضلمة كحل، رغم إننا كنا في عز النهار، والجو كان تلج، أبرد من الفريزر، وريحة كريهة جداً مالية المكان، ريحة زي اللحم المعفن أو الكبريت المحروق.
يوسف مكنش بيعيط.. يوسف كان نايم في سريره، وفوقه بالظبط، متعلق في سقف الأوضة، كان الكيان الأسود اللي شوفته في الشارع!
كان باصص لتحت على ابني، وعينيه الحمرا بتلمع في الضلمة، وبيطلع نفس صوت الفحيح المرعب.
الشيخ رضوان متهزش، رفع إيده الاتنين وكبر بأعلى صوته: **”الله أكبر! الله أكبر!”** وبدأ يأذن في الأوضة.
مع أول كلمة من الأذان، الكيان ده صرخ صرخة رجت حيطان الشقة، صرخة كلها ألم وغضب، وفجأة انفجر زي سحابة دخان أسود واختفى تماماً من الأوضة، والشبابيك اتفتحت لوحدها ودخل منها نور الشمس.
جريت على سرير يوسف، شيلته وضميته لصدري وأنا ببكي بهيستريا. كان وشه شاحب، بس كان بيتنفس ومفيش فيه خدش. أمي دخلت الأوضة بتترعش، أخدت يوسف مني وقعدت تقرأ عليه المعوذتين وهي بتعيط.
### المواجهة مع الشيطان
رجعنا الصالة بسرعة، رنا كانت لسة قاعدة على الكرسي، بس جسمها كله كان متخشب، وعينيها المقلوبة بتبصلنا بشر مستطير. الشيخ رضوان قفل باب أوضة الأطفال على أمي ويوسف عشان يحميهم، ووقف قصاد رنا، ملامحه كانت حازمة وفيها قوة عجيبة.
قاللي بصوت واطي: “اسمع يا كريم، اللي بيحصل ده مش مجرد مس.. ده سحر أسود، سحر سفلي بالنجاسة، معمول عشان يدمر رحم مراتك ويسلبها عقلها وحياتها، والكيان اللي شوفناه ده خادم السحر، شيطان متسلط عليها.”
بصيتله بدموع وقلة حيلة: “مين اللي يعمل فينا كده يا عم الشيخ؟ إحنا مأذيناش حد! والعمل ده فين إزاي نخلص منه؟”
رد الشيخ: “هنخيله هو اللي ينطق.”
قرب الشيخ رضوان من رنا، ومسك كوباية ماية مقري عليها، ورش على وشها وهو بيقرأ آية الكرسي.
رنا (أو الكيان اللي جواها) انتفضت وصرخت: **”هق*تلها! هسحب روحها لو مابعدتش عني! دي بتاعتي!”**
الشيخ متهزش، كمل قراءة بصوت أعلى، وبدأ يضرب على كف إيدها ضربات خفيفة وهو بيقول: “باسم الله تخرج صاغراً.. باسم الله تنطق بالحق.. سحروكم فين؟ ومين اللي عقد العقدة؟”
الكيان فضل يعاند، يضحك ضحكات هستيرية ويشتم بأبشع الألفاظ، لكن مع استمرار الشيخ في تلاوة آيات الحرق والعذاب، الصوت بدأ يضعف، والضحك اتحول لصريخ ألم.
**”خلاص.. هقول.. هقول بس وقف القراءة!! النار بتكويني!!”** نطق الكيان بصوت متقطع.
سأله الشيخ بقوة: “مين اللي عمل السحر؟ ومكانه فين؟”
رد الكيان بصوت رنا بس بنبرة مليانة غل:
**”اللي عملته عين قريبة.. عين كارهة الفرحة.. عملته (سها).. بنت خالة العروسة! حطت النجاسة في أغلى حاجة، عشان الخراب يدب من أول ليلة!”**
الاسم نزل عليا زي الصاعقة. سها؟! سها بنت خالة رنا؟ دي كانت أقرب واحدة ليها، دي اللي كانت معاها خطوة بخطوة في تجهيزات الفرح، دي اللي زغردت أكتر من أمها يوم الحنة! إزاي؟ وليه؟!
افتكرت ساعتها نظرات سها ليا، وكلام رنا زمان إن سها كانت ملمحة إنها عايزاني قبل ما أنا أتقدم لرنا، بس أنا عمري ما بصيتلها. الغيرة والحقد وصلوها لكفر زي ده؟!
الشيخ كمل سؤاله بحزم: “مكان السحر فين؟ انطق!!”
رد الكيان بصوت مخنوق: **”في الدولاب.. في الصندوق القطيفة.. في الطرحة اللي غطت وشها يوم فرحها.. معقود بدم نجس وشعر من راسها!”**
### استخراج السحر
الشيخ بصلي وقال: “بسرعة يا كريم، روح هات الصندوق ده.”
سبتهم وجريت على أوضة النوم. فتحت الدولاب وطلعت الصندوق القطيفة اللي رنا كانت محتفظة فيه بطرحة الزفاف وبعض ذكريات الفرح. قلبي كان بيدق بسرعة وأنا بفتح الصندوق. الطرحة كانت متطبقة جوة، بس لما مسكتها، حسيت إن في حاجة ناشفة ومكلكعة متخيطة في بطانة الطرحة من جوة!
طلعت الطرحة وخدتها وجريت على الصالة. الشيخ رضوان أخدها مني، وطلب مقص.
قصينا البطانة، وهنا ظهرت الكارثة..
كان في صرة صغيرة من قماش أسود، مربوطة بخيوط حمرا ومعقودة سبع عقد. ريحتها كانت قذرة بشكل لا يطاق. الشيخ فتح الصرة بحذر شديد وهو بيقرأ المعوذتين، وكان جواها:
* خصلات شعر من رنا.
* حجاب مكتوب بدم لونه غامق (دم حيض) وفيه طلاسم وأرقام غريبة.
* عضمة صغيرة جداً لحيوان ميت.
* شوك وابر مغروزة في حتة شمع.
المنظر كان كفيل يخلي معدتي تقلب وكنت هتقيأ من البشاعة.
الشيخ رضوان قال بثبات: “الحمد لله الذي كشف الضر.. السحر ده متكلف وغرضه الجنون ووقف الحال وتدمير النسل. الخادم كان بيأذي الطفل عشان يستمد طاقته ويضعف الأم لحد ما تموت.”
### فك العقدة ونهاية الشيطان
جاب الشيخ طبق غويط، حط فيه مية، وشوية ملح خشن، وورق سدر مطحون، وبدأ يقرأ على المية سور (الفاتحة، آية الكرسي، الإخلاص، والفلق، والناس، وآيات فك السحر من سورة طه ويونس).
وهو بيعمل كده، الكيان اللي جوة رنا كان بيصرخ وبيحاول يفك نفسه عشان يهجم علينا.
**”مش هسيبها! الطرحة دي لبستها والعهد اتكتب! اللبن اللي رضعته ابني خلى بينا دم!”**
الشيخ قاله بصرامة: **”بطل عهدكم بإذن الله.. ما جئتم به السحر إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين.”**
بدأ الشيخ يفك العقدة الأولى من الخيط الأحمر، ويحطها في المية المقري عليها.
مع كل عقدة بتتفك، رنا كانت بتنتفض انتفاضة مرعبة، وبتكح كأنها بتطلع نار من صدرها.
*العقدة الأولى..* صرخة.
*العقدة التانية..* تشنج في الأطراف.
*العقدة التالتة..* دموع سودة نزلت من عينيها!
فضلنا على الحال ده لحد ما وصلنا للعقدة السابعة والأخيرة.
الشيخ حط الحجاب والورق في المية، الحبر الأحمر بدأ يدوب في المية كأنه دم بينزف، والطلاسم بدأت تتمحي.
في اللحظة دي، رنا فتحت بؤها لدرجة إن فكها كان هيتخلع، وطلعت منها شهقة أخيرة.. أطول وأرعب شهقة سمعتها في حياتي، معاها خرج تيار هوا بارد جداً من الأوضة خبط في الشبابيك وقفلها.
بعدها.. الصمت التام.
جسم رنا ارتخى بالكامل، ووقعت على الأرض. الملامح الشيطانية اختفت، ووشها رجع هادي وبريء زي ما عرفتها، بس كانت غايبة عن الوعي ومجهدة جداً.
### ما بعد العاصفة
أمي طلعت من الأوضة شايلة يوسف اللي كان نايم في هدوء تام لأول مرة من يوم ما اتولد. الشيخ رضوان مسح العرق من على جبينه، بصلي بابتسامة متعبة وقال:
“الحمد لله.. الكابوس انتهى يا بني. السحر اتفك، والخادم هرب ومعدش ليه سلطة عليها. مراتك هتبقى كويسة، بس محتاجة راحة، ومحتاجة تواظب على الصلاة والأذكار وتشغلوا سورة البقرة في البيت كل يوم. البيت ده كان عامل زي الأرض البور، والشياطين بتعشعش في الأماكن اللي مفيهاش ذكر.”
دفعت للشيخ رضوان فلوس رفض ياخد منها مليم، قالي “أنا مباخدش أجر على حاجة ربنا قدرني عليها”، ومشي بعد ما طهر البيت كله ورشه بماء مقري.
شلت رنا ونيمتها على سريرها. فضلت نايمة يومين كاملين، بتصحى تشرب وتاخد شوربة وتنام تاني.
ولما فاقت أخيراً، كانت فاكرة إنها كانت عيانة أو عندها حمى شديدة. محبتش أحكيلها التفاصيل المرعبة عشان مدمرش نفسيتها، اكتفيت إني أقولها إن كان في حسد شديد في البيت وإن الشيخ قرأ قرآن والحمد لله خفينا.
أما سها.. فبعد اللي حصل بأسبوع، عرفنا إنها اتصابت بحالة عصبية غريبة، وبقت بتشوف خيالات وتصرخ في بيتها، وأهلها بيلفوا بيها على الدكاترة. عرفت وقتها إن السحر لما بيتفك، بينقلب على الساحر واللي طالبه، وربنا انتقم لنا منها أشد انتقام.
يوسف ابني كبر، والصفرا راحت منه تماماً بعد ما رنا رجعت ترضعه بشكل طبيعي، ومن غير أي شهقات أو غياب عن الوعي. حياتنا رجعت طبيعية، بس أنا اتغيرت.
اتعلمت إن الدنيا دي فيها شرور خفية إحنا منعرفش عنها حاجة، وإن أقرب الناس ليك ممكن يكونوا هما سبب خراب بيتك بسبب الحقد والغيرة. اتعلمت إن التحصين بذكر الله مش مجرد كلام شيوخ، ده الدرع الوحيد اللي بيحمينا من كوابيس ممكن تعيش معانا في نفس الأوضة وإحنا مش حاسين.
كل ما أبص لرنا وهي شايلة يوسف وبتضحك، بحمد ربنا ألف مرة إن الغمة انزاحت، وبدعي إن ربنا يكفينا شر النفوس المريضة، ويحفظ بيتنا من كل شيطان مارد وكل عين حاسدة.
**النهاية**
