ليـلة الخـلاص كـاملة حكـايات منـي الـسـيد ج 2

تابع الجزء الثاني: القشّة التي قصمت ظهر البعير
محمود قرب خطوة، ونبرة صوته اتغيرت من التهديد للرجاء الممزوج بالخوف: «يا ليلى استهدي بالله، البيوت مابتتخربش كده من كلمة اتقالت في ساعة غضب. أنتي عارفة الضغط اللي عليا، ومصاريف العلاج الطبيعي وبلاوي الدوا… أنا طالع عيني».
ليلى ماردتش، كانت بتعدل قفل الشنطة وهي حاسة إن صوته جاي من حتة بعيدة أوي. كأن الكلام مابقاش ليه معنى.
«أنا ضحيت بمرتبي اللي كان فوق الـ ثمن تلاف جنيه في الشهر».. ليلى قالت الجملة دي بصوت واطي ومسموع، وهي بتبص لإيديها اللي خشنت من المواعين والكلور. «كنت بشتغل في شركة محترمة، وليا كياني. سبت كل ده وقولت “محمود أولى، وأهله هما أهلي”. كنت فاكرة إنك شايل ده في قلبك، وفاكرة إن شقايا معاهم هو المهر اللي بقدمه لبيتنا… لكن طلعت غلطانة».
محمود حاول يمسك الشنطة منها: «طب والناس؟ هتقول علينا إيه لما يعرفوا إنك سبتي البيت في وقت زي ده؟ هيقولوا ليلى اتخلت عننا لما وقعنا!» متوفرة على روايات و اقتباسات
ضحكت ليلى ضحكة مكتومة، ضحكة فيها وجع يكسر الصخر: «الناس؟ هما فين الناس دول يا محمود؟ عمامك وخالاتك اللي مابيعتبوش الشقة غير في العيد؟ ولا أصحابك اللي بتقعد معاهم على القهوة بالساعات وتشتكي لهم من هم الدنيا وإنت مابتشيلش منه قشة؟»
## الإيميل الذي زلزل الأرض
في اللحظة دي، ليلى افتكرت اللاب توب اللي سابته مفتوح على تربيزة الصالة. محمود لمح نظرتها، ولأول مرة ياخد باله من الجهاز. جرّي عليه وهو حاسس إن في مصيبة بتحصل.
على الشاشة، كان في إيميل مبعوت لجروب العيلة المشترك، وجروب الشركة اللي محمود شغال فيها! ليلى مبعتتش كلام إنشائي ولا شكوى عاطفية، هي بعتت “حقائق”.
الإيميل كان فيه:
* **صور الأشعة والتحاليل** اللي ليلى كانت بتنزل تجيبها في عز المطر محمود نايم.
* **فواتير الدوا المحترقة** وروشتات الدكاترة اللي محمود كان بيرفض يدفعها ويدعي إنه معندوش سيولة، في حين إن ليلى كانت بتدفعها من مدخراتها.
* **رسايل واتساب بصوت محمود** وهو بيقول لها: «اتصرفي يا ليلى، مش هعرف أرجع بدري انهارده، غيري لأبويا وشوفي أمي عايزة إيه، أنا سهران مع الشباب».
* **والقشة الأخيرة:** تسجيل صوتي لمحمود وهو بيقول لمديره في الشغل إنه متأخر ومبيقدرش يشتغل ساعات إضافية لأنه “سهران طول الليل بيمرّض أبوه وأمه وبيديهم الدوا بنفسه”!
محمود وهو بيقرأ، ملامحه اتخطفت، الـدم هرب من وشه تماماً. الكدبة الكبيرة اللي عاش فيها سنة كاملة، دور “الابن البار والشهيد” اللي كان بياخد بيه لقطة قدام المدير عشان يبرر تقصيره، وقدام أهله عشان يظهر بمظهر البطل الشهم… كل ده انهار في ضغطة زرار واحدة.
«أنتي عملتي إيه؟» محمود صرخ وعينه بتطلع شرار، «أنتي دمرتيني! المدير هيعرف إني بكدب، وعمي هيكلمني يبهدلني!»
ليلى شالت الشنطة في إيدها، ووقفت عند باب الشقة بكل ثبات. بصت له للمرة الأخيرة وقالت:
> «أنا مادمرتكش يا محمود.. أنا بس فرجتهم على الحقيقة اللي كنت بتخبيها ورا ضهري التعبان. دلوقتي بقا… وريهم شطارتك. شيل أبوك، وغير لأمك، واطبخ، واغسل، وواجه مديرك في الشغل. وريهم البطل اللي كنت بتمثل دوره على حساب صحتي وعمري».
> حكايات مني السيد
## الخروج إلى الحرية
فتحت الباب، وخرجت لسلم العمارة. صوت الحاجة كريمة كان لسه طالع من الأوضة وهي بتنادي: «يا ليلى! الشاي فين يا بنتي؟»
محمود وقف مكسور، مش عارف يجري ورا ليلى يصالحها، ولا يلحق يمسح الإيميل، ولا يدخل لأمه اللي بتنادي. لأول مرة يحس بوزن الحياة الحقيقي اللي ليلى كانت شايلاه عنه وهو مش حاسس.
نزلت ليلى السلم، ومع كل خطوة كانت بتحس إن الهوا بيرجع يدخل صدرها من تاني. شمس شبرا الدافية وهي طالعة كانت بتعلن بداية جديدة… بداية ست قررت إنها متكونش “الضحية المستباحة” في حياة حد تاني.
متوفرة على روايات و اقتباسات
ساعة واحدة بس… كانت كفيلة تخلي موبايل محمود يتحول لساحة حرب.
ليلى كانت خلاص ركبت تاكسي، وسندت راسها على الإزاز وهي بتبص لشوارع القاهرة والدموع بتنزل من عينها بصمت، دموع مش ندم، دي كانت دموع “الخلاص”. الراديو في التاكسي كان شغال بصوت واطي وأم كلثوم بتغني «وللأمل فيا كلمة..»، وهي حاسة إن الروح بدأت ترد فيها من جديد بعد سنة كاملة من الموت بالبطيء.
في نفس اللحظة، في شقة شبرا، كان محمود قاعد على الرصيف بتاع الصالة، حرفياً. منهار قدام شاشة اللاب توب والموبايل في إيده مش بيبطل رن.
أول مكالمة كانت من عمه “الحاج رأفت”، كبير العيلة والراجل الصعيدي الشديد اللي محمود بيعمله ألف حساب. محمود رد بصوت بيترعش: «أيوة يا عمي…»
وجاءه صوت عمه زي الرعد: «أقفل بقك وماتنطقش ولا كلمة! بقا إحنا برة مصر فاكرين إنك شغال ليل نهار بتراعي أخويا ومرات أخويا، وسايبينك شايل الشيلة لوحدك وبنقول عليك راجل وبميت راجل.. وتطلع في الآخر مقعد بنت الناس غسالة وممرضة، وتذلها وتقول لها أنتي مش من العيلة؟! ده إحنا اللي نتبرأ منك ومن عمايلك يا محمود! البنت دي طاهرة وبنت أصول، ومشتكاك لربنا ولفضحتك وسطنا».
محمود حاول يقاطع: «يا عمي ليلى فهمت غلط، دي صور وفويسات مقتطعة من سياقها…»
الحاج رأفت قاطعه بقسوة: «الرسايل بصوتك يا فالح! وصور فواتير الدوا اللي كنت بتطلب ثمنها مني ومن عمامك وتقول أنا مديون، وتطلع البنت هي اللي دفعاها من شقاها وأنت شايل الفلوس في جيبك؟! أنا نازل مصر الأسبوع الجاي، وحسابي معاك تقل أوي يا محمود… وأول حاجة هعملها إني هروح لبنت الأصول دي لحد بيتها وأبوس على راسها وأعتذر لها بالنيابة عن عيلتنا اللي معرفتش تربيك».
## السقوط في الشغل
محقش محمود يفوق من صدمة عمه، لقى رسالة على الواتساب من مدير الموارد البشرية (HR) في الشركة اللي شغال فيها. الرسالة كانت مقتضبة وحاسمة:
> «السيد محمود.. بناءً على رسالة البريد الإلكتروني المنتشرة اليوم، والتي تحتوي على تسجيلات تثبت استخدامك لأعذار عائلية كاذبة للامتناع عن مأموريات العمل وال ساعات الإضافية المدفوعة، يُرجى الحضور غداً بمكتب الشؤون القانونية للتحقيق، مع العلم أنه تم تعليق عملك مؤقتاً لحين انتهاء التحقيق».
> متوفرة على روايات و اقتباسات
محمود رمى الموبايل على السجادة وصرخ بعلو صوته من الغل. الكدبة اللي بناها عشان يهرب من ضغط الشغل، وعشان يظهر قدام زمايله إنه البطل اللي شايل هموم الدنيا، اتهدت في ثانية. المدير عرف إنه كان بياخد إجازات مدفوعة بحجة إنه بيودي أبوه المستشفى، في حين إنه كان بيقضي اليوم نايم في البيت أو سهران مع أصحابه، وليلى هي اللي سايقة بأبوه في عربيات الإسعاف والتأمين الصحي.
في وسط الدوشة دي، طلع صوت “الحاجة كريمة” من الأوضة، بس المرة دي بصوت تعبان وبيرتعش: «يا محمود… يا ابني… ليلى فين؟ أنا العسل بتاعي مهبط وعايزة حقنة الإنسولين.. تعالي يا ابني بسرعة».
محمود قام وهو مش شايف قدامه، دخل الأوضة لقى أمه وشها أصفر، وأبوه “عم إبراهيم” بيبص له بعيون مليانة دموع وعاجز عن الحركة، كأنه بيعاتبه على اللي عمله في البنت اللي كانت حنينة عليه أكتر من ابنه.
محمود وقف قدام التلاجة، فتح علبة الإنسولين، إيده كانت بترتعش لدرجة إنه مش عارف يسحب الشرطة في السرنجة. مكنش يعرف بتتاخد إزاي ولا كام وحدة بالظبط! ليلى كانت بتعمل ده وعينها مقفولة من كتر الحفظ. أم برت تصرخ: «براحة يا محمود، السن دخل غلط وجعني! ليلى مكنتش بتوجعني كده أبداً!»
اضطر يقضي الليلة بطولها صاحي. لأول مرة يدخل المطبخ يطبخ لقمة لأبوه، لأول مرة يشيل ملايات السرير المغسولة وينشرها في البلكونة في عز البرد، لأول مرة يقعد جنب أبوه يلبسه هدومه ويسمع أنينه وهو مش عارف يعمل له إيه. قبل الساعة ما تيجي 4 الصبح، كان محمود ضهره هيموت من الوجع، وعينه منفوخة من قلة النوم، وحاسس إن الشقة دي بتضيق عليه وتخنقه. عرف ساعتها قيمتها، وعرف إن “ليلى” مكنتش قاعدة في التكييف… ليلى كانت شايلة جبل متهدش غير لما هو داس على كرامتها.
