حماتي أخدت علبة الأكل اللي كنت تعبانة فيها ومحضراها لجوزي ج 3 والاخير

أحمد كان قاعد جنبي في العربية زي الجثة، عينه مثبتة على الطريق بس مش شايف حاجة، دموعه كانت نشفت وسابت مكانها علامات ملوحة على وشه الشقيان. وصلنا مكتب الأستاذ مدحت المحامي على الساعة 10 الصبح. دخلنا والمكتب كان ريحته ورق قديم وقهوة، الأستاذ مدحت راجل عجوز في السن بس عينه فيها ذكاء السنين. أول ما شاف منظر أحمد وشحوبي، فهم إن في مصيبة.
قعدنا، وطلعت من شنطتي صورة الوصل اللي قدرت ألقطها بموبايلي لما حماتي رفعتها في الورشة، وحطيتها قدامه على المكتب. الأستاذ مدحت لبس نظارته، وبدأ يدقق في الصورة، يقلبها يمين وشمال، وأحمد باصص للأرض ومستني حكم الإعدام.
الأستاذ مدحت قلع النظارة وبص لأحمد وقال بهدوء:
يا أحمد يا ابني.. أنت أبوك الله يرحمه الحج صابر الميكانيكي، صح؟
أحمد هز رأسه من غير ما ينطق.
الأستاذ مدحت كمل: أبوك كان راجل أصول، وأنا كتبت له عقود كتير زمان. الصورة دي لوصل أمانة فعلاً، والإمضاء اللي تحت دي إمضاء الحج صابر، أنا حافظ خطه. بس في حاجة مش مظبوطة في شكل الورقة.
قلت بلهفة والنفس مقطوع:
حاجة إيه يا متر؟ طمن الله يخليك، إحنا على شفا حفرة وبيتنا هيتهد.
الأستاذ مدحت شاور بصابعه على خانة الاسم في الوصل وقال:
الوصل ده مكتوب فيه إن الحج صابر استلم مبلغ من المعلم غريب الدكش.. بتاع المذبح. والوصل على بياض، يعني الرقم ممكن يتكتب فيه مليون، اتنين مليون، براحتهم. بس بصوا كده على الحبر بتاع الإمضاء والحبر بتاع بقية الكلام. إمضاء الحج صابر باهتة وقديمة، حبر جاف ناشف بقاله سنين. لكن اسم المعلم غريب والبيانات؟ الحبر بتاعها أسود غامق وجديد، تلاقيه لميع كمان في الصورة. ده معناه إن الورقة دي كانت فعلاً ممضية من زمان، بس اتملت قريب جداً.. جايز إمبارح بالليل!
أحمد رفع رأسه وعينه لمعت بنبرة أمل مستخبية ورا الخوف:
يعني إيه يا متر؟ يعني الوصل ده مزور؟
المحامي رد: لا مش مزور بالمعنى القانوني، لأن الإمضاء حقيقية. لكن القضية هنا اسمها خيانة ائتمان على ورقة على بياض. أبوك الله يرحمه كان سايب الورقة دي أمانة عند حد، والحد ده خان الأمانة وسلمها لأمك وأخوك عشان يملوها. والسؤال هنا.. مين المعلم غريب؟ وأبوك كان سايب الورقة دي عنده ليه من سنين؟
أحمد ضرب جبهته بـ إيده وكأنه افتكر حاجة تاهت منه وسط الغم:
المعلم غريب! ده كان صاحب أبويا الروح بالروح من 10 سنين، وكانوا بيدخلوا شراكة في بهائم ومواشي من المذبح، وبيدخلوا مناقصات نقل. بس المعلم غريب مات من سنتين! مات وماتت معاه كل تجارته، وأولاده صفوا كل حاجة وسافروا المحلة!
الأستاذ مدحت ابتسم ابتسامة عريضة وقال:
بس! كده الخيط في إيدينا. المعلم غريب مات، يعني مستحيل يكون هو اللي هيقدم الوصل بكرة للنيابة، لأن المتوفى لا يقاضي. اللي هيقدم الوصل ده حد تاني، يا إما وكيل عنه، يا إما حد من عياله باع الورقة دي لأمك، يا إما.. وأنا أرجح ده.. أمك لقت الورقة دي وسط كراكيب قديمة في بيت أبوك، أو كانت شايلاها من زمان وأبوك نسيها، ودلوقتي راحت اتفقت مع كريم يملوها باسم المعلم غريب المتوفى عشان يخوفوكم بالاسم!
قمت وقفت من الفرحة وقلت:
يعني الوصل ده ملوش قيمة قانونية لو المعلم غريب ميت؟
المتر قال: لو قدموه باسم راجل ميت، القضية هتاخد انقضاء دعوى جنائية لوفاة المتهم أو لوفاة المدعي، بس لو كتبوا فيه تظهير أو وكالة قديمة، ممكن يعملوا لنا شوشرة وأحمد يدخل في سين وجيم. إحنا لازم نتحرك بسرعة ونسبقهم بخطوة. أحمد.. أنت هتروح معايا حالا نعمل محضر إثبات حالة في القسم بالواقعة دي، ونقدم بلاغ رسمي ضد كريم وفوزية بخيانة الائتمان وسرقة ورقة على بياض، ونرفق صورة الوصل دي ونقول إنها مأخوذة عافية وتحت التهديد.
خرجنا من مكتب المحامي، وحسيت إن الروح ردت في أحمد شوية. ركبنا العربية وطلعنا على القسم، وعملنا البلاغ والمحضر رسمي، والأستاذ مدحت أخد رقم المحضر وقال لنا:
دلوقتي الساعة بقت 2 الضهر. الساعة 8 بالليل دي هي الميعاد اللي أمك حددته. أنتوا هتروحوا لها البيت، بس مش عشان تدوا لها العربية والورق.. أنتوا هتروحوا عشان تحطوا النقط فوق الحروف وتنهوا الكابوس ده للأبد. وأنا هكون قريب منكم ومعايا رجال المباحث لو المعلم دكش أو غيره حاولوا يبلطجوا تاني.
رجعنا الشقة غيرنا هدومنا. أحمد لبس قميص وبنطلون نظاف، وقف قدام المراية يسرح شعره، وبص لي وقال:
عارفة يا هبة.. أنا الليلة دي هقابل أمي وأخويا وأنا مش خايف. اللي يبيع ابنه عشان الفلوس، ملوش حق يسمع كلمة حاضر تاني.
الساعة دقت 7 ونص بالليل. المطر كان رجع ينزل بغزارة برة، زي ما يكون بيغسل شوارع القاهرة من وساخة اللي حصل الصبح. ركبنا العربية الرمادي المشئومة دي، وطلعنا على بيت حماتي في Shubra. البيت القديم اللي أحمد قضي فيه طفولته وشبابه، البيت اللي كان بيدفع إيجاره وفواتيره لحد الشهر اللي فات.
وصلنا، ونزلنا من العربية وسط المطر. طلعنا السلم خطوة بخطوة، وصوت جزمتنا على السلم الخرسان كان ليه رنة قوية. أحمد وقف قدام الباب، وضرب الجرس مرتين بـ إيد ثابتة.
الباب انفتح، ومين اللي فتح؟ البيه كريم، كان لابس كوتشي جديد وتيشيرت ماركة، وأول ما شافنا ابتسم ابتسامة النصر وقال بـ لؤم:
أهلاً يا أسطى أحمد.. أهلاً يا ست هبة. جيتوا في ميعادكم مظبوط. الورق والمفاتيح معاكم ولا جايين تتوجعوا؟
أحمد زقه بـ إيده من غير ما ينطق، ودخل الصالة. الصالة كانت دافية، والحاجة فوزية قاعدة على الكنبة الكبيرة، وحاطة قدامها على الترابيزة الملف الأزرق، وجنبها كوباية شاي دافية، والمعلم دكش ما كانش موجود.. الظاهر خاف من حكاية كسر العضم بعد علقة الصبح.
حماتي بصت لنا من فوق لتحت وقالت بروقان مستفز:
نورتوا يا عيال. قعدتوا وفكرتوا وعرفتو إن الله حق؟ هاتي يا هبة الملف الأسود والمفاتيح عشان كريم يلحق ينزل يغير رخصة العربية بكرة الصبح، والأسطى عبده يستلم الورشة.
أحمد ما قعدش. فضل واقف بطوله في نص الصالة، وحط إيديه في جيبه وبص لأمه وقال بصوت هادي وقاتل:
أنا مش هجيب ورق، ومش هجيب مفاتيح يا أمي. وأنا جاي الليلة دي عشان أسمع منك جملة واحدة.. أنتِ بجد مستعدة تحبسي ابنك عشان خاطر كريم؟
حماتي ضحكت الضحكة البايخة إياها وقالت:
أنا مش هحبسك يا أحمد.. أنت اللي هتحبس نفسك بعنادك. العربية والورشة دول تمن حريتك وتراب أبوك اللي هيتبهدل في المحاكم. اخلص وامضي وخلصنا، بلاش لف ودوران.
كريم أتقدم خطوة وقال بثقة:
يلا يا أحمد اخلص.. المحامي بتاعنا مستني تليفون مني حالا عشان يتحرك بكرة الصبح بالوصل الأصلي.
هنا أحمد طلع من جيبه ورقة مطوية، وحطها على الترابيزة قدام أمه بكل هدوء. حماتي عقدت حواجبها وقالت:
إيه الورقة دي؟ التنازل؟
أحمد رد: لا يا أمي.. ده محضر رسمي في القسم اتعمل الساعة 1 الضهر بتهمة خيانة الائتمان وسرقة ورقة على بياض وابتزاز. والمحضر ده متقيد فيه اسمك واسم كريم، ومرفق معاه صورة الوصل اللي أنتِ ورتهولنا الصبح في الورشة.
كريم وشه اتقلب وفقد ثقته في ثانية وقال برعب:
محضر إيه وبتاع إيه؟! أنت بتخوفنا يا أحمد؟ الوصل ده حقيقي وإمضاء أبوك عليه!
أنا أتقدمت وقلت بـ نبرة انتصار:
الإمضاء حقيقية يا كريم يا حبيبي.. بس المعلم غريب الدكش صاحب الوصل مات من سنتين! وأنتوا ماليين البيانات إمبارح بالليل بحبر جديد، والمحامي بتاعنا أثبت الكلام ده في النيابة، وبكرة الصبح هيكون في لجنة من الطب الشرعي بتعاين الحبر والخطوط. وكمان أولاد المعلم غريب في المحلة تم الاتصال بيهم، وبكرة نازلين يعملوا بلاغ ضدكم بتهمة استخدام اسم أبوهم المتوفى في عملية تزوير وابتزاز!
الحاجة فوزية وقفت على رجليها فجأة، وكوباية الشاي اتقلبت على الترابيزة والملف الأزرق اتغرق. وشها بقى أبيض زي الورقة، وبصت لـ كريم اللي كان بيترعش وراها، وبعدين بصت لأحمد وقالت بصوت بيترعش من الصدمة:
أنت.. أنت تعمل في أمك كده يا أحمد؟ تشتكيني في القسم وتجيب لي البوليس لحد بيتي عشان خاطر البت دي وعشان حتة عربية؟
أحمد أتقدم خطوة، وبص في عينيها مباشرة، ولأول مرة شفت عينه تدمع بس مش دموع ضعف.. دي دموع راجل بيقطع آخر حبل بيربطه بطفولته:
أنتِ اللي عملتي كده في نفسك يا أمي. أنتِ اللي سرقتي أكلي وشقايا، وأنتِ اللي جبتي بلطجي يضربني في ورشتي، وأنتِ اللي طلعتي ورقة قديمة لأبويا الله يرحمه عشان تذليني بيها وتحبسيني. أنا طول عمر الشقيان الخدام، وكريم البيه المتدلع. كنت بعدي وأقول أمي وأخويا، بس لحد شرفي وكرامتي ولقمة عيش مراتي.. ولأ!
كريم زعق بصوت مسرسع:
يا أحمد إحنا إخوات! بلاش الفضايح دي، المحضر ده لازم يتنازل عنه حالا! أنا مش حمل أقسام وسجون!
أحمد بص لـ كريم بنظرة احتقار عمري ما شفتها قبل كده، وقال له:
أنت بالذات يا كريم مسمعش صوتك. من بكرة الصبح، أي مليم كنت بدفعه في البيت ده هيتقطع. الفواتير، الإيجار، مصاريفك، كوتشياتك الجديدة.. وريني بقى هتدفع تمنها منين يا حساس! انزل اشتغل شيل رمل، اكنس الشارع، اطفح الكوت زي ما أنا بطفحه طول النهار في الورشة عشان تعمل قرش. العربية والورشة بتوعي وبتوع مراتي، والأسطى عبده الخرفان ده أنا هفسخ العقد معاه بكرة وهنقل العدة لورشة جديدة في مكان تاني خالص، والزباين بتوع الشركات بيجوا عشان اسم أحمد وأمانة أحمد، مش عشان خاطر معارف أمي!
حماتي قعدت تاني على الكنبة، وهبطت كلها وكأنها كبرت 20 سنة في دقيقة واحدة. بصت لأحمد وقالت بنبرة انكسار حقيقية لأول مرة:
يعني هتهون عليك أمك يا أحمد؟ هتمشي وتسيبنا من غير مليم؟
أحمد مشي ناحية الباب، وفتح الباب على آخره، والمطر برة كان صوته قوي جداً. بص ورا وقال:
أنتِ اللي هونتيني الأول يا أمي. اللي بتعمليه فيا ده مش حق الأمومة.. ده طمع وغيرة من نجاحي وشقايا. المحضر ده مش هتنازل عنه غير لما الوصل الأصلي بتاع أبويا يتسلم في إيد المحامي بتاعي بكرة الصبح ومقطع قدام عيني. لو الورقة دي ما جاتش.. بكرة الصبح النيابة هتبعت تجيب كريم وتجيبك بتهمة التزوير والابتزاز.
بص لي وقال: يلا يا هبة.
خرجت وراه، وسبنا كريم قاعد على ركبه جمب أمه بيعيط ويقول لها: “اعملي حاجة يا أمي.. الوصل فين خليهم ياخدوه مش عاوزين سجن!” وحماتي قاعدة باصة للفراغ ومش بنطق بكلمة.. الشماتة والابتسامة الصفرا اختفوا تماماً، ومبقاش فاضل غير حقيقة إنهم خسروا كل حاجة بسبب طمعهم وبجاحتهم.
نزلنا السلم، وخرجنا في الشارع وسط المطر. أحمد وقف في نص الشارع، ورفع وشه للسما وساب المية تنزل على وشه وتغسل تراب الورشة ودموع القهر.
ركبنا العربية الرمادي، وأحمد دورها وبص لي، وابتسم لأول مرة من يومين.. ابتسامة صافية وحقيقية، طالعة من قلب راجل حر. مسك إيدي وقال:
شكراً يا هبة.. شكراً إنك وقفتي في ظهري وما خوفتيش. أنا من غيرك كنت اتكسرت وضعت.
قلتله وأنا بضغط على إيده بحنان:
أنا مراتك وعيلتك يا أحمد. وإحنا شقينا في العربية دي وفي حياتنا مع بعض، ومفيش حد في الدنيا يقدر ياخد لقمة مننا طول ما إحنا إيد واحدة.
سند رأسه على الكرسي وقال برياحة:
بكرة الصبح هنقل العدة لورشة جديدة في منطقة النزهة.. واحد صاحبي كان عارض عليا مكان هناك من زمان وأنا كنت برفض عشان أفضل جمب أمي. من بكرة بداية جديدة يا هبة.. بداية مفيهاش كريم، ومفيهاش استغلال، ومفيهاش علب أكل بتسرق.
العربية مشيت بينا في شوارع القاهرة الواسعة، والمطر كان بيمسح كل النقط السودا اللي فاتت، وإحنا راجعين بيتنا.. أحرار، وكرامتنا في السماء، ومفيش قوة في الدنيا تقدر تكسرنا تاني.
ت تمت بحمد الله.
شكراً لكل اللي تابع قصة هبة وأحمد، وصلى على النبي في التعليقات. رأيكم إيه في نهاية الحاجة فوزية وكريم؟ وهل أحمد عمل الصح؟ 🦋🦋🦋

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *