قـرض وخـراب بيـت ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

— “إنتي اتجننتي؟ تجيبي البوليس لأم جوزك؟!”
صوت “ميرفت” كان عالي لدرجة إن حيطان الشقة اللي في القاهرة كانت بتترج. رمت ورقة مطبوعة من شركة قروض صغيرة على ترابيزة المطبخ وكملت زعيق:
— “أنا مسرقتش حاجة، أنا استلفتهم! إنتي سجلك في البنك نضيف، والتلاجة والغسالة بتوعي باظوا وكنت محتاجة أجدد أجهزتي! إحنا أهل يا إيمان، مش أغراب!”
من يجي ساعة بالظبط بعد الضهر، المية كانت بتطرطش في البانيو الصغير، و”آدم” بيمد إيديه الصغيرة لتمساح بلاستيك وإيمان بتغسله شعره براحة. لما الباب خبط، معبرتش في الأول، بس لما الخبط زاد وبقى ورا بعضه، ندهت: “افتحي!”. ظهرت “ميرفت” حماتها على الباب، وعاملة فيها غلبانة:
— “إيمو حبيبتي، ممكن موبايلك؟ فوني فصل شحن ومحتاجة أكلم منى في إسكندرية ضروري، السوبر جيت بتاعها اتأخر”.
إيمان وهي بتمسح عرقها بإيدها المبلولة، شاورت على الغسالة اللي جنبها: “خديه يا طنط، مفيش عليه باسورد”. ميرفت خطفته في ثانية واختفت.
مكلمتش إسكندرية ولا حاجة. إيديها الخفيفة اللي متعودة على اللعب، فتحت أبلكيشن البنك. كام كليك، وتأكيد بالرسايل، وقرض السلفة نزل في الحساب. كله من حساب إيمان، برسايلها، وبثقتها فيها.
بالليل، لما موبايل إيمان زمر برسالة، الدم هرب من عروقها. شركة قروض متعرفهاش: إيداع ٤٠ ألف جنيه في حسابها، بفايدة خيالية. وفي ساعتها، تحويل تلقائي لمعرض أجهزة كهربائية. ليه؟ عشان غسالة أوتوماتيك وتلاجة أحدث موديل، حماتها كانت هتموت وتجيبهم عشان تتباهى بيهم قدام جيرانها وسلايفها.
“مصطفى” كان واقف في الطرقة، باصص في الأرض وبيلعب في مفاتيحه. إيمان حست إن في حاجة جواها انكسرت.
— “مصطفى، والدتك خدت قرض باسمي، من غير علمي، ومن موبايلي! دي مصيبة، دي سرقة!” صوتها كان بيترعش.
— “ماتكبريش الموضوع،” تمتم وهو بيهرب من عينيها. “أمي كانت متضايقة إن حاجتها قدمت. التلاجة كانت بتسرب مية وموتور الغسالة بيودع. وبعدين كنا هنسدده. إيه لزوم الفضايح دي؟”
“ميرفت” كانت قاعدة في المطبخ، بتشفط الشاي بمزاج من فنجانها المدهب. عارفة إن ابنها في صفها، وإن مرات ابنها اللي واخدة إجازة وضع، معتمدة عليهم في المصاريف. يعني ملهاش مفر. بس الليلة دي، إيمان فهمت إنها، بالعكس، في إيديها القرار.
لما البيت كله نام، قعدت قدام اللاب توب، ودخلت على موقع مباحث الإنترنت وعملت بلاغ رسمي. رفعت سكرين شوتس، كشوف حساب، رسايل التحويل: كل حاجة.
تاني يوم الصبح، مصطفى نزل شغله وهو متجاهلها تماماً. على الضهر كده، جرس الباب رن. فتحت لقت أمين شرطة وظابط مباحث من القسم. ووراهم “ميرفت” واقفة مصدومة ومش مصدقة.
— “إنتو اتجننتو؟! نصب إيه وتخاريف إيه؟!” زعقت وهي واقفة على السلم. “أنا عملت كده عشان بيتي ومن خير ابني! يا مصطفى، قولهم إنت!”
مصطفى جه يجري من شغله، وشه مخطوف وتايه. بيحاول يبرر للظابط: “يا باشا ده سوء تفاهم عائلي”. بس إيمان مكنتش سامعاه أصلاً.
— “يا والدتك ترجع الأجهزة للمعرض وتسدد الـ ٤٠ ألف جنيه بالفوايد بتاعتهم، يا المحضر ده هياخد مجراه،” قالتها بصوت تلج.
وهنا بقى الأقنعة كلها وقعت. ميرفت معهاش فلوس تسدد، والمعرض مستحيل يرجع الأجهزة لأن الكراتين اتفتحت واتركبت. والمصيبة الأكبر ظهرت: ميرفت عليها ديون لقروض تانية، تلات قروض، واخداهم من سنة، وباسم ابنها برضه. مصطفى نفسه اللي سابها تغرق في الديون، عشان يداري على فشله واستهتاره.
— “كنت عارف؟” إيمان بصتله كأنها أول مرة تشوفه. “إنت اللي وزيتها تاخد موبايلي عشان تجيب الأجهزة دي؟”
— “لأ!” صرخ فيها. “مطلبتش منها كده! دي فكرتها هي! مكنتش عايزك تعرفي. قالتلي عشان حسابك شغال ومفيش عليه قروض، هيوافقوا في ثانية. وكنا هنسدده! أنا طالع عيني في الشغل…”
إيمان ضحكت بسخرية. شغل؟ افتكرت “السهر” اللي مبيخلصش على القهوة مع صحابه، اللي دايماً بيرجع منه ريحته معسل ودخان رخيص أكتر من ريحة العرق والتعب.
سكتت. الهوا في الشقة بقى تقيل ومخنوق. الكلام مبقاش ليه لازمة. وفي وسط اللحظة اللزجة دي بين الكدب والحقيقة، الباب خبط تاني.
يتبع متوفرة على روايات و اقتباسات
### **الفصل الثاني: سقوط الأقنعة**
الباب خبط تاني. الخبطة دي مكنتش عادية، كانت أهدى من خبط البوليس، بس فيها إصرار غريب. الصمت اللي كان مالي الشقة اتكسر، وكل العيون اتعلقت بالباب الخشب اللي بيفصل بينهم وبين الفضيحة اللي بقت على كل لسان في العمارة.
“مصطفى” بلع ريقه بصعوبة، وقطرات العرق الباردة كانت بتنزل على جبهته رغم إن مروحة السقف كانت شغالة بأقصى سرعة. بص لإيمان بنظرة فيها توسل ورعب، كأنه بيترجاها تنهي الكابوس ده. بس إيمان كانت واقفة زي جبل التلج، عينيها مبترمشش، وشايلة “آدم” اللي بدأ يعيط من دوشة الأصوات الغريبة.
— “افتح يا مصطفى،” قالتها إيمان بصوت واطي بس حاسم، كأنه أمر عسكري.
مصطفى مد إيده المرتعشة وفتح الباب. على العتبة كان واقف “محمود”، أخو إيمان الكبير. ملامحه كانت متشنجة، وعينيه بتطق شرار. إيمان كانت بعتتله رسالة صوتية من نص ساعة، وهي قافلة على نفسها باب الأوضة، حكتله فيها كل حاجة باختصار وطلبت منه يجي فوراً. متوفرة على روايات و اقتباسات
محمود دخل الشقة بخطوات واسعة، عينيه مسحت المكان في ثانية: أخته اللي شايلة ابنها ووشها شاحب، مصطفى اللي واقف مكسور وموطي راسه، “ميرفت” اللي قاعدة على كرسي السفرة وحاطة إيديها على خدها، والظابط وأمين الشرطة اللي واقفين في النص.
#### **المواجهة الحاسمة**
— “إيه اللي بيحصل هنا؟” محمود سأل بصوت جهوري هز أركان الصالة، وراح وقف جنب أخته كأنه درع بيحميها.
الظابط، اللي كان واضح إن صبره بدأ ينفد من الدراما العائلية دي، اتنهد وقال:
— “يا أستاذ، إحنا هنا عشان بلاغ رسمي متقدم من المدام إيمان، بتهمة النصب والاحتيال وانتحال صفة لاستخراج قرض مالي. والدة جوزها خدت موبايلها، وعملت قرض بـ ٤٠ ألف جنيه من غير علمها عشان تشتري أجهزة كهربائية. والقانون في الحالات دي واضح، دي جناية تزوير إلكتروني واستيلاء على أموال.”
محمود لفلّ مصطفى، ومسكه من ياقة قميصه بقوة خلت زراير القميص تطير على الأرض.
— “إنت يا أخي معندكش ريحة الدم؟! سايب أمك تسرق مراتك عشان تجيب غسالة وتلاجة تتباهى بيهم قدام جيرانها؟ إنت إيه، مش راجل تلم بيتك وتصرف عليه؟!”
— “نزل إيدك يا محمود، إنت مش فاهم حاجة!” صرخ مصطفى وهو بيحاول يفلت من قبضة محمود. “دي أمي، مكنتش هسجنها يعني! وبعدين أنا قلت لإيمان إني هسدد الفلوس، إحنا عيلة واحدة، ليه الفضايح دي؟”
ميرفت قامت من مكانها، وبدأت تلطم على وشها في حركة درامية مسرحية متعودة عليها:
— “يا دي الفضيحة اللي بجلاجل! بقى أنا، ميرفت هانم، يتجابلي البوليس في بيتي عشان شوية أجهزة؟ ما كل السلايف بيجيبوا وبيجددوا، أنا عملت إيه يعني؟ استلفت من مرات ابني، هي فلوسها دي مش من شقاه وتعب ابني؟”
إيمان قاطعتها بضحكة مريرة، ضحكة طالعة من قاع الوجع:
— “شقى وتعب ابنك؟ شقى وتعب ابنك اللي مبيكملش نص الشهر وبناخد من مرتبي عشان نأكل آدم؟ فلوسي اللي أنا حوشتها قرش على قرش عشان مستقبل ابني، تروحي تسرقيها في ثانية عشان تتباهي قدام طنط عفاف وطنط سناء؟”
#### **قرار لا رجعة فيه**
الظابط قاطع المشهد بحسم:
— “يا جماعة، إحنا مش في جلسة صلح عرفية. مدام إيمان، حضرتك مصممة على المحضر؟ لو مصممة، الحاجة ميرفت هتشرفنا في القسم دلوقتي عشان نعرضها على النيابة الصبح.”
الكلمة نزلت زي الصاعقة على راس مصطفى وميرفت. ميرفت صرخت ووقعت على الكرسي كأنها هيغمى عليها:
— “قسم؟! قسم إيه يا بيه؟ أنا ست كبيرة، عندي سكر وضغط! يا مصطفى، اتصرف يا ابني، هيبهدلوني!”
مصطفى جرى على إيمان، نزل على ركبه قدامها، ودموع التماسيح بدأت تنزل من عينيه:
— “أبوس إيدك يا إيمان، بلاش أمي. هبيع العربية.. هبيع أي حاجة وأسدد القرض. بس بلاش السجن، دي مهما كان أمي، وجدة ابنك.”
إيمان بصتله من فوق، نظرة خالية من أي مشاعر. قلبها اللي كان بيدق بحبه زمان، اتحول لحجر في اللحظة دي. افتكرت كل مرة كدب عليها فيها، كل مرة دارى على أخطاء أمه اللي كانت بتتدخل في كل تفصيلة في حياتهم، كل مرة سابها لوحدها تشيل مسؤولية البيت وهو عايش حياته بالطول والعرض. متوفرة على روايات و اقتباسات
— “لو كنت خايف على أمك، كنت منعتها.” قالتها إيمان بهدوء قاتل. “لو كنت خايف على بيتك، مكنتش خليتها تمد إيدها على تليفوني وتستغفلني. العربية اللي عايز تبيعها دي، عليها أقساط إنت لسه مدفعتهاش وأمك واخده قروض تانية عشان تسددهالك. إنتو الاتنين غرقانين في الكدب والديون.”
إيمان رفعت راسها وبصت للظابط:
— “يا فندم، أنا مش هتنازل عن حقي. بس أنا مش عايزة أوسخ إيدي بيهم أكتر من كده. أنا هعمل معاهم اتفاق قدامك.”
الكل سكت، ومحمود بصلها باستغراب. كملت إيمان:
— “مصطفى هيكتبلي دلوقتي حالا إيصال أمانة بـ ٥٠ ألف جنيه، قيمة القرض بالفوايد، وإيصال تاني بقايمة منقولاتي وحقوقي كلها. في مقابل إني أتنازل عن الشق الجنائي بتاع السرقة عشان خاطر آدم ميكبرش يلاقي جدته صاحبة سوابق. بس لو متدفعش القرض للبنك أول الشهر، الإيصال هيتقدم للنيابة فورا.”
مصطفى مكنش قدامه حل تاني. جاب ورقة وقلم وإيده بتترعش، وكتب الإيصالات تحت إشراف الظابط ومحمود. ميرفت كانت بتبكي بصمت، بعد ما كبرياؤها المفرط اتكسر واتمسح بيه الأرض.
#### **نهاية البداية**
الظابط والأمين مشيوا بعد ما اتأكدوا إن الموقف هدي نسبيا، وإن إيمان اتنازلت عن بلاغ السرقة الإلكترونية رسميا في مقابل التسوية دي. بمجرد ما الباب اتقفل وراهم، إيمان دخلت أوضتها من غير ولا كلمة.
فتحت دولابها، وطلعت شنطتين سفر كبار. بدأت ترمي فيهم هدومها وهدوم آدم بعشوائية وسرعة. محمود كان واقف على باب الأوضة بيراقبها بصمت، عارف إن أخته بتاخد أصعب قرار في حياتها، بس هو أصح قرار.
مصطفى دخل الأوضة وراها، صوته كان مهزوز:
— “إنتي بتعملي إيه؟ رايحة فين؟ إحنا حلينا المشكلة خلاص وكتبتلك الإيصالات! هتهدي البيت عشان غلطة؟”
إيمان قفلت الشنطة الأولى وسحبت السوستة بقوة، لفتله وقالت:
— “إحنا محليناش حاجة يا مصطفى. إنت بس اشتريت حرية أمك بفلوس مش معاك. البيت ده اتهد من زمان، من يوم ما سمحتلها تلغي وجودي ومن يوم ما بقيت بتشوفني مجرد بنك بتسحب منه عشان تعيش في دور الباشا. أنا ماشية.”
— “مش هتاخدي ابني!” زعق مصطفى فجأة، وحاول يشد آدم من على السرير.
في لمح البصر، كان محمود دافعه لورا بقوة خبطته في الحيطة:
— “إياك تمد إيدك! أختي وابنها هيخرجوا من هنا معززين مكرمين، وورقة طلاقها توصلها على بيت أبوها لحد عندها، وإلا والله العظيم الإيصالات دي لتكون في القسم بكرا الصبح وتلبس إنت وأمك في الحيط.”
مصطفى وقف مكانه، مش قادر ينطق. شاف إيمان وهي بتشيل آدم، وبتاخد الشنط، وبتعدي من جنبه كأنه شفاف، كأنه ملوش وجود.
خرجت للصالة، ميرفت كانت لسه قاعدة، عينيها في الأرض ومكسورة. إيمان مقالتلهاش ولا كلمة، ولا حتى نظرة عتاب. التجاهل التام كان أقسى عقاب ممكن تديه لست عاشت عمرها كله تتغذى على لفت الانتباه والسيطرة.
نزلوا السلم، وصوت عجل الشنط كان بيخبط على درجات السلم الرخام كأنه بيعلن نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة. ركبت إيمان عربية أخوها، حطت آدم في الكرسي بتاعه ورا، وسندت راسها على الإزاز البارد.
الشارع كان زحمة ودوشة القاهرة محاوطاهم من كل حتة، بس جوه عربية محمود، إيمان حست لأول مرة من سنين بهدوء غريب. هدوء الحرية، هدوء اللي عرفت قيمتها وقررت إنها مش هتدفع تمن فواتير غيرها تاني أبداً.

