أصـول وحـدود ج 1 بقلم منــي السيد

“يا إيمان، إخلصي هاتي مفاتيح الفيلا بسرعة! العيال سقعانين واللحمة لسه نية على الشواية!”
عمو فاروق قال الجملة دي بنبرة عادية وبسيطة جداً، لدرجة إني حسيت للحظة إني مش صاحبة المكان، بل مجرد جارة معدية بالصدفة بتسلم عليهم! حكايات مني السيد
وقفت مكاني عند البوابة، متنحة والشنط في إيدي. لثواني، فضلت باصة في صمت للخراب اللي حل ببيتنا أنا وشريف في كام ساعة بس. لحد إمبارح، البيت ده كان هادي، دافي، ريحة الخشب والدهان الجديد لسه تفوح منه.. ودلوقتي، الأرض اللي حواليه بقت مستباحة لعربيات غريبة. عربيات دفع رباعي ضخمة راكنة فوق النجيل الأخضر الجديد اللي زرعناه بإيدينا، وكنا بنسقيه كل يوم وقت العصاري بكل حب وفخر. متوفرة على روايات و اقتباسات
سألت بصوت مرعوش ومذعوب:
— “عمو فاروق؟ هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ والعربيات دي راكنة فوق النجيل ليه؟”
ضحك عمو فاروق وهو بيخبط على بطنه وقال:
— “بيحصل إيه إزاي يا بنتي؟ هو مش النهارده شم النسيم ولا إيه! إحنا جينا كلنا من بدري، طنت ميرفت وتامر وعيلته، وحتى سمير اللي لسه نازل إمبارح من دبي جه معانا! كنا فاكرينكم مستنيينا بس ملحيناش حد!”
في اللحظة دي، شريف وقف ورايا من غير ما ينطق بحرف. حسيت بجسمه كله وهو بيتشد ويتخشب. شريف بطبعه هادي وصبور لأبعد حد، بس اللحظة دي كتفت كتافه وخلتها زي الحجر. عينه راحت مباشرة على شواية الفحم اللي محطوطة فوق بلاط البورسلين الفاتح بتاع التراس الجديد.. الشرر المتطاير كان بيسيب نقط سودا ومشوهة على الأرضية اللي لسه بتلمع.
من ورا الحيطة ظهرت طنت ميرفت وهي شايلة طبق بلاستيك كبير مليان بصل متبل للحمة، وقالت بصوت عالي:
— “إيه ده يا شريف؟ واقف مكانك كده ليه يا حبيبي؟ الله! بسم الله ما شاء الله، المكان يجنن بجد! إحنا خلاص قررنا كعيلة، من هنا ورايح كل أعيادنا ومناسباتنا هتبقى عندكم هنا.. لازم نرجع لمتنا القديمة!”
همس شريف بنبرة هادية بس تخوف:
— “لمتنا القديمة يا طنت ميرفت؟ بس باين عليكي نسيتي إن اللمة دي زمان كان فيها شقا وتعب مشترك. الصيف اللي فات كله أنا وإيمان كنا هنا لوحدنا بنبني ونعرق، ومحدش فيكم فكر يرفع معانا طوبة.”
لوحت بإيدها وهي بتعدي من جنبي ببرود وقالت:
— “يووه، بلاش نكد بقى على الوش الصبح! العيلة جت ولازم تفرحوا. يلا افتحوا الأبواب عاوزين نتفرج على البيت من جوه.. تامر قالنا إن الحمام بتاعكم مكلف أكتر من تمن عربيتي!”
الدوشة كانت بتزيد. عيال تامر الصغيرين كانوا بيجروا في كل حتة، ماسكين غصون شجر وبيكسروا في شتلات الياسمين الهندي والورد اللي لسه زارعينها من كام يوم. ومن كاسيت واحدة من العربيات، كان شغال مهرجان شعبي قديم بصوت عالي ومزعج، مغطي على صوت العصافير والهدوء اللي هربنا من زحمة القاهرة بسببه.
وقفت على سلم التراس، وقطعت الطريق على طنت ميرفت وقلت بمنتهى الحسم:
— “محدش هيدخل البيت جوه.”
برقت طنت ميرفت وقالت بذهول:
— “أنتِ بتتكلمي جد يا إيمان؟ مش عاوزه تدخلي خالتك بيتك؟ ده إحنا جايين وجايبين معانا الأكل والخير كله، فطير مشلتت وجبنة قديمة ولحمة!”
رديت ببرود وثبات:
— “أنا معزمتش حد يا طنت.. لا أنتِ، ولا عمو فاروق، ولا تامر. البيت ده بيتنا، وأنا وشريف كنا عاوزين نقضي الويك إند ده لوحدنا وبراحتنا.” متوفرة على روايات و اقتباسات
في اللحظة دي قرب مننا تامر وهو ماسك كوباية بلاستيك فيها عصير قصب دافي وقال وهو بيخبط على كتف شريف:
— “جرى إيه يا جماعة؟ صلوا على النبي كده، إحنا طول عمرنا عيلة واحدة وبنتجمع. جدك الله يرحمه لو كان عايش وشافكم بتطردونا كان هيقول إيه؟ الأرض دي أصلاً كانت أرضه زمان!”
رد شريف وهو بيبص في عينه مباشرة:
— “كانت أرضه يا تامر.. دلوقتي بالورق والقانون دي أرضي، والبيت ده اتبنى بفلوس شقاي أنا ومراتي. أنت جيت مرة شيلت معانا طوبة؟ سألت مرة محتاجين مساعدة والبيت بيتبني؟”
اتحرج تامر وهمس:
— “كل واحد فيه اللي مكفيه ومشاغله بقى…”
هز شريف رأسه بابتسامة سخرية وقال:
— “تمام.. وطبعاً المشاغل دي مابتخلصش غير لما البيت يخلص ويبقى جميل وجاهز للفسحة. عموماً، خد عربيتك وطلعها برة النجيل فوراً.. دلوقتي حالا.”
ضحك تامر باستهزاء وقال:
— “يا عم كبر مخك! النجيل هيطلع تاني غيره.. تعالوا بس نشرب حاجة ونهدي النفوس.”
بصيت لشريف، شفايفه كانت مضمومة بقوة وعروق رقبته نافرة.
وقفت وقلت بقوة:
— “مفيش حاجة هتتشرب هنا.. لموا حاجتكم واتفضلوا مع السلامة.”
فجأة، الهدوء حل على المكان كله، لدرجة إن العيال الصغيرة سكتت ووقفت تبص لنا. طنت ميرفت رفعت إيدها لورا وقالت بصوت مكسور ومصطنع:
— “بتطردونا؟ بتطردوا عيلتكم يا إيمان؟”
قال شريف:
— “إحنا بس بنطلب منكم تحترموا خصوصيتنا وحدودنا.. المكان ده بيت مقفول على صاحبه، مش مصيف عام.”
كشّر عمو فاروق وقال وهو بيبص لنا بضيق:
— “يا خسارة تربية الجيل ده.. زمان كان كله بتاع كله والبيوت مفتوحة.”
رد شريف ببرود:
— “وزمان برضه كان كله بيشقى مع كله.. مكنش حد بييجي على الجاهز.” حكايات مني السيد
تامر رزع الكوباية البلاستيك على كبوت العربية وقال بغضب:
— “تمام يا سيدي.. فهمنا. خلاص بقيتوا أصحاب أملاك وناشفين.”
قلت وأنا باصة في عيونهم:
— “لأ.. إحنا بس اتعلمنا نحمي حاجتنا وتعبنا.”
بعد نص ساعة، كانت الأرض فضيت تماماً. عربية ورا عربية خرجت من البوابة، وسابت وراها آثار كاوتش سودا غائرة ومحفرة في النجيل المدمر. طنت ميرفت مشيت وهي لية بوزها ومابتنطقش، وعمو فاروق بيبرطم بكلام مش مفهوم، وتامر حتى مفكرش يبص وراه وهو بيمشي.
لما البوابة الكبيرة اتقفلت ورا آخر عربية، حل هدوء غريب.. تقيل، وبارد زي الحديد.
قعدت على سلم التراس.. النجيل متبهدل، شتلات الزرع مكسورة، وأرضية البورسلين مليانة هباب أسود من فحم الشواية. البيت اللي كان الصبح عنوان للنظام والهدوء، بقى شكله حزين ومطفي. شريف قعد جنبي في صمت، وحط إيده على كتفي.
همس وهو بيبص للأرض:
— “زعلان على البلاط الجديد اللي اتبهدل.”
سندت رأسي عليه وقلت:
— “وأنا زعلانة على النجيل والزرع.”
فضلنا ساكتين كام دقيقة، بنسمع صوت الهوا وهو بيحرك شجر السرو والياسمين، كأنه بيحاول يمسح ويداري اللي حصل من شوية. شريف قام، جاب المقشة وبدأ يكنس هباب الفحم بالراحة ومن غير ما يتكلم. كان قلبي بيوجعني وأنا شيفاه بيصلح تعبه اللي غيره استهتر بيه في ثواني.
قال بصوت واثق وهو بيكنس:
— “هنصلح كل ده.. وهيبقى أحسن من الأول كمان.”
قلت وأنا ببتسم بدموع:
— “أكيد طبعاً.”
تاني يوم بالليل، كانت الدنيا رجعت هادية وشبه نظيفة. كنا قاعدين بنتعشى في التراس تحت الإضاءة الصفراء الدافية، وفجأة سمعنا خبطة خفيفة أوي على البوابة، خبطة مترددة كأن اللي واقف خايف نطردة.
شريف قام وفتح الباب. كانت فريدة، بنت تامر اللي عندها ١٢ سنة، واقفة باصة في الأرض وماسكة في إيدها كارت كرتون مقصوص ومصنوع يدويًا بطريقة بسيطة.
قالت بصوت واطي ومكسوف:
— “أنا آسفة.. أنا اللي كسرت الشجرة الصغيرة وأنا بلعب.. مكنش قصدي. بابا بيقول عادي ومش مهم بس أنا جيت أقولكم إني آسفة بجد.” متوفرة على روايات و اقتباسات
شريف سكت لثواني، وبعدين نزل على ركبه وبقى في نفس مستوى طولها، وقال بحنان:
— “شكراً يا فريدة إنك جيتي.. خطوتك دي كبيرة أوي وتدُل إنك شجاعة.. مش سهل الواحد يعمل الصح لما الكبار يكونوا شايفين عكس كده.”
هزت رأسها وهي بتجفف دموعها، وحطت الكارت في إيدي وجريت بسرعة كأنها خايفة حد من أهلها يشوفها. فتحت الكارت، لقيت مكتوب بخط عيل صغير مهزوز: “بيتكم جميل أوي.. متزعلوش مني”.
حسيت بدموعي بتنزل بجد المرة دي.
همست لشريف:
— “يمكن لسه فيه أمل في حد منهم يفهم.”
شريف ضمني لدراعه، ولأول مرة من يومين أحس بسلام حقيقي وجوايا هادي. تاني يوم الصبح نزلنا المشتل واشترينا شتلات ياسمين جديدة وزرعناها سوا. وبالليل عملنا عشاء هادي لينا احنا الاتنين بس.. من غير أغاني صاخبة، من غير كلام مجاملات ملوش معنى.. كنا إحنا والهدوء وصوت الشجر وبس.
بعدها بكام يوم، بعت رسالة لعمو فاروق على الواتساب، هادية ومفيهاش أي غل: “عمو فاروق، إحنا مش زعلانين منكم، بس رجاءً بلاش زيارات مفاجئة تاني.. إحنا بنحب نعيش في هدوء وبشروطنا”.
طبعاً مفيش أي رد جالي منه.. والسكوت ده في حد ذاته كان رد كافي جداً ومريح. متوفرة على روايات و اقتباسات
مرت الأسابيع، الشجر الجديد كبر وجذوره ثبتت في الأرض، والنجيل رجع أخضر ومنعش تاني. والبيت رجع له روحه الحقيقية: ملجأ دافي لروحين وبس. أوقات كنت بفكر وأقول لنفسي إن اللي حصل ده كان لازم يحصل عشان نعرف قيمة الحدود، والهدوء، وقيمة الحاجة اللي بنبنيها بإيدينا.
وفي ليلة، والشمس بتغيب ورا الشجر، قال شريف وهو بيبتسم:
— “عارفة إيه المفارقة؟ هما دلوقتي شايفيننا ناس ناشفة ومعندناش أصول.. بس الحقيقة إننا اخترنا الأصول والاحترام بدل الفوضى وقلة التقدير.”
ضحكت وقلت له:
— “يقولوا اللي يقولوه.. العيلة الحقيقية مش هي اللي بتيجي تاكل لحمة مشوية لما البيت يخلص ويبقى جاهز.. العيلة بجد هي اللي بتشيل معاك الطوب وأنت لسه بتبني الأساس.”
رفعنا كبايات الشاي بالنعناع الدافية، وبصينا لبعض.. وفهمت إن دي أول حفلة حقيقية وصادقة تتعمل في بيتنا؛ حفلة هادية، حقيقية، وخالية تماماً من الناس اللي بتخلط بين صلة الرحم وقلة الاحترام.
