حماتــي كانــت بتعامــل ضرتــي كأنها ملكــة ج الأخير

مشهد القبض على سمر ومدحت كان زي الحلم، الناس في المنطقة اتلمت، والكل كان بيبص بذهول على “الملكة” اللي كانت بتتباهى بجمالها وفلوسها، وهي دلوقتي خارجة من أرضنا مكتفة ومحطوطة في عربية البوكس، وشعرها منكوش ووشها باهت من الصدمة. أخوها مدحت كان بيبص في الأرض، باين عليه إنه بدأ يحس بقيمة الغلطة اللي عملها، بس خلاص، ساعة الحساب دقت.
بعد ما الشرطة مشيت، الدنيا هديت في الأرض. كنت واقفة أنا ومحمود، ساكتين، بنبص للمكان اللي شهد على كل الظلم اللي اتعرضت له حماتي، وبدأ يظهر فيه الحق. محمود لف لي وبص في عيوني، لأول مرة من سنين شفت في عينيه لمحة من محمود اللي حبيته زمان.. الراجل الشهم اللي بيقدر الأصول.
مسك إيدي وقال بصوت واطي: “سامحيني يا هناء.. على كل يوم خليتك فيه تحسي إنك قليلة. على كل مرة سمر كانت بتكسر بخاطرك وأنا واقف بتفرج. أمي كانت عارفة، كانت عارفة إنك أنتِ اللي معدنك أصيل، وعشان كده هي اللي أنقذتني وأنا غرقان في وهم المظاهر.”
دموعي نزلت، بس كانت دموع ارتياح. قلت له: “المهم يا محمود إننا عرفنا الحقيقة، وإن حق حماتي رجع، وإن الوقف اللي هي كانت خايفة عليه بقى في إيدينا.”
الأسابيع اللي تلت الحادثة كانت كلها تحقيقات وقضايا، بس كل حاجة كانت ماشية في صالحنا. المحامي أستاذ رأفت كان شاطر جداً، وطلع كل الأوراق الرسمية اللي بتثبت إن الأرض “وقف”، وإن تصرفات سمر ومدحت كانت عبارة عن سرقة وتزوير. سمر أخدت حكم بالسجن بتهمة سرقة مستندات رسمية ومحاولة نصب، ومدحت اتورط معاها، والمحامي بتاعهم سابهم لما عرف إنهم كدبوا عليه.
أما البيت.. البيت رجع يهدى من جديد. ولادي كانوا بيسألوا على جدتهم كتير، كنت بحكي لهم عنها، وعن إنها ست كانت قوية، وبتحبنا، وكانت بتحمينا حتى وهي مش موجودة. شقتي اللي كنت شايلة همها، بقت مليانة أمان.
بعد مرور سنة.. كنت قاعدة في البلكونة الصبح، بشرب شاي، وبشوف الأرض ورا البيت.. بقت حديقة صغيرة جميلة، نظفناها وزرعنا فيها شجر مثمر، بطلب من ولادي. محمود بقى إنسان تاني، رجع لربنا، ورجع لحياته العادية، وبقينا نشتغل سوا في إدارة الأرض اللي بقت بتطلع خيرها لينا ولأولادنا، زي ما كانت حماتي متمنية.
في يوم، كنت بقلب في الصندوق القديم تاني، ولقيت ورقة تانية مخدتش بالي منها، كانت صورة قديمة لينا كلنا.. أنا ومحمود، وحماتي وهي مبتسمة، وكانت كاتبة ورا الصورة: “يا هناء، البيت مش بالحطان، البيت باللي بيصون الأصول. وأنتِ صنتي، فاستحقتي تكوني صاحبة البيت وصاحبة الدار.”
عرفت وقتها إن حماتي مكنتش بس بتورثني أرض، كانت بتورثني “بيت” حقيقي، مبني على الصبر والحب.
بقيت أنا “ست البيت” زي ما كانت بتناديني في آخر أيامها، بس مش بالشغل والخدمة بس، لأ.. بالكلمة، وبالرأي، وبالاحترام اللي محمود بقى بيعاملني بيه. سمر بقت ذكرى وحشة، كابوس وراح لحاله، والمنطقة كلها بقت عارفة قصة “هناء”، الست البسيطة اللي طلعت أقوى من كل الألاعيب.
النهارده، ولادي كبروا، والبيت دايماً مليان دفى. محمود دخل عليا وهو شايل كيس فاكهة، وبص لي بابتسامة وقال: “تعالي يا هناء، الأرض طرحت أول طرح، وكل الجيران بيسألوا عليكي.”
ابتسمت وقمت، بصيت لصور حماتي اللي متعلقة في الصالة، حسيت إنها بتراقبني ومبسوطة.
يا جماعة، الدنيا دوارة، والحق مابيروحش مهما طال الزمن، والمظلوم بيجي له يوم وبيبقى هو الملك بجد، بس الفرق إن “مُلك” الحق بيدوم، ومُلك المظاهر والكدب بيقع في أول مطب.
أنا هناء.. الست البسيطة اللي طلعت من المعركة دي بدرس، إن الصبر مش ضعف، وإن الأصول هي اللي بتعيش، وإن “حماتي” اللي كنت فاكراها عدوتي، كانت هي أكتر واحدة بتحبني وخايفة على مستقبلي.. وعشان كده.. أنا دلوقتي ملكة في بيتي، بس ملكة بقلبي، مش بتاجي.
وخلصت الحكاية، حكاية هناء اللي ما اتكسرتش، وحكاية بيت فضل واقف ببركة “ست العيلة” اللي عرفت في الآخر مين اللي يستاهل يشيّل الأمانة.
