حمـاتي دخلـت بيـتي وكأنهـا صاحـبة المكـان ج 2 حكايات مني السيد

دخلت أوضة النوم ورزعت الباب ورايا. جسمي كله كان بيتنفض من كتر الغيظ والقهر، بس عينيا ما نزلتش دمعة واحدة. دموع إيه اللي تنزل دلوقتي؟ ده وقت فعل، وقت حركة، وقت إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
فتحت الدولاب، سحبت الشنطة الكبيرة اللي كنت مسافرة بيها زمان، وبدأت أرمي فيها هدومي بهستيريا. كل تيشيرت، كل بنطلون، كل حاجة تخصني كنت بحدفها جوه الشنطة وأنا بفتكر السبع سنين اللي ضاعوا من عمري هنا. سبع سنين وأنا بحسب بالمليم، سبع سنين وأنا بضغط على نفسي عشان نخلص قسط الشقة اللي كريم قالي إنها أماننا ومستقبلنا. وفي الآخر؟ الشقة طلعت مسروقة، وحماتي طلعت نصابة، وجوزي طلع مغفل ومسلم لها عينه وعقله!
سمعت صوت خبط على الباب، وصوت كريم المخنوق من وراه:
— نهى… افتحي يا نهى عشان نكلم. مش وقته الكلام اللي قلتيه بره ده، إحنا في مصيبة أكبر من كده بكتير.
فتحت الباب بعنف لدرجة إنه خبط في الحيطة. وقفت قدامه وحطيت إيدي في وسطي وقلت له بنبرة كلها قرف:
— مصيبة مين يا حبيبي؟ مصيبتك إنت وأمك! أنا مالي؟ أنا ذنبي إيه؟ أنا واحدة اشتغلت وسهرت وتنازلت عن كل حاجة، حتى أوضتي الصغيرة اللي باكل منها عيش سيبتها عشان أهلك يقعدوا فيها شهر! وفي الآخر تقولي إحنا في مصيبة؟
كريم مسك راسي بإيديه وهو هينفجر من العياط:
— والـ 200 ألف جنيه اللي عطيتهملها؟ شقا عمري في الغربة يا نهى! ده أنا كنت بشتغل ورديتين عشان أجمعهم وأديهملها تخلص بيهم ورق الشقة دي زي ما قالتلي! أمي هددتني بدموعها، وقالتلي إن أعمامي عايزين ياخدوا الشقة منها، وأنا زي الأهبل صدقتها وبعت لها كل قرش حيلتي عشان تخلصلها الورق وتكتبهالي!
— ومين اللي قالك تصدقها من غير ما تشوف ورق؟ — صرخت فيه وأنا بزقه بعيد عني — مين اللي قالك تمشي ورا كلامها وهي أصلاً من أول يوم دخلت فيه حياتنا وهي بتتعامل وكأنها الآمر الناهي؟ كانت جاية تقعد شهر وهي عارفة إن أصحاب الشقة هيفضحوها! كانت جاية تستخبى عندك يا كريم! أمك ضحكت عليك، وإنت ضحكت عليا، والنتيجة إننا في الشارع دلوقتي.
في الصالة بره، الصوت كان لسه عالي. حماتي كانت بتصرخ وتقول إنها تعبانة ومغمى عليها، وحمايا عم حسين كان بيلم حاجته في الشنط وهو بيشتمها بأبشع الألفاظ، وأحمد واقف مش عارف يعمل إيه، وهاجر كانت بتعيط في زاوية من الصالة وهي باصة للأرض. أما الست الكبيرة وابنها الشاب، فكانوا واقفين بكل برود، الشاب ماسك موبايله وبيكلم المحامي بتاعه وبيقوله: “أيوة يا متر، إحنا جوه الشقة دلوقتي، والناس بتلم حاجتها، مش هحتاج شرطة لو مشيوا بالذوق، بس خليك معايا على الخط.”
طلعت من الأوضة وسحبت شنطتي ورايا. كريم جري ورايا ومسك الشنطة:
— رايحة فين يا نهى؟ هتمشي وتسيبيني في وقت زي ده؟ أنا محتاجلك جمبي!
بصيت له وضحكت بوجع:
— محتاجلي؟ إنت افتكرتني دلوقتي يا كريم؟ لما كنت بطلب منك نقعد ونتكلم قبل ما أهلك ييجوا، كنت بتقولي “دول أهلي مش ناس غريبة”. لما كنت بقولك أنا هشتغل فين، كنت بتقولي “على سفرة المطبخ”. لما أمك كانت بتهزأني وتوزع عليا أوامر في مطبخي، كنت بتبص في الموبايل وتعمل نفسك مش سامع! إنت ماشوفتش إن في حاجة غلط غير لما الشقة ضاعت من تحت رجليك. أنا ماشية يا كريم، الشغل اللي كنت مستهون بيه، هو اللي هيصرف عليا دلوقتي.
سيبت الشنطة في إيده ودخلت أوضة المكتب المقلوبة. المرتبة الهوائية كانت منفوخة وواخدة نص الأوضة، ومكتبي متزق على الحيطة. قعدت على الركبة وحضنت اللابتوب بتاعي، ولميت الملفات الحسابية بتاعة الشركات اللي بشتغل معاها وحطيتها في الشنطة الصغيرة. دي ثروتي الحقيقية، ده الأمان اللي بجد.
وأنا خارجة من الأوضة، حماتي شافتني وأنا ماسكة الشنط. قامت من على الكنبة زي الجنية، وصوتها رجع قوي تاني وقالتلي بجرأة غريبة:
— رايحة فين يا اختي؟ سايبة جوزك في عز زنقته وماشية؟ هي دي الأصول؟ بدل ما تقفي جمبه وتشوفوا هتعملوا إيه مع الناس النصابين دول، رايحة تخلعي؟
لفيت ليها وبصيت في عينها مباشرة. الدهب اللي في صوابعها كان بيلمع، ووشها اللي كان من دقيقة ميت من الخوف، رجع فيه الجبروت تاني.
— نصابين؟ — قلتها بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين في الصالة — النصاب هو اللي بياكل حق الناس من عشرين سنة يا طنط! النصاب هو اللي بياخد شقا ابنه في الغربة ويبيع له شقة مش بتاعته! أنا الأصول بتاعتي إني محترم وبخاف من الحرام، ومقعدش في مكان مش بتاعي ثانية واحدة. ابمك إنتِ اللي خربتي بيته بطمعك، ودلوقتي شيلوا الليلة سوا بقى.
عم حسين حمايا بص لحماتي وقالها:
— اسكني يا نادية! اسكتي خالص، البت معاها حق. إنتِ ضيعتينا وضيعتي ابنك. ياللا بينا على البلد، ومفيش قعاد هنا دقيقة كمان.
الشاب صاحب الشقة بصلنا وقال بنبرة فيها شوية تعاطف معايا:
— يا مدام نهى، إحنا ملناش دعوة بيكِ ولا بزوجك، إحنا لينا حق وبناخده. لو عايزين تلموا حاجتكم براحتكم قدامكم ساعة، إحنا مش هنرمي حاجتكم في الشارع، بس لازم الشقة تتسلم النهارده.
— إحنا ماشيين يا أستاذ، حقكم وبتاخدوه — قلتها وأنا بسحب شنطتي من إيد كريم بعنف.
كريم كان واقف زي التائه، بيبص لأمه ويبصلي، دموعه كانت مغرقة وشة، ولأول مرة أشوفه ضعيف وقليل الحيلة بالشكل ده. الموبايل اللي كان دايماً في إيده ومش بيفارقه، كان مرمي على السفرة جنب العقد الأصفر، كأنه ملوش أي قيمة دلوقتي.
نزلت السلم وجرجر الشنطة الكبيرة ورايا، واللابتوب على كتفي. الشارع كان هادي، والجو كان حر شوية زي ما كريم قال بالظبط وهو بيشرب الزبادي من العلبة الصبح… سبحان الله، من كام ساعة بس كنت بترتب لـ ٢٠٠ ساعة شغل على سفرة المطبخ، ودلوقتي أنا في الشارع بشنطة هدومي.
طلعت الموبايل بتاعي وفتحت أبلكيشن البنك. بصيت على رصيدي: 480 جنيه. الرقم اللي كان بيمثلي حلم المصيف والراحة، بقى هو القشة اللي هتعلق بيها. قعدت على رصيف الشارع وأنا حاطة الشنطة جمبي، وبدأت أدور على بنسيون رخيص أو أوضة إيجار مؤقتة في وسط البلد تكون قريبة ومناسبة لميزانيتي المعدومة دي.
بعد نص ساعة، لقيت بنسيون صغير وصاحبته ست طيبة في وسط البلد، كلمتها وحجزت أوضة ليومين بسعر على قد إيدي. وقفت تاكسي وركبت وأنا حاسة بوزن تقيل انزاح من على صدري، بس في نفس الوقت حاسة بخوف مرعب من اللي جاي.
وصلت البنسيون، الأوضة كانت ضيقة وفيها سرير ودولاب قديم وترابيزة صغيرة. حطيت حاجتي، وقعدت على السرير. فتحت اللابتوب بتاعي ووصلته بالنت من الموبايل، وبدأت أشتغل. الشغل هو الحاجة الوحيدة اللي بتفصلني عن الواقع. بدأت أراجع حسابات شركة المقاولات اللي معايا، وأرقام ورا أرقام، لحد ما تعبت وعينيا بدأت تقفل.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت رنات موبايلي اللي مابتفصلش. كريم.
كنت هقفل السكة، بس قلت لازم أسمع الستار الأخير للقصة دي.
— أيوة يا كريم.
صوته كان تعبان جداً وكأنه مانامش من سنة:
— نهى… أرجوكِ اسمعيني. أهلي سافروا البلد الصبح. الشقة اتسلمت وأنا سبت حاجتنا كلها في مخزن تبع واحد صاحبي، وأنا دلوقتي قاعد في لوكاندة تعبانة. أنا ضعت يا نهى، شقا عمري راح، وأمي مش هعرف أخد منها جنيه واحد، وأبويا طلقها الصبح في المحطة قبل ما يركبوا القطر!
تنحت ومسكت دماغي:
— عم حسين طلقها؟
— أيوة… قالها مش هعيش مع واحدة سرقت ابنها وعيشتنا في الحرام. نهى… أنا ماليش ذنب في اللي أمي عملته، أنا كنت ضحية زيي زيك. أرجوكِ قولي لي إنتِ فين وخلينا نأجر أي شقة قانون جديد ونبدأ من الأول، أنا من غيرك مش هعرف أقف على رجلي.
أخدت نفس طويل، وبصيت لشاش اللابتوب ولأرقام الحسابات اللي قدامي، وقلت له بهدوء شديد:
— كريم… إنت مش ضحية. إنت كنت شريك بسلبيتك وبقرفك وبتنازلاتك عني وعن حقوقي. إنت بعتني لأهلك ببلّاش، ودلوقتي لما الدنيا فضيت عليك جاى تدور عليا؟ أنا مش هبدأ معاك من الأول يا كريم، لأن الأول بتاعك ده كان مبني على غلط.
— يعني إيه يا نهى؟ هتتخلي عني في وقت زي ده؟ — قالها بصوت بيترعش.
— يعني كل واحد يشوف طريقه يا كريم. ورقة طلاقي تجيلي، والـ 200 ألف بتوعك روح ارفع بيهم قضية على أمك لو عندك شجاعة، إنما أنا… أنا خلاص برة اللعبة دي.
قفلت السكة في وشه، وعملت له بلوك. حطيت الموبايل على الترابيزة وبصيت للسقف وأنا بتنفس بعمق. حاسة بخوف؟ أيوة. حاسة بمسؤولية مرعبة؟ طبعاً. بس حاسة بحرية لأول مرة من سبع سنين.
قفلت اللابتوب وقمت غسلت وشي، وقلت لنفسي: “ياللا يا نهى… الشغل مستني، والـ 480 جنيه دول لازم يبقوا 480 ألف.”
نزلت من البنسيون عشان أشتري فطور وأشوف مكتب عقارات صغير في المنطقة، وأنا ماشية في الشارع، لمح الشاب صاحب الشقة، اللي كان اسمه شريف، واقـف قدام عمارة قريبة وبيكلم حد في الموبايل. أول ما شافني، قفل السكة وقرب مني وعلامات الدهشة على وشه:
— مدام نهى؟ إنتِ قاعدة هنا؟
بصيت له باستغراب وقلت:
— أيوة يا أستاذ شريف، خير في حاجة تانية تخص الشقة؟
شريف سكت شوية، وبعدين طلع من جيبه الظرف الأصفر القديم إياه، وبصلي بنظرة غامضة وقال:
— الشقة خلاص موضوعها انتهى… بس في حاجة تانية جوه الظرف ده تخصك إنتِ بالذات، وأنا مكنتش ينفع أقولها قدام جوزك وأهله امبارح….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *