ثـمن اللقمة ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

أنا مش هدفع مليم في عيشتك الدلع دي تاني
الليلة اللي جوزي قالي فيها إنه زهق من إنه “يصرف على منطقتي ودلعي”، كنت واقفة ماسكة سكينة المطبخ فوق كومة بقدونس مفروم، ومحتارة هل فخدة الضاني محتاجة رشة روزماري كمان ولا حماتي هتلاقي فيها عيب وتشتكي في كل الأحوال.
**كريم عبد الحي** كان واقف الناحية التانية من رخامة المطبخ “الآيلاند” في شقتنا اللي في **التجمع الخامس**. ساند بضهره على الدولاب، ومشمّر كمام قميصه زي الممثلين اللي بيطلعوا في إعلانات الكومباوندات عن “الزوج الناجح والمستقر”. ملامحه كانت هادية، لدرجة تحس إنه ممرن نفسه على الكلام قدام المراية، ودي أول حاجة خلت بطني تقلب.. مش الكلام نفسه، لأ، الترتيب والبرود اللي ورا الكلام.
قال لي وهو بكل ثقة:
> “من أول المرتب ده، كل واحد فينا فلوسه لوحده. تماماً. أنا خلاص مش هصرف على عيشتك ودلعك يا عبير.”
>
في ثانية، صوت تلاجة المطبخ بقى عالي ومسموع أكتر من صوته. المطر كان بيخبط برا على الشيش والخشب براحة، وحلة الصلصة على البوتجاز كانت مخلية ريحة البيت كله توم وزبدة وريحان. فاكرة تفاصيل تافهة جداً من اللحظة دي: زرار القميص الدهبي اللي نسي يفكه، نقطة الصلصة الصغيرة اللي جت على كم قميصه، ولمعة دبلته وهو مربع إيديه. كان شكله فخور بنفسه أوي.. وده الجزء اللي مكنتش قادرة أسامحه عليه بعدين، حتى لما سامحت في حاجات تانية. هو مش بس كان غلطان، هو كان فرحان بغلطه ومبسوط.
مارمتش السكينة، وما عيطتش، ولا فكرته إن فخدة الضاني اللي على الرخامة دي تمنها أكتر من الجزمة الـ *Brand* اللي جابها لنفسه الأسبوع اللي فات بفيزا البيت. كل اللي عملته إني كملت فرم البقدونس لغاية ما بقى ناعم جداً. سبت السكينة، ومسحت إيدي في الفوطة، وبصيت له وابتسمت:
“تمام، ده عين العقل.”
كريم بربش بعينه وتنّح: “عين العقل؟”
“آه طبعاً.. الفلوس المنفصلة دي حاجة مودرن، نضيفة، وفير جداً. هنبدأ من بكره الصبح.”
بوقه اتحرك كذا مرة قبل ما يطلع منه صوت. هو كان متوقع خناقة، زعيق، ولم تلم.. أنا عارفة ده لأن أمه هي اللي مربياه ومفهماه إن الستات لما تزنقهم بيعيطوا، ويصوتوا، ويتهموا، وفي الآخر يستسلموا. هو كان داخل المطبخ ومستعد يثبت قدام دراميت الستات، لكن لقى موافقة هادية جداً ونازلة عليه زي المية الباردة. ولأول مرة الليلة دي، ثقته في نفسه اتهزت.
“عبير، بلاش طريقة التريقة دي.”
“مش بتريق والله.”
“أنا بتكلم جد على فكرة.”
“وأنا كمان بتكلم جد جداً.” شيلت طبق البقدونس المفروم ورحت بيه ناحية البوتجاز. “انفصال تام. كل واحد يدفع تمن اللي بيستخدمه. كل واحد يشيل التزاماته. لا لخبطة ولا فرض حسن نية.”
بص لي كأني فجأة اتكلمت صيني: “بس مش ده اللي كنت أقـ…”
“ده بالظبط اللي أنت قلته.” وطيت النار تحت المحشي والصلصة عشان متتحرقش. “وأنا شايفاك صح. الوضوح مطلوب برضه بقالنا كتير.”
فك حواجبه وضغط على سنانه وسكت. دي كانت عادة كريم لما الكلام يخرج بره السيناريو اللي هو كاتبه في دماغه. يسكت تماماً، يستنى اللي قدامه يحس بالذنب أو التوتر، وبعدين ياخد تراجع الشخص ده على إنه انتصار ليه. الحركة دي كانت بتأكل عيش مع أخوه الصغير، وبتنفع مع أمه لأن أمه هي اللي مخترعاها أصلاً.. وكانت بتنفع معايا زمان، لما كنت لسه فاكرة إن الطبطبة واستحمال القرف هما دول الحب.
كريم عبد الحي كان من العائلات اللي اسمها رنان في **مصر الجديدة**، من الأسامي اللي تحس إنها غنية أكتر من رصيدهم الفعلي في البنك. جده كان مقاول بنا عمارات في أواخر التمانينات، وأبوه حط اسم العيلة على يافطة تبرعات مستشفى كبيرة وكان عضو في نادي هليوبوليس، وكريم ورث “برستيج” ووجاهة العيلة من غير الشقا والالتزام اللي بنى الاسم ده. كان شغال مهندس ديكور كبير في شركة تطوير عقاري في التجمع، وبياخد مرتب كبير.. المرتب اللي يعيّش عازب ملك، ويعيّش راجل مسؤول كريم جداً مع بيته. بس كريم كان من نوعية الرجالة اللي شايف نفسه “سي السيد المنفق” عشان دفع تمن العزومة في أول كام ديت لينا من 7 سنين، ونسي يحدّث البيانات من ساعتها. متوفرة على روايات و اقتباسات
بس أنا مكنتش قليلة ولا قليلة الحيلة.. أنا كنت رئيسة قطاع العمليات واللوجستيات (COO) في شركة تكنولوجيا نقل وشحن دولي، بننقل قطع غيار وعربيات وأجهزة طبية في مصر والشرق الأوسط. بدأت من الصفر وأنا عندي 23 سنة كـ *Dispatcher* (متابعة خطوط)، وعملت الماجستير (MBA) بالليل وأنا بطحن في الشغل، ودخلت شريكة بأسهم في الشركة قبل ما نتوسع في 5 دول. **أنا كنت بكسر رقم في المرتب أعلى من كريم.. بكتير كمان.**
مكنتش بتباهى بده ولا بطلّعه في الكلام، لأني اتربيت في بيت بسيط في **شبرا**، أبويا كان دايماً بيقول إن كرامة البني آدم في إنه يشيل شيلته ومسؤوليته من غير شوشرة. كريم كان عارف دخلي كام بالظبط، شاف الإقرارات الضريبية، وحسابات البنك، وأرباح الأسهم السنوية. بس كان بيتعامل مع المعلومة دي زي ما بيتعامل مع جهاز إنذار الحريق لما حجارته تخلص ويزمر: حاجة رخمة، بيكبر دماغه منها، ومبيفكرش فيها إلا لو الصوت بقا عالي ومستحيل يتطنش.
الغريب إني زمان كنت بحب جداً أطبخ لعيلته. في أول سنتين جواز، عزومة يوم السبت دي كانت بالنسبة لي طاقة قدر اتفتحت لي، لأني عشت طفولة وحيدة شوية بين وجبات ميكروويف سريعة وأهل شغالين ورديات ليل ونهار عشان نعيش. كنت بعملهم ريش ضاني متبلة بالبهارات، وفراخ مشوية بالليمون والزعتر، وجمبري بالخلطة لما حماتي تلمح إن “ستات إسكندرية بيعرفوا يأكلوا وبيدلعوا ضيوفهم”، وصواني بسبوسة وكنافة عشان بنات أخته بيحبوها.. كنت بعمل صواني وأكل يكفي مائدة رحمن مش عزومة عائلية…
*متوفرة على روايات و اقتباسات*
## الفصل الثاني: قائمة الأسعار وكشف الحساب
… كنت بعمل صواني وأكل يكفي مائدة رحمن مش عزومة عائلية، لدرجة إن السفرة كانت بتشتكي من كتر الصحاف والبيركس. كنت فاكرة إن اللمة دي هي “البيت” اللي اتحرمت منه، لحد الليلة دي بالذات. ليلتها فهمت إن الأكل الكتير اللي كنت بعمله بحب، كانوا هما بيبلعوه بنبرة استعلاء، وكأنهم بيتفضلوا عليا بوجودهم.
صحيت تاني يوم الصبح الساعة سبعة، قبل ما منبه كريم يرن. نزلت المطبخ والبيت هس هس، الهوا لسه ساقع وفيه ريحة مطر من قفلة الشتا. وقفت قدام التلاجة الكبيرة الـ *Double Door* اللي أنا دفعاها كاش من مكافأة الأرباح السنوية بتاعتي، وبصيت لجواها. التلاجة كانت مليانة خير: أطباق الفاكهة المغسولة، علب الجبنة المستوردة، عصاير، ولحوم فريش جايباها من جزار مخصوص في المعادي.
فتحت درج المكتب وجبت البكرة اللي كنت شرياها من العتبة عشان شغل قديم: بكرة ورق لزق أبيض عريض، وقلم فلوماستر أسود خطه تخين مبيتمسحش.
مسكت علبة اللبن المراعي، ولزقت عليها ورقة وكتبت: **”ملك عبير – تمن الشراء ٤٥ جنيه”**.
مسكت علبة الجبنة الفيلادلفيا: **”ملك عبير – ١٩٠ جنيه”**.
حتى كيس البن الاسبريسو اللي بيحب يشربه الصبح عشان “يظبط دماغه” قبل ما ينزل الشركة: **”ملك عبير – ٤٥٠ جنيه”**.
لفيت على التلاجة كلها، رف رف، درج درج. مسبتش تفصيلة. الفراخ البانيه، طبق البيض الأورجانيك، علبة الزبدة النيوزيلاندي، حتى قزايز المية المعدنية اللي بنملا منها كبسولات المكنة. كل حاجة بقا عليها تيكيت أبيض ناصع، مكتوب عليه بخط واضح وصريح: **بتاعت مين، وبكام**.
الساعة جت تمانية وربع، وسمعت خطوات كريم البطيئة وهي نازلة من على السلم الخشب. كان لابس بدلة كحلي شيك جداً، ومظبط الجرافتة، وريحة برفانه غرقانة في الممر. دخل المطبخ وهو بيعدل ساعة إيده، وبصلي بنظرة فيها شوية حذر، كأنه بيجرب النبض بعد كلام الليلة اللي فاتت.
“صباح الخير،” قالها وهو بيتحرك ناحية مكنة القهوة كالعادة.
“صباح النور يا باشمهندس،” رديت بنبرة هادية وفياضة بالنشاط، وأنا براجع إيميلات الشغل على التابلت بتاعي.
مد إيده يفتح التلاجة عشان يجيب اللبن، وأول ما الباب اتفتح، كريم ثبت في مكانه. ظهره اتشنج، وفضل واقف باصص لجوا التلاجة تمن ثواني كاملين من غير ما يتحرك. المشهد كان كوميدي؛ التلاجة من جوه بقت شبه مخزن بضاعة في جمرك بورسعيد، كل حاجة متسعرة وعليها لافتة.
مسك علبة اللبن بصباعين، كأنه ماسك حاجة غريبة، ولف وشها ناحيتي عشان أشوف اللزقة: “إيه ده يا عبير؟ ده هزار؟”
“هزار؟ لأ خالص،” رفعت عيني من التابلت وابتسمت له بصفاء. “مش أنت قولت امبارح إنك مش عاوز تصرف على عيشتي ودلعي، وإننا هنفصل الفلوس تماماً؟ أنا بس بنفذ طلبك عشان نبقى على نور. الحاجات دي كلها أنا اللي شرياها بفلوسي ومن كارت الفيزا بتاعي. بما إننا انفصلنا، فمصحش تستخدم حاجتي من غير ما تدفع تمنها، ولا إيه؟”
كريم وشه احمر، والعرق بدأ يبان عند منبت شعره: “عبير، بلاش شغل العيال ده. أنا بتكلم في أصول، بتكلم في مصاريف البيت الكبيرة، مش في علبة لبن وقزوزة مية!”
“لأ يا كيمو، الأصول مفيهاش حتة الكبيرة وحتة الصغيرة،” قفلت التابلت ووقفت، ساندة إيدي على الرخامة. “أنت قولت ‘انفصال كامل’. والكامل معناه إن كل مليم يدخل أو يخرج يتحسب. لو عاوز تشرب قهوة باللبن الصبح، اتفضل اشرب، بس علبة اللبن دي واقفة عليا بـ ٤٥ جنيه، تمن البق اللي هتاخده يعني حوالي ٥ جنيه. وبما إن البن ده بتاعي برضه، فالكوباية دي هتقف عليك بـ ٣٥ جنيه. تحب تحاسب كاش ولا تحولهم كليك باي؟”
كريم رزع علبة اللبن على الرخامة، الصوت عمل صدى في المطبخ الواسع: “أنا مش دافع زفت! وأنا نازل أشرب قهوتي في المكتب. بس خليكي فاكرة إن الحركة دي هتقلب عليكي، واليومين دول هيعدوا، وهتيجي تطلبي مني فلوس لحاجة تانية وساعتها هفكرك.”
“في انتظارك يا حبيبي، طريق السلامة،” قولت الكلمة وأنا بتابع خطوته السريعة وهو خارج من باب الفيلا وبيرزع الباب وراه لدرجة إن الشيش اتهز.
الخمس أيام اللي بعد كده كانوا عبارة عن حرب باردة، حرب صامتة مفيهاش كلام، بس فيها كمية لزق ورق مابتخلصش. كريم افتكر إنه لما يطنش ويقفل بوقه هبكي وأروح أبوس إيده عشان يرجع يصالحني. بس أنا كنت أخدت القرار.
كل يوم كنت برجع من الشركة، ألاقي كريم حاول “يعتمد على نفسه”. راح السوبر ماركت اللي جنبنا وجاب أكياس أكل جاهز، علبتين تونة، وكيس عيش فينوا. حط حاجته في رف واحد صغير في التلاجة، وملمسش أي حاجة عليها لزقة تانية. كان بياكل بالليل وهو قاعد قدام التلفزيون في الصالون، باصص للموبايل، ونبرة العناد واضحة في كل قطمة بياكلها.
أنا من ناحيتي، كنت بمارس حياتي الطبيعية جداً. أطبخ لنفسي أكل شيك، أعمل طبق مكرونة بالوايت صوص والمشروم، وأقعد آكل على السفرة براحتي. هو كان فاكر إن الموضوع آخره أسبوع وهيخلص، وناسي تماماً المصيبة الكبيرة اللي مستنياه في آخر الأسبوع: **عزومة يوم السبت.**
عزومة يوم السبت دي عند عيلة عبد الحي كانت زي صلاة الجمعة؛ طقس مقدس مبيتغيرش. حماتي، **الحاجة صفية**، بتكلم كريم يوم الخميس بالليل تمليه لستة الطلبات اللي نفسها تتاكل، وتيجي يوم السبت الساعة اتنين الظهر ومعاها أخته **منى** وجوزها وعيالها، وأخوه الصغير **هاني**. العيلة كلها بتيجي تقعد في التكييف، يتفرجوا على الماتشات، وياكلوا من خيرات ربنا اللي أنا بتعب فيها من الفجر، وفي الآخر يمشوا وهم بيقولوا لكريم: “تسلم إيدك يا أبو كمال، دايماً بيتك مفتوح وعامر.” وأبو كمال واقف بيمس كرشه ومبتسم، كأنه هو اللي دبح وسلخ وطبخ.
يوم الجمعة بالليل، كريم جه وقف في الصالة وأنا كنت بقرأ كتاب. تنحنح وقال بنبرة آمرة بس فيها حتة رجاء مستخبي: “عبير، بكره عيلتي جاية كالعادة. أمي كلمتني وقالتلي إنها حابة تأكل محشي ورق عنب وفراخ محمرة في الفرن، ومنى عيالها بيحبوا البشاميل. اعملي حسابك تشتري الحاجات الصبح بدري.”
حطيت الفاصل في الكتاب وقفلته براحة، وبصيت له: “أشتري؟ بفلوس مين؟”
“هو إيه اللي بفلوس مين؟! ما إحنا طول عمرنا بنعمل كده!” صوته بدأ يعلى.
“طول عمرنا ده كان زمان، قبل يوم الأحد اللي فات،” قولتله بابتسامة باردة. “أنت نسيت اتفاقنا ولا إيه يا كيمو؟ إحنا منفصلين مالياً. العزومة دي عزومة عيلتك أنت، يعني ضيوفك أنت. وأنا مش مسؤولة أصرف مليم واحد على أكل أهلك، ولا مسؤولة أقف في المطبخ سبع ساعات عشان أأكل ناس ابنهم شايف إنه ‘بيصرف على عيشتي ودلعي’.”
كريم تنّح، وشه جاب ألوان: “أنتِ بتقولي إيه؟ دي أمي! وأختي! عاوزاني أقولهم إيه لما يجوا؟ أقولهم مراتي قفلت التلاجة في وشنا؟”
“تقولهم اللي أنت عاوزه. تحب تنزل بكره الصبح تشتري اللحمة والفراخ والخضار من فلوسك الخاصة؟ اتفضل. تحب تطبخ لهم أنت؟ المطبخ قدامك. بس أي حاجة من خزين البيت بتاعي، مش هتتمد الإيد عليها إلا بتمنها. كشف الحساب واضح.”
كريم قعد على الكرسي، مذهول، مش قادر يستوعب إن “عبير الهادية” اللي كانت بتستحمل نقد أمه وتجريح أخته، واقفة النهاردة وحاطة سيف الشروط على رقبته. فضل يبصلي بغل، وبعدين قام وخرّج محفظته، طلع منها رزمة فلوس: “آهو.. آدي ألفين جنيه تمن الأكل والشرب. انزلي بكره هاتي الطلبات واطبخي.”
بصيت للفلوس وضحكت من قلبي: “ألفين جنيه؟ أنت عايش في سنة كام يا باشمهندس؟ الألفين جنيه دول ميكفوش تمن الفراخ والزبدة النيوزيلاندي والجبنة الموتزاريلا بتاعت البشاميل في زمنا ده! ده غير إني مش بشتغل عندك دليفري ولا شيف بالطلب. الفلوس دي تخليها في جيبك، وانزل أنت بكره اتصرف مع عيلتك.”
ساب الفلوس على التربيزة ودخل الأوضة ورزع الباب. كان فاكر إني هصعب عليا نفسي أو هخاف من زعل أمه وهنزل أتصرف من وراه. مكنش يعرف إن اللعبة دي أنا اللي هحط خاتمتها.
يوم السبت الصبح، صحيت الساعة عشرة. منزلتش المطبخ أعمل محشي ولا أعصج لحمة. عملت لنفسي فنجان قهوة وشربته في البلكونة في الشمس. كريم نزل الساعة حداشر، وشكله كان مبهدل، عينه حمرا ومنامش طول الليل. نزل ورجع بعد ساعة شايل كيسين سود من سوبر ماركت صغير في أول الشارع. دخل المطبخ ورزع الأكياس، ومطلعش منها غير كيسين مكرونة قلم، وعلبتين صلصة جاهزة، ونوع جبنة بيضا رخيص. مكنش عارف يتصرف، ولا عارف يطبخ، والوقت كان بيسرقه.
الساعة بقت اتنين الظهر. جرس الباب رن.
دخلت الحاجة صفية، لابسة عبايتها السودا الشيك والدهب بيلعلع في إيديها، ووراها منى أخته وعيالها التلاتة اللي داخلين يجروا ويزيطوا في الصالة، وهاني أخوه الصغير اللي رما مفاتيحه على الترابيزة وقعد على الكنبة وفتح التلفزيون علطول.
“أمال فين ريحة المحشي يا كريم؟” دي كانت أول كلمة قالتها الحاجة صفية وهي بتقلع الطرحة وبتبص ناحية المطبخ باستغراب. “أنا قايلالك من يوم الخميس نفسي في ورق عنب من إيد عبير.”
كريم كان واقف وراهم، وشه عرقان، وبيحاول يبتسم بلزوجة: “أهلاً يا أمي، منورة.. معلش أصل.. أصل عبير تعبانة شوية النهاردة ومقدرتش تقف في المطبخ.”
في اللحظة دي، نزلت أنا من على السلم. كنت لابس فستان كاجوال شيك جداً، وحاطة ميك أب خفيف، ورايقة ع الآخر.
“سلامتك يا حبيبتي،” قالتها منى أخته بنبرة فيها لقم ومستنية تشمت. “تعبانة من إيه كفي الله الشر؟ ده أنتِ صحتك زي البمب أهو وطالعة زي القمر.”
“الله يسلمك يا منى يا حبيبتي، أنا زي الفل ومفيش فيا الهوا،” قعدت على الكرسي المفرد وحطيت رجل على رجل. “كريم بس فهمكم غلط. أنا مش تعبانة، أنا بس ملتزمة بالاتفاق الجديد اللي بيني وبين ابنكم.”
الحاجة صفية حواجبها اترفت: “اتفاق إيه يا ضنايا؟ هو الجواز فيه اتفاقات برضه؟”
بصيت لكريم اللي كان واقف ورا أمه وشه بقى شبه ورقة الشجر الدبلانة، وعينيه بتتوسل ليا عشان مسودش وشه. بس أنا مكنتش شايفة غير نظرته ليا وهو ماسك السكينة وبيقولي “أنا مش هصرف على عيشتك الدلع دي تاني”.
“آه طبعاً يا حاجة صفية،” قولت بنبرة مسموعة ومريحة. “كريم قرر من يوم الأحد اللي فات إننا نفصل فلوسنا تماماً. قالي إنه مش مستعد يصرف على ‘عيتشي ودلعي’ تاني. وبما إن البيت ده والشغل ده كله قايم على نظام ‘كل واحد يشيل شيلته’، فالعزومة دي بالكامل على حساب كريم الخاص. أكلكم، شربكم، ضيافتكم.. كله من جيبه هو، وأنا ماليش أي علاقة باللي هيتقدم النهاردة.”
الصالة فجأة بقت زي المقبرة. مفيش صوت غير صوت التلفزيون اللي شغال على ماتش قديم. الحاجة صفية لفت وشها وبصت لكريم بنظرة حادة زي الموس: “الكلام ده صحيح يا كريم؟ أنت قولت لمراتها كده؟ وفصلت فلوسك عنها؟”
كريم بقا بيبلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع مكتوم: “يا أمي.. الموضوع مش كده.. إحنا بس كنا بنتفق على تنظيم المصاريف..”
“تنظيم مصاريف إيه والناس جعانة والعيال جايين من مشوار؟” منى أخته اتكلمت بعصبية وهي حاسة إن مفيش محشي ولا بشاميل. “أمال إحنا هناكل إيه النهاردة يا كريم؟”
كريم اتحرك بسرعة ناحية المطبخ وهو بيقول: “الأكل جاهز جوه.. ثواني وهحطه على السفرة.”
دخل المطبخ، وأنا قمت وراهم براحة، والعيلة كلها قامت ورايا بدافع الفضول والجوع. وقفنا كلنا على باب المطبخ الألوميتال الكبير، وبصينا على السفرة الصغيرة اللي جوه.
كريم كان حاطط صنيتين. فيهم إيه بقى؟
مكرونة مسلوقة، حمرا بالصلصة الجاهزة، من غير لحمة مفرومة، من غير بشاميل، ومن غير ريحة سمنة بلدي حتى. وجنبها طبقين فيهم جبنة بيضا تلاجة، ورغيفين عيش بلدي ناشفين من بتوع الطابونة اللي جابهم من بره. متوفرة على روايات و اقتباسات…
المشهد كان يصعب على الكافر. مهندس الديكور الكبير، ابن عيلة عبد الحي اللي اسمها مالي مصر الجديدة، واقف بيقدم لأمه وأخته وجوز أخته في يوم السبت المقدس: **مكرونة بالصلصة وجبنة بيضا.**
الحاجة صفية بصت للسفرة، وبصت لكريم، ووشها اترعش من كتر الغضب والكسوف: “بقى ده الأكل اللي بتقدمه لأمك وأخواتك يا كريم؟ مكرونة عريانة وجبنة قريش؟ أنت بتعشّينا أكل مساجين في بيتك؟”
“يا أمي والله العظيم السوق كان غالي ومحقتش…” كريم كان صوته بيرتعش، والدموع كانت خلاص في عينه من كتر الإحراج قدام جوز أخته اللي كان واقف حاطط إيده في جيبه وكاتم الضحكة بالعافية.
في اللحظة دي، فتحت أنا التلاجة الكبيرة قدامهم كلهم. التلاجة كانت بتبرق باللون الأبيض، والرص رص ملوكي، بس كل حاجة عليها اللزقة البيضا الشهيرة.
طلعت علبة الفراخ المتبلة الجاهزة على الشوي، وعلبة محشي ورق عنب كنت لسه شرياها جاهزة من مكان نظيف ومسوراها لنفسي، وحطيتهم على الرخامة. حكايات مني السيد.
بصيت للحاجة صفية وقولتلها بتهذيب: “ينورني تشريفي ليكم يا حاجة، بس للأسف، الفراخ دي واقفة عليا بـ ٣٥٠ جنيه، وصابع ورق العنب ده متكلف. لو كريم يحب يشتري مني الحاجات دي دلوقتي كاش عشان يطبخهالكم، أنا معنديش مانع خالص. التجارة شطارة، ولا إيه يا كيمو؟”
كريم بصلي بنظرة مليانة انكسار وخزي، نظرية عمري ما هنسى شكلها. كان واقف في وسط مطبخه، قدام أمه وعيلته، ومش ملاحق على كمية الشتيمة والنظرات اللي بتنهش في كرامته. وفي اللحظة دي بالذات، عرفت إن “عيشتي الدلع” مكنتش بفلوسه، بس كرامته هي اللي طارت بسببه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *