**الفاتورة** "يا فاطمة، مش شايفة إن جه الوقت تاخدي إجازة الوضع؟" قالتها الحاجة سعاد. "إنتي شكلك تعبانة على الآخر، وشك مخطوف وإيديكي بترتعش. وبعدين إنتي خلاص في الشهور الأخيرة." بقلم منـي الـسـيد نزلت فاطمة عينيها بشكل تلقائي على صوابعها، اللي فعلاً كانت بترتعش رعشة خفيفة وهي ماسكة كوباية الشاي اللي برد. متوفرة على روايات و اقتباسات الشهر السابع كان تقيل عليها؛ غثيان الحمل لسه ماراحش، ورجليها كانت بتورم على آخر النهار، ده غير شغلها في المصنع اللي كان بيجبرها تفضل واقفة على خط الإنتاج طول اليوم. "والفلوس؟ والمرتب؟" هزت فاطمة راسها وقالت: "فلوس إجازة الوضع ملاليم يا حاجة سعاد، وعمر مش هيقدر يشيل الحمل ده كله لوحده. هستحمل شوية كمان، شهر واحد بس..." لوحت حماتها بإيدها وقالت: "إنتي شايلة ابنه في بطنك. سيبي الموضوع ده لعمر، خليه هو يتصرف. هو راجل البيت ولا إيه؟" مكنش عندها طاقة تجادل. فاطمة استسلمت بعد أسبوع؛ كتبت طلب الإجازة، لمت حاجاتها من دولاب الشغل، وخرجت من بوابة المصنع بإحساس غريب بالفراغ. الأيام الأولى كانت غريبة؛ تصحى من غير منبه الساعة ستة الصبح، مفيش جري ورا أتوبيس الوردية، ولا وقفة على مكنة المصنع. بس بعد فترة، بدأت ترتاح. فاطمة بدأت تشبع نوم، تتمشى في الجنينة اللي جنب البيت، وتطبخ أكل صحي بدل السندوتشات السريعة اللي كانت بتاكلها وهي بتجري. الدم رجع لخدودها، والغثيان راح، حتى الدكتورة في المتابعة استغربت وابتسمت لما شافت إن التحاليل أخيراً رجعت طبيعية. ابنها شرف في أول شهر مارس، ولد صحته حلوة وصوته عالي، وزنه تلاتة كيلو وسبعمية جرام. فاطمة كانت نايمة في أوضة المستشفى، بتبص لوشه الصغير الأحمر ومش مصدقة إن ده طفلها.. ده "ياسين" بتاعها.متوفرة على روايات و اقتباسات أول سنة عدت كأنها دوامة من الليالي اللي من غير نوم، رضاعة كل تلات ساعات، غسيل مابيخلصش، وهدهدة طول الليل. فاطمة بعد كده مكنتش قادرة تفتكر هي إمتى كانت بتنام، ولا إمتى كانت بتاكل، ولا إمتى آخر مرة أخدت فيها دش أكتر من خمس دقايق. حياتها كلها اتلخصت في حاجة واحدة بس: ياسين. عياطه، نومه، أول ابتسامة، أول سِنة طلعتله. مرتب الإجازة كان بينزل من هنا ويطير من هنا؛ حفاضات، لبن صناعي لما لبنها خف، وأدوية المغص اللي مابتنتهيش. عمر كان بيشتغل وبيجيب المرتب، وفاطمة كانت ممتنة ليه جداً على ده. ممتنة من قلبها، من غير أي تفكير تاني. الراجل بيأكل بيته لحد ما مراته تكبر الولد. دي سُنة الحياة. ياسين كمل تلات سنين، وأخيراً فاطمة رجعت الشغل. وردية جديدة، زملاء جداد، بس إيديها افتكرت الشغلانة بسرعة. بقلم منــي الـسـيد أول مرتب بعد انقطاع تلات سنين.. فاطمة كانت ماسكة الظرف في إيدها ومش قادرة تخبي فرحتها. الفلوس مكنتش كتير أوي، بس فلوسها، وتعبها. اشترت لياسين كوتشي جديد، واشترت لنفسها قلم الروج اللي كانت نفسها فيه من قبل الولادة، وعملت على العشا الأكلة اللي عمر بيحبها؛ طاجن بامية باللحمة. كانوا قاعدين هما التلاتة على الترابيزة، ياسين بيلعب بالمعلقة في الطبق، وعمر بياكل في صمت وتركيز. كان مساء عادي جداً، وعشا عادي جداً... "فاطمة.." عمر زق الطبق الفاضي قدامه، "ناوية تسددي الدين اللي عليكي إمتى؟" فاطمة اتسمرت مكانها والمعلقة في نص السكة لـ بُقها: "دين إيه؟" عمر طلع تليفونه من جيبه، داس على الشاشة كام مرة، ولف التليفون ناحيتها: "أهو، شوفي. أنا كنت مسجل كل حاجة." الشاشة كان منور فيها جدول إكسيل.. خانات مترتبة بالتواريخ، والمبالغ، والملاحظات. طلبات البيت، فواتير الكهربا والمية، الحفاضات، الأدوية، هدوم ياسين، لبس الشتا، عربية الأطفال، وكرسي العربية. تلات سنين من حياتهم متفنطة في سطور. **"ميتين ألف جنيه، لو حسبناها بالتقريب."** قالها عمر بمنتهى الهدوء. **"داخلين في ربع مليون يا فاطمة. أنا طول الفترة دي كنت شايل البيت لوحدي."** فاطمة كانت بتبص لجوزها وكأنها ماتعرفوش. الوش المألوف، الحسنة اللي على خده، غمازة دقنه اللي ورثها ياسين، بس من جوه، ورا الملامح دي كلها، كان قاعد إنسان غريب عنها تماماً. "يا عمر، أنا كنت في إجازة رعاية طفل!" فاطمة سمعت صوتها وكأنه جاي من بعيد. "أنا كنت بربي ابنك! ابننا!" "أيوة، أيوة." هز عمر راسه بملامح واحد كان مستني الرد ده ومجهّز نفسه. "وبرافو عليكي، ربيتيه كويس. شكراً! بس إحنا عيلة يا فاطمة. وفي العيلة كل حاجة بالنص. إنتي بقالك تلات سنين مابتشتغليش، وأنا بقالي تلات سنين قاسم وسطي في الشغل عشان أصرف على اتنين. ودلوقتي جه الوقت اللي تردي فيه الدين ده. مش ده العدل؟" قام "ياسين" من على الكرسي، وطلب يتفرج على الكرتون. مسحت "فاطمة" بقه بالمنديل بحركة تلقائية، وسابته يروح الأوضة. "أنا بقالي فترة عايز أغير العربية،" قالها "عمر" وهو بيمد إيده عشان يغرف طبق بامية تاني. "ها، أعمل حسابي على الفلوس إمتى؟" "فاطمة" بلعت غصة مرة وقفت في زورها.متوفرة على روايات و اقتباسات "استحمل كام شهر كمان.. وهردلك دينك." لمحة نيوز وش "عمر" نور، وبان عليه الرضا من ردها، وبدأ يحكي عن الشغل، وعن مديره الجديد، وعن حفلة الشركة الشهر الجاي. "فاطمة" كانت بتهز راسها في الأوقات المناسبة، وتصبله الشاي، وتشيل الأطباق من على الترابيزة. بس في مكان عميق جواها، المكان اللي كان مليان من ساعة واحدة بس بالامتنان للزوج والسند، كان بيتولد إحساس جديد.. إحساس بارد وقاسي. مش زعل.. لأ. احتقار! احتقار للإنسان اللي حاطط آلة حاسبة مكان قلبه، اللي قعد تلات سنين يسجل في جدول كل حفاضة اشتراها لابنه. بعد شهر، "عمر" فكرها بالدين. قالها ببساطة في وسط الكلام: "إيه الأخبار يا فاطمة؟ هانت ولا إيه؟" هزت "فاطمة" راسها وهي بتهرب بعينيها منه: بقلم منــي الـسـيد "هانت.. قريب أوي كل حاجة هتخلص." استنت بصبر لحد يوم أجازتها، لما "عمر" نزل شغله الصبح بدري. لمت هدوم "ياسين" بسرعة؛ تيشرتاته، بناطيله، دبدوبه اللي بيحبه، وكتب التلوين بتاعته. وبعدين لمت هدومها.. ماكانوش كتير بعد سنين الجواز دي كلها. شنطتين سفر وتلات أكياس. هي دي كل حياتها. شقة الأوضة وصالة اللي أجرتها استقبلتهم بالهدوء. "فاطمة" كانت بتحوش من مرتبها، بتعد الجنيه فوق الجنيه، وكانت بتحرم نفسها حتى من إنها تشتري طرحة جديدة، عشان تقدر تجمع مقدم الإيجار وتأمين الشقة. "ياسين" كان بيجري في الأوضة الفاضية، فرحان بصدى صوته بين الحيطان العريانة، أما "فاطمة" فقعدت على الأرض، وسندت ضهرها على الحيطة الساقعة تحت الشباك، وساعتها بس.. سمحت لنفسها تعيط. التليفون رن بعد ساعة بالظبط. الشاشة نورت باسم "عمر"، و"فاطمة" فضلت باصة للتليفون اللي بيهتز ثواني قبل ما تسحب صباعها على الشاشة وترد. "إنتي فين؟" "عمر" كان بالعافية ماسك غضبه. "أنا رجعت البيت لقيته فاضي. فين الهدوم؟ وفين ياسين؟" "فاطمة" ضغطت التليفون على ودنها، وأخدت نفس عميق: "أنا قررت نتطلق يا عمر." سكتة طويلة على الناحية التانية من الخط استمرت ثواني، وبعدها "عمر" ضحك بصوت عالي.. ضحكة عصبية ومليانة غل. بقلم منــي الـسـيد "نعم؟ إنتي اتخبطتي في دماغك؟" "مش إنت اللي قولت إني مديونة لك بربع مليون جنيه؟" "فاطمة" اتكلمت بهدوء، رغم إن قلبها كان بيدق كأنه هيطلع من حنجرتها. "أهو أنا سيبتهالك.. ابقى ارفع قضية في المحكمة وطالب بالدين ده. وأنا هرفع قضية نفقة. ونبقى نشوف في الآخر مين اللي مديون لمين." "آه يا....!" "عمر" صوته عليّ وزعق، و"فاطمة" بعدت التليفون عن ودنها. "يا مادية! أنا بقالي تلات سنين بأكلك وبصرف عليكي، وإنتي مش هامك غير الفلوس!" "فاطمة" قفلت السكة وعملت التليفون صامت. التليفون فضل يتهز.. مرة، والتانية، والتالتة. بس هي حطته على جنب، وقامت تساعد "ياسين" يرص لعبه في ركن الأوضة. هيجي وقت للتفكير والزعل، بس دلوقتي ابنها فرحان ببيتهم الجديد، وده كان أهم حاجة.متوفرة على روايات و اقتباسات قضية الطلاق أخدت تلات شهور. جلسات، وورق، وأقوال من الطرفين. "عمر" جه المحكمة مع المحامي بتاعه، ومعاه جدول الإكسيل الشهير مطبوع على عشر ورقات. القاضي، راجل في الخمسينيات باين عليه الإرهاق، قلب في الورق ده بوش خالي من أي تعبير. "يعني إنت عايز تسترد من طليقتك مصاريف ابنك؟" سأل القاضي وهو بيبص لـ"عمر" من فوق النضارة. "مصاريف إعاشة البيت،" عدل "عمر" كلامه. "هي قعدت تلات سنين مابتشتغلش!" "هي قعدت تلات سنين في إجازة رعاية طفل عشان تربي ابنكم،" القاضي ركن الورق على جنب. "مفيش أي سند قانوني يخليك تطالب بالفلوس دي. تُرفض الدعوى." "فاطمة" كانت قاعدة في الجنب التاني من القاعة، وبتراقب ملامح طليقها وهي بتتغير.. من ثقة وغرور، لصدمة وغضب. النفقة اتحكم بيها في نفس اليوم، مبلغ محدد وثابت، لأن مرتب "عمر" الرسمي في الورق كان ملاليم، بينما مرتبه الحقيقي كان بياخده في إيده برا الحسابات. بس القاضي كان خبرة وشايف الألاعيب دي ومقفلها. "عمر" طار من القاعة وهو بيغلي، ومابصش حتى ناحيتها. "فاطمة" لمت ورقها في شنطتها، ومشيت ناحية الباب. وعلى سلم المحكمة، لحقتها "الحاجة سعاد". "فاطمة.. استني." "فاطمة" وقفت، وهي مستعدة لأي حاجة.. اتهامات، زعيق، عياط. لكن حماتها.. حماتها السابقة، كانت واقفة قدامها بملامح مكسورة وضايعة. "سامحيني،" الحاجة سعاد قالتها بصوت واطي ومن غير ما ترفع عينيها. "أنا مش عارفة إزاي ربيت ابن ناقص كده. أنا مكسوفة منه يا فاطمة.. مكسوفة بجد." "فاطمة" سكتت، ماكنتش عارفة ترد تقول إيه على الصدق والمفاجأة دي. "ممكن تخليني أشوف ياسين؟" الحاجة سعاد رفعت عينيها أخيراً، والدموع كانت بتلمع فيها. "أبوس إيدك، ده حفيدي الوحيد، ومقدرش أتخيل حياتي من غيره." بقلم منـي الـسـيد "فاطمة" سكتت كام ثانية، وبعدين هزت راسها: "أكيد يا حاجة سعاد. أنا اتطلقت من عمر، ماتطلقتش منك. تعالي وقت ما تحبي.. هبعتلك العنوان." "فاطمة" كملت طريقها للبيت. النهاردة، بيبدأ فصل جديد في حياتها. النهاية بقلم منــي الـسـيد