ربطـو تحـت الشمـس عشـان رفضـت تتنـازل شقـتها ج الأخير حكايات مني السيد

## الفصل الخامس: النار والرماد
صوت رئيس المباحث في التليفون كان طالع وسط صوت سرينات الحريق وضجة مكتومة مسموعة من وراه في الخلفية، كريم السيوفي ضغط على الموبايل بقوة لدرجة إن عروق إيده برزت، وبص لمروة اللي كانت واقفة قدامه وعينيها بتتحرك بقلق وصدمة.
— يعني إيه ولع في الحجز يا حازم؟ والولية الكبيرة وبنتها فين؟
صوت حازم جه متقطع:
— يا فندم، أحمد جاله حالة هياج عصبي جنوني لما عرف إن أمجد علوان اتمسك وإن شحنة الأجهزة الطبية لبسته رسمي. بدأ يصرخ ويخبط راسه في الحيطة، وفجأة سحب ولاعة كانت متدارية مع مسجون جنائي وولع في بطاطين الحجز عشان يعمل قلق والعساكر تفتح الباب فيهرب.. بس النار سرحت بسرعة في الهدوم والبطاطين الفايبر، والدخان كتم الأوضة كلها!
كريم قفل الخط بسرعة وبص لمروة اللي سألت بلهفة:
— في إيه يا كريم؟ أحمد جرى له إيه؟
كريم حرك راسه بغضب وقاد عربية العمليات:
— البغل فاكر نفسه في فيلم أجنبي.. ولع في الزنزانة وعامل مصيبة في القسم. اركبي معايا بسرعة، لازم نتحرك على هناك، الحكاية مش هتنتهي بموت حد فيهم قبل ما ياخدوا حكم المحكمة اللي يكسر عينهم.
### ليلة القيامة الصغرى في القسم
القسم كان عبارة عن خلاية نحل مقلوبة. عربيات المطافئ كانت واصلة بتجري وسارينات الإسعاف بتملى المكان، والدخان الأسود الكثيف كان خارج من شبابيك الحجز الخلفية. العساكر والضباط كانوا بيطلعوا المساجين وهم بيسعلوا بحدة ووشوشهم مليانة هباب أسود.
في وسط الجلبة دي، كانت الحاجة دولت وريهام بره في الحوش، قاعدين على الأرض بيترعشوا من الخوف بعد ما العساكر خرجوهم من حجز الحريم القريب من النار. دولت كانت حاطة إيدها على قلبها وبتصرخ بصوت مبحوح:
— ابني! أحمد جوه يا ناس! أحمد هيموت في النار.. الحقوا ابني يا عالم! ده هو السند اللي ليا في الدنيا!
ريهام كانت ساندة ضهرها على سور حديد، ماسكة بطنها وبتعيط بانهيار، ملامح الشماتة والجبروت اللي كانت على وشها في جنينة التجمع الخامس اتمست تماماً، وحل مكانها رعب حقيقي من الموت ومن السجن ومن الضياع.
وصلت عربية كريم ومروة، ونزلت مروة بسرعة. أول ما الحاجة دولت شافتها بوشها المحروق من شمس يونيو وآثار التعب، جريت عليها على ركبها في التراب، ومسكت في جلباب مروة وهي بتبكي وتتوسل:
— مروة! ابوس رجليكي يا بنتي.. سامحيني.. أنا كنت غبية وعميتني الفلوس.. أحمد بيموت جوه يا مروة، خلي أخوكي الضابط ينقذه! وحياة غلاوة أبوكي عندك يسامحنا وخرجي أحمد من النار!
مروة بصت لها ببرود ونفضت إيد الولية من عليها وقالت بنبرة حادة زي الموس:
— تفتكري لما كنت مربوطة في العمود وبصرخ من العطش والشمس بتاكل في دماغي، لو كنت قولتلك وحياة أحمد عندك فكيني، كنتي هتحني؟ إنتي قلبك حجر يا دولت.. والنار اللي ابنك ولعها دي، هي أول شرارة من جهنم اللي هتعيشوا فيها.
في اللحظة دي، خرجوا اتنين من رجال المطافئ وهم شايلين أحمد على نقالة. كان مغمى عليه تماماً، وشه كله أسود، وهدومه متبهدلة، وجلد إيديه ورجليه فيه حروق شديدة من أثر النار اللي حاصرت الركن اللي كان مستخبي فيه.
الحاجة دولت صرخت صرخة شقت المكان وجريت عليه، لكن العساكر منعوها. الدكتور بتاع الإسعاف حط جهاز التنفس عليه وبص لكريم ومروة:
— عنده اختناق شديد وحروق من الدرجة الثانية والثالثة في أطرافه.. حالته حرجة ولازم يتنقل العناية المركزة فوراً تحت حراسة مشددة.
مروة بصت لأحمد وهو متمدد زي الجثة الهامدة، الراجل اللي كانت في يوم من الأيام مستعدة تضحي بعمرها عشانه، الراجل اللي سددت ديونه ووقفت معاه لما الكل سابه.. دلوقتي واقفة بتتفرج عليه وهو بيروح المستشفى مكلبش ومحروق وبيموت بالبطيء. التفتت لكريم وقالت بصوت خالي من أي مشاعر:
— يلا بينا يا كريم.. الحساب لسه مخلصش، والمحكمة الأسبوع الجاي.
### خلف القضبان: ترقب وجلسة الحسم
مر الأسبوع كأنه سنة على العيلة المحبوسة. أحمد حالته استقرت في مستشفى السجن، لكن الحروق سابت علامات وتشويه في إيديه ورجليه، وبقى عاجز عن الحركة الطبيعية، قاعد على كرسي متحرك ومكلبش في السرير.
أما أمجد علوان، فكان قاعد في زنزانته الانفرادية، النيابة قفلت عليه كل الأبواب، والفلاشة اللي مروة سلمتها لكريم فتحت الصندوق الأسود لكل عمليات تهريب الأجهزة الطبية المغشوشة وغسيل الأموال. القضية بقت قضية رأي عام، والجرائد والتلفزيون مكنش وراهم غير “عصابة التعذيب والتهريب”.
يوم الجلسة الصبح..
قاعة محكمة جنايات القاهرة كانت مليانة على آخرها. الصحفيين والمصورين في كل مكان، وأهالي المنطقة وجيران فيلا التجمع واقفين يتفرجوا على نهاية العيلة اللي شافت نفسها على الخلق.
دخل أحمد على الكرسي المتحرك، ووراه الحاجة دولت وريهام اللي كانت لابسة لبس الحبس الأبيض الحوامل ودموعها منشفتش. وفي قفص الاتهام الثاني كان واقف أمجد علوان، وعينيه بتطلع شرار، لابس بدلة السجن الزرقا وواقف بكل غل.
على الجانب الآخر، في الصفوف الأولى للمحكمة، كانت قاعدة مروة محمود السيوفي، وبجنبها أبوها اللواء بجلالة قدره وهيبته اللي تخلي المستشارين نفسهم يحترموه، وأخوها كريم السيوفي بلبسه الرسمي الميري. مروة كانت لابة طقم أسود شيك جداً، وحاطة مساحيق تجميل خفيفة دارت آثار الشمس، لكن عينيها كانت واضحة وفيها نظرة نصر وثبات يرعب أي حد يبص لها.
أحمد رفع عينه بالعافية وبص لمروة.. حاول يمد إيده المحروقة والمتكلبشة ناحيتها ونادى بصوت ضعيف ومبحوح:
— مروة.. ارحميني يا مروة.. أنا ضعت خلاص.. شركتي اتفلست وبيتي اتخرب.. ارحميني عشان خاطر الأيام اللي عشناها سوا!
مروة ماردتش عليه، ولا حتى رمشت. بصت قدامها للقمة المنصة وكأن أحمد ده حشرة مش موجودة في الفراغ.
### المرافعة التاريخية وسقوط الأقنعة
بدأت الجلسة، ووقف ممثل النيابة العامة يلقي خطبة هزت أركان القاعة. اتكلم عن الخيانة، عن الغدر، عن الزوج اللي هان مراته وصانع نعمته عشان حفنة فلوس وشقة. واتكلم عن الأم اللي نزعت من قلبها الرحمة والأمومة وبقت زي الشيطان بتعذب وبتحرض على القتل.
— “يا سيادة المستشار.. إن هؤلاء المتهمين لم يرحموا ضعف المجني عليها، احتجزوها تلاتة أيام كاملة تحت شمس حارقة، بلا ماء ولا كِسرة خبز، يبتزونها لسرقة شقا عمرها. ولم يكتفوا بذلك، بل إن المتهم الأول اشترك مع ذئب السوق المتهم الخامس “أمجد علوان” في إدخال سموم وأجهزة طبية مغشوشة تقتل آلاف المرضى الأبرياء في مستشفياتنا.. إنهم خطر على المجتمع، ونطالب بتطبيق أقصى عقوبة عليهم!”
المحامين بتوع أحمد وأمه حاولوا يتكلموا ويلاقوا ثغرة، لكن المستندات والتقارير الطبية، وبصمات الحبال على إيد مروة، وشهادة القوة الأمنية اللي اقتحمت الفيلا والمخزن، وفلاشة الحسابات السرية.. كل دي كانت مسامير اتدقت في نعش العيلة دي.
المستشار رئيس الجلسة ضرب بالشاكوش وقال بصوت جهوري:
— رفعت الجلسة للمداولة والنطق بالحكم في آخر الجلسة!
### اللحظات الأخيرة قبل حكم الإعدام المدني
في غرفة المداولة الملحقة بالقاعة، كانت الحاجة دولت قاعدة بتلطم على رجليها وتصرخ:
— يا خراب بيتك يا دولت.. يا فضيحتك وسط الناس والمحلات! هتحبس في آخر عمري؟ البت طلعت حية.. حية وقرصتنا كلنا!
ريهام بصت لها بقهر:
— إنتي السبب ياما! إنتي اللي قولتيلنا مروة دي غلبانة ومالهاش ضهر.. أديكي شوفتي ضهرها عمل فينا إيه! ده أبوها لواء وأخوها مخابرات، وإحنا كنا بنلعب مع الموت!
أحمد كان قاعد على الكرسي المتحرك، باصص للفراغ، دموعه بتنزل على حروق وشه وبتحرق جلده أكتر وأكتر. عرف إن خلاص، القطار فات، وإن مروة مش هترجع، والفلوس راحت، والشرف ضاع.
في الناحية الثانية، أمجد علوان قرب من السلك بتاع القفص وبص لأحمد بغل:
— وحياة أمي يا أحمد يا عبد الرحمن.. لو دخلت السجن، لأخلي رجالتني جوه يعلموك الأدب على غبائك.. إنت اللي جرجرتني للمصيبة دي بسبب شقة ومرتاتك!
أحمد مكنش قادر يرد، كان ميت إكلينيكياً من الخوف والندم.
### النطق بالحكم: زلزال في القاعة
بعد ساعتين من الانتظار المرير، رجع المستشار وهيئة المحكمة للمنصة. القاعة بقت هادية لدرجة إن لو إبرة وقعت كانت هتسمع صوتها. الكل واقف حابس أنفاسه.
رئيس المحكمة عدل نظارته، وفتح المحضر وبدأ يقرا بحسم:
> **”حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:**
> **أولاً: بمعاقبة المتهم أحمد عبد الرحمن بالسجن المشدد لمدة 15 سنة، وتغريمه مليوني جنيه عن تهم التعذيب والاحتجاز والاشتراك في تهريب أجهزة طبية مغشوشة.**
> **ثانياً: بمعاقبة المتهمة دولت مصطفى بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات عن تهم التحريض والاشتراك في الاحتجاز والتعذيب والسرقة بالإكراه.**
> **ثالثاً: بمعاقبة المتهمة ريهام عبد الرحمن بالسجن لمدة 3 سنوات مع الشغل والنفاد.**
> **رابعاً: بمعاقبة المتهم أمجد علوان بالسجن المؤبد 25 سنة وغرامة 10 ملايين جنيه ومصادرة جميع أمواله وحساباته.”**
>
صراخ وعويل وعياط انفجر في القفص. الحاجة دولت وقعت من طولها وأغمى عليها، وريهام بدأت تصرخ بهستيريا والحراس بيسحبوهم على جوه، وأحمد دفن وشه في إيديه وهو بيبكي بكاء مرير، وعربات الترحيلات مستنياهم بره عشان تنقلهم لعالم تاني.. عالم الظلمات ورا الأسوار.
### خروج الملكة
مروة قامت وقفت براحة، وبصت لأبوها اللواء محمود وأخوها كريم وابتسمت ابتسامة صافية ولأول مرة تحس إن الحمل اللي على كتافها انزاح تماماً. حقها رجع، وكرامتها اللي حاولوا يدوسوا عليها تحت الشمس رجعت ورفعت راسها ألعى من السما.
خرجت مروة من قاعة المحكمة وهي سانة على إيد أبوها، والصحفيين فلاشات كاميراتهم بتنور حواليها. وهي نازلة على سلم المحكمة، بصت للسما وخدت نفس طويل من الهوا النضيف، وقالت في سرها:
— “الظلم ليله قصير.. واليوم اللي وقفت فيه تحت الشمس مربوطة، كان السبب عشان النور يظهر وكل الأقنعة تقع.”
لكن وسط الفرحة والنصر ده، كريم أخوها قرب منها وهمس في ودنها بنبرة قلبت كيانها تاني وخلى ابتسامتها تتجمد:
— مروة.. الحكاية لسه مقفلتش رسمي.. المحامي بتاع أمجد علوان قدم مستند خطير حالا للنيابة، المستند ده يثبت إن الشقة بتاعة الشيخ زايد.. فيه حد تاني شريك معاكي في ملكيتها من ورا ضهرك، والحد ده يبقى.. طليق ريهام اللي إحنا حبسناه!
مروة بصت لكريم بصدمة وذهول.. مين اللي بيلعب من ورا الستار تاني؟ وفصل إيه اللي لسه هيتفتح في حياتها؟…!!!!
## الفصل السادس والأخير: خيوط الفجر والعدالة
الكلمة اللي قالها كريم نزلت على مروة زي المية الساقعة. بصتله وعينيها بتتحرك بصدمة، مكنتش قادرة تستوعب. طليق ريهام؟ “حسام”؟! الشاب الغلبان اللي أحمد وأمه استقووا عليه ومضوه على شيكات عشان ياخدوا محله؟ إزاي يكون شريك معاها في شقة الشيخ زايد اللي هي شرياها بفلوس شقاها وتعبها قبل ما تعرف عيلة أحمد أصلاً؟
اللواء محمود شاف نظرة الصدمة في عين بنته، حط إيده على كتفها وبص لكريم بصرامة وقوة:
— مستند إيه وطليق ريهام إيه يا كريم؟ إحنا لسه خارجين من قاعة المحكمة ومنتصرين، مين ده اللي عايز يفتح سيرة تانية؟
كريم شاور ليهم يمشوا ناحية العربية بعيد عن دوشة الصحفيين:
— يا بابا، المحامي بتاع أمجد علوان طلع حوت، وقبل ما يمشوا بأمجد على السجن، قدم طلب عاجل للنيابة لإعادة فحص أوراق ملكية الشقة. حسام طليق ريهام، مكنش غلبان ولا حاجة، ده طلع هو “المهندس” اللي كان بيبني العمارة دي من خمس سنين، ولما مروة اشترت الشقة، عقد البيع الابتدائي كان فيه بند خفي وتوقيع ثلاثي.. حسام بايع ومروة مشتري، وفي طرف ثالث كان واخد توكيل بإدارة العقار.. وهو أمجد علوان!
مروة حطت إيدها على راسها وحست إن الدنيا بتلف بيها:
— يعني.. يعني حسام وأمجد علوان كانوا عارفين بعض؟ وأحمد وعيلته كانوا مجرد مغفلين في اللعبة دي؟
كريم فتح باب العربية وقعدوا جوه والتكييف اشتغل:
— بالضبط يا مروة. أمجد علوان كان بيغسل أمواله في العقارات اللي حسام بيبنيها. ولما حسام اتجوز ريهام، وعرف إن أحمد متجوز مروة محمود السيوفي، أمجد علوان لقط الخيط. كان عايز يسيطر على الشقة دي بالذات لأن تحت أرض العمارة دي فيه مخازن سرية كانوا بيستخدموها لتهريب البضائع المغشوشة بعيد عن عين الحكومة. وعشان كده، أمجد وزّ الحاجة دولت وأحمد إنهم يضغطوا عليكي عشان تتنازلي عن الشقة، عشان تروح لريهام، وبالتالي تبقى تحت إيد حسام وأمجد!
### المواجهة الأخيرة في مكتب النيابة
اللواء محمود مسمحش للقصة إنها تنام. في أقل من ساعتين، وبأمر مباشر من النيابة العامة، تم استدعاء “حسام” من محبسه على ذمة قضية الشيكات، وجابوا أمجد علوان من عربية الترحيلات قبل ما تتحرك بيه على سجن طره، عشان تتعمل مواجهة ثلاثية أخيرة قدام مروة وكريم واللواء محمود.
الأوضة في النيابة كانت هادية وجوّها مشحون. حسام كان قاعد مكلبش، وشه في الأرض والندم بياكله، وجنبه أمجد علوان اللي كان باصص لمروة بغل وحقد وعارف إن نهايته كتبت على إيد البنت دي.
مروة قربت من حسام وبصتله بحزن:
— ليه يا حسام؟ أنا كنت بدافع عنك.. كنت بقول إنك غلبان ووقع تحت إيد عيلة معندهاش رحمة.. تطلع إنت وأمجد علوان بتخططوا عشان تاخدوا شقتي وتستغلوا غباء أحمد وأمه؟
حسام رفع عينه والدموع نازلة منها:
— أنا آسف يا مروة هانم.. والله العظيم أنا كنت مجرد آلة في إيد أمجد علوان. لما بنى العمارة دي، أجبرني أمضي على عقود وشراكة وهمية عشان يهرب فيها بضاعته. ولما اتجوزت ريهام، لقيت أمها وأخوها طماعين وجم لغايت عندي، أمجد قالي “إحنا هنسيبهم يعملوا الشغل القذر بالنيابة عنا”. هما اللي هيعذبوكي ويضغطوا عليكي، ولما تتنازلي للشقة لاسم ريهام، أمجد كان هياخد الشقة مني بعقود قديمة أنا ماضي عليها. أنا مكنتش عايز أئذيكي.. أنا كنت خاف على روحي من أمجد!
أمجد علوان تف في الأرض وزعق بعصبية:
— إخرس يا روح أمك! إنت اللي جيت وراكع عشان الفلوس!
وإلتفت لمروة وقال وعينيه مليانة شر:
— وأنتي يا بنت السيوفي.. فاكرة إنك كسبتي؟ الشقة دي هدت ممتلكاتها هتروح للدولة لأنها مبنية بفلوس غسيل أموال، يعني برضه مش هتشوفيها، وكل اللي عملتيه ده مش هيرجعلك صحتك ولا الأيام اللي وقفتيها تحت الشمس!
مروة وقفت بكل ثبات وفخر، وبصت لأمجد علوان من فوق لتحت بابتسامة نصر هزت كيانه:
— الشقة تولع يا أمجد.. العقارات بتروح وتيجي بفلوسي وشقايا. أنا مكنتش بحارب عشان حتة طوب بـ 7 مليون جنيه.. أنا كنت بحارب عشان كرامتي.. عشان الوجع اللي عيشتهوني إنت وعصابتك. العمارة والشقة لو راحت للدولة، فده حق بلدي وأنا أول واحدة هكون فرحانة.. المهم إنك إنت والكلاب اللي معاك هتعفنوا في السجن بقية عمركم!
وكيل النيابة خبط القلم على المكتب:
— اكتب يا ابني.. تقيد الأوراق ويضاف المتهم “حسام الدين” كمتهم خامس في قضية غسيل الأموال والاشتراك في النصب والابتزاز، والتحفظ على العقار بالكامل لصالح خزينة الدولة.
### الحساب النهائي: وراء الأسوار
مرت الأيام، وبدأت الأحكام تتنفذ بحسم وقسوة.
في سجن القناطر للسيدات..
كانت الحاجة دولت قاعدة في ركن العنبر، لابسة الجلابية الزرقا، شعرها اللي كان بتصرف عليه آلاف الجنيهات بقى كله أبيض ومنكوش. إيديها اللي كانت مليانة دهب بقت ناشفة وبتترعش من قلة الأكل والتفكير. مكنتش بتسمع غير صوت المؤذن وصوت الحارسات وهم بيزعقوا.
كل ليلة كانت بتقفل عينيها وتفتكر منظر مروة وهي مربوطة في عمود الحديد، وبتسمع صوت نفسها وهي بتقولها “امضي وإلا هتموتي هنا”. دولت كانت بتصرخ في ضلمة الليل وتقول:
— “يا رب سامحني.. النار بتاكل في صدري.. البت ذنبها بيخلص مني في الدنيا قبل الآخرة!”
وجنبها في عنبر المستشفى بتاع السجن، كانت ريهام ولدت ابنها.. طفل بريء اتولد ورا القضبان، ملوش ذنب في الدنيا غير إن أمه وجدته كانوا طماعين ومعندهمش رحمة. ريهام كانت بتبكي وهي حاضنة ابنها وتشوفه بيكبر وسط أسوار السجن، وعرفت إن طمعها في شقة 7 مليون جنيه، كلفها حريتها، وشرفها، ومستقبل ابنها اللي هيعيش حياته وأمه مسجونة بتهمة تعذيب وسرقة.
أما في سجن طره..
أحمد عبد الرحمن كان قاعد على الكرسي المتحرك في زنزانته. الحروق اللي في جسمه سابت تشوهات م بتموتش، بقت بتفكره كل يوم باللي عمله. شركته اتقفلت وبقت مديونة، وفيلته في التجمع اتباعت في المزاد العلني لتسديد ديون الدولة والتعويضات اللي حكمت بيها المحكمة لمروة.
أحمد كان بيبص للحبل اللي متركب في ستارة الزنزانة، ندمان لدرجة الموت، بيتمنى لو الزمن يرجع بيه يوم واحد.. كان هيبوس تراب رجل مروة اللي صانته وحمته، لكن الندم مبيصلحش اللي انكسر.
وفي العنبر التاني، أمجد علوان كان بيقضي أول أيام المؤبد، محبوس في زنزانة ضلمة، معزول عن العالم، فلوسه اللي في سويسرا اتجمدت للأبد ومبقاش معاه حتى تمن سيجارة يشربها، وضاع اسم “الحوت” وبقى مجرد نمرة على بدلة زرقا.
### شروق جديد ونهاية العاصفة
بعد مرور ستة أشهر على الحادثة..
الشمس كانت طالعة دافية وجميلة في جنينة فيلا اللواء محمود السيوفي في مصر الجديدة. الجنينة كانت مليانة ورد وشجر، ومفيش فيها أي أعمدة حديد ولا حبال.. مكنش فيها غير صوت ضحك وصوت حياة جديدة.
مروة كانت قاعدة على كرسي هزاز، لابسة فستان أبيض رقيق، آثار الحروق والشمس من على وشها وجلدها راحت تماماً بفضل العلاج، ورجعت مروة البنت الجميلة، القوية، الصافية زي ما كانت وأحسن. كانت ماسكة كتاب بتقراه وبتشرب قهوتها بهدوء ونفس راضية.
قرب منها أبوها اللواء محمود، وهو لابس لبسه المدني الشيك، وماسك في إيده ملف أوراق. قعد جنبها وباس راسها بحنان:
— صباح الخير يا قلب أبوكي.. عاملة إيه النهارده؟
مروة ابتسمت وحطت الكتاب على التربيزة:
— صباح النور يا بابا. أنا بخير طول ما أنا في حضنك وتحت جناحك. أنا حاسة إن روحي رجعتلي تاني.
محمود السيوفي حط الملف قدامها:
— امضي يا مروة.
مروة ضحكت بخوف بسيط وداعبته:
— لاء يا بابا.. كلمة “امضي” دي بقت بتعملي فوبيا!
اللواء محمود ضحك من قلبه وطبطب على إيدها:
— لاء يا بنتي، المرة دي غير.. دي أوراق شركتك الجديدة للاستشارات القانونية وإدارة الأعمال. أنا وكريم جهزنالك كل حاجة، والمقر في أرقى حتة في التجمع الخامس.. عشان تلفي الأيام وتثبتي لكل الناس إن بنت محمود السيوفي بتقوم من وسط الرماد أقوى وأكبر، وإن اللي حاولوا يكسروكي، هما اللي انكسروا تحت رجليكي.
دموع الفرحة لمعت في عيون مروة، مسكت القلم وبصت للأوراق، ومضت بخط عريض وواثق.
كريم أخوها دخل الجنينة وهو شايل علبة شوكولاتة كبيرة وبيصفر بفرحة:
— مبروك يا سيادة الدكتورة! الشركة الجديدة جاهزة، وأحب أقولك إن من بكره الصبح، اسم “مروة السيوفي” هيكون هو الاسم الأهم في السوق، والكل هيعرف إنك مش بس رجعتي حقك، إنتي قفلتي كتاب الماضي ورميتيه في الزبالة.
مروة قامت وقفت، وحضنت أبوها وأخوها، وبصت للسما وشافت الشمس دافية وبتنور طريقها الجديد. حست إن الوجع والعذاب والتلات أيام اللي عاشتهم تحت الشمس الحارقة، مكنوش نهاية حياتها.. دول كانوا الولادة الجديدة ليها. عرفت إن العدالة ممكن تتأخر، لكنها بتيجي زي الفجر، بتمسح الضلمة وتنور قلوب المظلومين، وبتسيب الظالمين في رماد عمايلهم.
**تمت بحمد الله.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *