حماتــي كانــت بتعامــل ضرتــي كأنها ملكــة ج 1

وحطته في إيدي.
وقالت:
“الظرف ده كنت ناوية أديه لحد تاني… لكن بعد اللي حصل، غيرت رأيي.”
بصيت للظرف…وبعدين بصيتلها.
ولما فتحته…اتجمدت مكاني…لأن اللي جواه ماكانش فلوس.
ولا دهب…كان شيء لو عرفته سمر…مستحيل تسكت عليه أبدًا…وفي نفس اللحظة…اتفتح باب الأوضة ووو….
اتقفل الباب ورايا بسرعة، ولقيت سمر داخلة وعينيها بتلف في الأوضة زي الصقر، بتدور على أي حاجة غريبة. بصت لإيدي اللي كانت لسه مخبية الظرف ورا ضهري، وحسيت بنظراتها بتخترقني.
سمر دخلت بابتسامتها الصفرا اللي متعودة عليها وقالت: “ألف سلامة عليكي يا ماما.. شدة وتزول. إيه ده، هناء هنا من بدري؟ مش تقولوا لي عشان آجي أقعم معاكوا؟”
حماتي لفت وشها الناحية التانية بتعب، ومردتش عليها بنفس الحماس بتاع زمان. الحركة دي خلت سمر تبرق وعينيها تروح وتيجي بيني وبين حماتي. أنا في اللحظة دي كنت حاسة بضربات قلبي بتسمع في وداني، والظرف في إيدي كأنه جمرة نار. استأذنت بسرعة وقلت: “الحمد لله إنك اطمنتي عليها يا سمر، أنا هطير أنا بقى عشان أشوف الولاد زمانهم صحيوا للمدرسة، ومحمود برا مع الدكتور بيخلص بقية الحسابات.”
خرجت من الأوضة وأنا حاطة الظرف في الشنطة وقافلة عليه السوستة مية قفلة. ركبت التاكسي وروحي رايحة، مش قادرة أستنى لحد ما أوصل البيت. أول ما دخلت شقتي، قفلت الباب بالمفتاح، ودخلت أوضتي وطلعت الظرف. إيديا كانت بترتعش وأنا بفتحه.
لما طلعت اللي جواه، جالي ذهول.. مكنش فلوس ولا دهب فعلاً، لكن كان ورق عقد بيع وشراء ابتدائي، ومعاه التنازل الرسمي والوصية المسجلة في الشهر العقاري لبيت العيلة الكبير! البيت اللي حماتي عايشة فيه، واللي فيه شقتي وشقة سمر، والأرض اللي ورا البيت اللي تسوى ملايين دلوقتي بعد ما المنطقة دخلت كردون مباني وبقى يتعمل فيها أبراج.
العقد كان مكتوب باسمي أنا! “هناء عبد الرحمن”. حماتي كتبت لي البيت كله والأرض بكامل تصرفها، والتاريخ كان قديم، يعني العقد كان مكتوب من فترة ومكتوب فيه إن البيع تم وقبضت الثمن، بس كانت شايلاه ومترددة تسلمه لمين، والظاهر إنها كانت ناوية تديه لسمر لولا اللي حصل في المستشفى.
قعدت على السرير ومش مصدقة. الست اللي كانت شايفاني مجرد “مرات ابنها الأولى” والشغالة اللي ملهاش تمن، أمنتني على ورث أولادها وعلى شقا عمرها كله. شافت فيا السند اللي بجد مش المظاهر.
تاني يوم الصبح، نزلت لحماتي المستشفى تاني عشان أطمن عليها، بس لقيت الأجواء متكهربة تماماً. أول ما دخلت الدور، سمعت صوت سمر عالي وهي بتتخانق مع محمود في الممر برا الأوضة.
سمر كانت بتزعق وتقول: “بقولك يا محمود، أمك مخبية حاجة! أنا لمحت هناء وهي بتخبي ظرف كبير ورا ضهرها أول ما دخلت الأوضة امبارح، وأمك كانت بتبص لها بنظرات غريبة. أنت لازم تدخل تسألها، هو إحنا ملناش حق في الست دي ولا إيه؟ أنا اللي كنت بفسحها وأوديها النوادي، وفي الآخر تقعد مع هناء لوحدهم؟”
محمود كان واقف حاطط إيده على راسه وتعبان وقال لها: “بس يا سمر الله يهديكي، أمي لسه طالعة من العمليات ومابين الحياة والموت، وأنتِ بتفكري في ظروف وورق؟ هناء شالت شيل كبير امبارح وإنتِ كنتِ واقفة بتعيطي ومش عارفة تتصرفي.”
سمر ردت بلؤم: “ماشي يا محمود.. بكره نشوف مين اللي بيحبكم بجد ومين اللي بيدور على مصلحته.”
دخلت الأوضة وعملت نفسي مسمعتش حاجة. حماتي أول ما شافتني، ابتسمت بضعف وقالت لي بصوت واطي: “شفتيه يا هناء؟”
هزيت راسي وقلت لها: “شفته يا ماما.. بس ده كتير عليا، والبيت ده حق محمود وأخواته، أنا مش عايزة مشاكل.”
حماتي مسكت إيدي وقالت بعزم ما فيها: “لأ يا بنتي، ده حقك وحق تعبك وصبرك. البيت ده لو وقع في إيد سمر، هتخلي محمود يبيع نصيبه ويطردك أنتِ وعيالك في الشارع. سمر عينها مش مليانة، وأنا كنت عمية بس ربنا فتح عيني على آخر ليلة. خلي الورق معاكي واوعي حد يعرف عنه حاجة لحد ما أخرج بالسلامة وتقوم لي قومة.”
مرت الأيام وحماتي خرجت من المستشفى ورجعت البيت. من يومها، المعاملة اتقلبت 180 درجة. حماتي بقت تطلبني بالاسم في كل حاجة. “هناء هاتي لي العلاج”، “هناء أكليني من إيدك”، “أنا مش بترتاح نفسي غير لما هناء تقعد معايا”. سمر كانت هتموت من الغيظ، المظاهر والكلام المعسول اللي كانت بتثبت بيهم حماتي مابقوش ياكلوا معاها. سمر بدأت تحس إن البساط بيتسحب من تحت رجليها، وإن مكانتها كـ “ملكة البيت” بقت في الضياع.
وفي يوم، وحماتي قاعدة في الصالة، دخلت سمر وهي شايلا صينية بسبوسة عاملاها ومزوقاها على الآخر، وقالت بدلعها المعتاد: “دوقي بقى يا ماما البسبوسة دي، عاملاها بالسمن البلدي مخصوص عشان ترم عضمك.”
حماتي خدت منها حتة صغيرة ومسحت إيدها في المنديل وقالت ببرود: “تسلم إيدك يا سمر.. بس تقيلة عليا، هناء عاملة لي شوربة خضار خفيفة على معدتي وجميلة، كتر خيرها مابتفارقنيش.”
وش سمر جاب ألوان، وبصت لي بنظرة كلها غل وحقد، وقالت: “بقيتي ليكي كلمة مسموعة أوي يا هناء في البيت ده فجأة كده.. سبحان مغير الأحوال!”
رديت عليها بكل هدوء وثقة: “الأصول مابتتغيرش يا سمر، وأنا طول عمري في البيت ده بخدم وبعمل واجبي من غير ما أستنى مقابل، والحمد لله إن ربنا بيبين كل واحد على أصله وقت الشدة.”
سمر سابت الصينية وطلعت شقتها وهي بتبرطم وتتوعد. حسيت إن الحرب الحقيقية لسه هتبدأ. سمر مش من النوع اللي يستسلم بسهولة، وذكائها لئيم. بدأت تفتش ورايا، وتراقب دخولي وخروجي، وتحاول توقع بيني وبين محمود بأي طريقة. كانت بتقول له: “شايف أمك بقت مقاطعا ركلي إزاي؟ شايف هناء مسيطرة عليها إزاي؟ دي أكيد عاملا لها حاجة أو واكلة عقلها بكلام!” بس محمود كان شايف بعينه إن أمه تعبانة وإن أنا اللي شايل الإرادة كلها.
بعد أسبوعين، وحماتي نايمة بتصحي في قيلولة الضهر، لقيت محمود داخل عليا الأوضة ووشه متغير تماماً، ماسك تليفونه وفي إيده ورقة تانية خالص.
بص لي وقال بنبرة غريبة عمري ما سمعتها منه: “هناء.. سمر لقت الورقة دي في شقة أمي وهي بتروقها امبارح.. وعايز أفهم إيه الكلام ده؟”
بصيت للورقة اللي في إيده، ولقيتها مسودة قديمة لعقد البيع والتنازل اللي معايا، الظاهر حماتي كانت كاتباها بخط إيدها قبل ما تعمل العقد الرسمي، ونسيتها في وسط كراكيب دولابها! سمر لقتها، وطبعاً قلبت الدنيا ومسكتها دليل ضدنا.
محمود كمل وعينيه مليانة شك وعتاب: “أنتِ بعتي واشتريتي مع أمي من ورايا يا هناء؟ البيت كله يتكتب باسمك أنتِ؟ ليه؟ وإمتى حصل ده؟”
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت خبط ورزع على السلم، وباب الشقة اتفتح ودخلت سمر ومعاها أخوها الكبير، وصوتهم كان جايب آخر الشارع، وسمر بتصرخ وتصوت: “الحقوني يا ناس! يا فضيحتنا في المنطقة! مرات الابن الأولى طلعت نصابة وضحكت على الست العيانة وخلتها تمضي على أملاكها كلها!”
حماتي صحيت من النوم على الصويت، وخرجت تسند على الحيطة وهي بترتعش، والدنيا بقت قايدة نار في الصالة، ومحمود واقف في النص يبص لي ويبص للورقة وهو مش عارف يصدق مين…
يتبع…
