حصاد الايام حكايات مني السيد ج 2 والاخـير

## الفصل الثالث: حصاد الأيام
مرت ثلاثة أشهر على ذلك اليوم المشهود في صالة البنك. ثلاثة أشهر تحولت فيها جدران بيتنا الصغير من ساحة للقلق والترقب إلى محراب من السكينة، وإن كانت سكينة مشوبة برائحة الأدوية وصوت أنفاس أبي المتعبة.
المال الذي كان سامح يبعثره على مظاهره الخادعة وساعاته الغالية، عاد أخيراً إلى صاحبه الأصلي. لم نعد نحمل همّ كيس الحفاضات، ولا أنبوبة الأكسجين التي كانت تنفد في منتصف الليل لتتركني في رعب حقيقي. استأجرتُ “أم أحمد”، وهي سيدة طيبة في الخمسينيات من عمرها، لتقيم معنا بشكل شبه دائم، تساعدني في تقليب أبي وتنظيفه وتجهيز طعامه المهروس، لكي أستطيع الذهاب إلى المخبز فجراً وأنا مطمئنة البال.
لكن، كما يقولون، أمواج الحياة لا تهدأ تماماً. فبقدر ما استقر حالنا المادي والصحي، بدأت العواصف تهب من اتجاه آخر لم أكن أتمناه، ولكنه كان حتمياً.
### أصوات من الماضي
في مسائيات الصيف الهادئة، كنت أجلس بجوار سرير أبي، أمسك بيده الخشنة التي حفرت فيها قضبان السكة الحديد شقوقاً لا تمحوها الأيام. كان يبدو هادئاً، يتابع بعينيه حركة مروحة السقف وكأنه يرى فيها ذكريات قديمة لا نراها نحن.
وفجأة، قطع هذا الهدوء رنين جرس الباب بعنف.
فتحتُ لأجد زوجة سامح، “هناء”، تقف وعلى وجهها علامات الغضب والإنكسار في آن واحد. لم تنتظر أن آذن لها بالدخول، بل دفعت الباب ودخلت الصالة وهي تصيح:
— “عاجبك كده يا نادية؟ ارتحتي؟ سامح بقاله تلات شهور في الحبس الاحتياطي على ذمة القضية، والشغل رفدوه، والناس بتاكل وشنا في المنطقة! كل ده عشان كبشة فلوس؟”
نظرتُ إليها ببرود افتقدته لسنوات طويلة، وأشرت لها بيدي أن تخفض صوتها:
— “وطي صوتك يا هناء، الحاج محمود نايم جوه. والكبشة الفلوس اللي مش عاجباكي دي، هي اللي منعت عن الراجل العجوز ده ذل المرض والجوع. سامح ما سجنوش حد، سامح سجن نفسه يوم ما مد إيده على شقى أبوه وهو مش دريان بالدنيا.”
انفجرت هناء بالبكاء، وجلست على أقرب مقعد:
— “يا نادية، إحنا بنتبهدل. المحامي بيقول إن القضية لبساه لبساه، والمدير بتاع البنك والظباط شهدوا ضدّه، وفي كشوفات سحب وتزوير توقيع. لو القضية راحت المحكمة الجنائية هياخد حكم مش أقل من تلات سنين. أنا عندي عيال وعايزة أربيهم، سامح غلط، بس مش لدرجة إنه يضيع!”
أحسست بغصة في حلقي. لستُ شريرة، ولم أكن يوماً من هواة الانتقام. سامح في النهاية أخي، من دمي، وكنت أتذكر كيف كنا نلعب معاً في حوش بيتنا القديم وأبويا يرجع من وردية الليل شايل لنا أكياس غزل البنات. لكنني تذكرت أيضاً صورته وهو يجر الكرسي المتحرك كأنه يجر شوال بطاطس، تذكرت جحوده ونظرة الاستعلاء في عينيه وهو يقول لي: “الراجل أصلاً مش حاسس بحاجة”.
قلت لها بحسم:
— “سامح لازم يتعلم إن الله حق. الفلوس اللي سحبها وظلم بيها أبوه لازم يرجعها للحساب، ده شرطي الوحيد عشان أفكر أروح للنيابة وأقدم تنازل بصفتي الوصية القانونية على بابا.”
صرخت هناء:
— “نجيب منين؟ ده صرف الفلوس كلها على لبسه وعلى قسط العربية الجديدة اللي سحبها!”
— “يبيع العربية، يبيع الساعة، يتصرف… زي ما كان بيسيبنا نلف حوالين نفسنا عشان تمن قطرة العين، يلف هو كمان عشان ينجي نفسه من السجن.”
### زائر في الليل
غادرت هناء وهي تندب حظها، وعدت أنا إلى غرفه أبي. كان قد استيقظ على صوت الصياح. نظرت في عينيه، فوجدتهما مليئتين بدموع صامتة. هل كان يفهم؟ هل وصل إلى مسامعه اسم “سامح”؟
انحنيت عليه ومسحت دموعه بطرف شالي:
— “مالك يا غالي؟ إيه اللي مبكيك؟”
نظر إليّ طويلًا، ثم قال بصوت متحشرج ولكنه واضح هذه المرة، وضوحاً أرعبني:
— “سامح فين يا نادية؟”
تسمرت في مكاني. أبي لم ينطق باسم سامح منذ شهور. كان دائماً يسميه “الراجل اللي بيجي ياخدني” أو يظنني أمه. لكن الآن، تنبه عقله فجأة لثوانٍ معدودة.
بلعت ريقي وقلت:
— “سامح… مسافر يا بابا. مسافر في شغل.”
أغمض عينيه ببطء، وهز رأسه وقال بصوت خافت:
— “سامح واد شقي… بس أنا بحبه. ما تقسيش عليه يا بنتي… لما القطر يوصل، خليه يركب معانا.”
نزلت كلماته على قلبي كالجمر. هذا هو الأب. حتى وهو في قمة عهده مع المرض والنسيان، حتى وهو يُسرق ويُهان، يظل قلبه يتسع للابن العاق. نمت ليلتها بجوار سريره وأنا أبكي، أسأل نفسي: هل أنا قاسية؟ هل أخطأت عندما نصبت له الفخ في البنك؟ ولكن عقلي كان يجيبني في كل مرة: “لو لم تفعلي، لكان أبوكِ الآن بلا دواء وبلا كرامة”.
### في ساحة المحكمة
بعد أسبوعين، جاء موعد الجلسة. كانت هناء قد تمكنت من بيع السيارة المستعملة وسددت جزءاً كبيراً من المبلغ المنهوب في حساب أبي البنكي، وجاءتني بإيصال الإيداع وهي مكسورة الخاطر.
في صباح ذلك اليوم، لبست عباءتي السوداء، وأخذت معي ملف الأوراق القانونية، وتوجهت إلى المحكمة. كانت المرة الأولى في حياتي التي أدخل فيها هذا المكان. ممرات ضيقة، وجوه شاحبة، ومحامون يهرولون بأوراقهم.
وقفت أمام قاعة الجلسات، حتى نادى حاجب المحكمة:
— “القضية رقم…. جنح مستأنف… المتهم سامح محمود عبد الرحمن!”
دخلت القاعة. كان سامح يقف في قفص الاتهام. يا للهول! كيف تبدل الحال؟ الشاب الوسيم، صاحب العطور الفاخرة والساعة الذهبية، كان يقف بذقن نابتة، وقميص أبيض مجعد، وعينين غائرتين يملأهما الرعب والخزي. نظر إليّ من وراء القضبان الحديدية، ولم أجد في عينيه تلك النظرة المتكبرة، بل وجدته يرجوني بنظراته كطفل ضل طريقه.
تقدمتُ أمام منصة القاضي. نظر المستشار في الأوراق ثم نظر إليّ وقال:
— “أنتِ الأستاذة نادية، الوصية القانونية على المجني عليه؟”
— “نعم يا فندم.”
— “المتهم ماثل أمامنا بتهمة خيانة الأمانة والاستيلاء على أموال قاصر بحكم الحجر والتزوير. هل لديكِ أقوال أخرى؟”
نظرت إلى سامح، ثم تذكرت وصية أبي في تلك الليلة: *”ما تقسيش عليه يا بنتي… لما القطر يوصل خليه يركب معانا”*. تذكرت أن والدي عاش طوال عمره شريفاً، ولا يليق بتاريخه أن يبيت ابنه في السجون إذا كان هناك مجال للإصلاح.
قلت بصوت ثابت ولكن حزين:
— “يا سيادة القاضي، المتهم هو أخويا، والفلوس اللي استولى عليها تم ردها بالكامل للحساب البنكي الخاص بوالدي، ومعايا إيصال السداد. وأنا بصفتي الوصية القانونية، أتقدم بالتنازل عن الشق المدني والجنائي في القضية، حرصاً على صلة الرحم، ورغبة من والدي نفسه الذي لا يعلم بحبس ابنه حتى الآن.”
صمتت القاعة للحظات. نظر القاضي إلى سامح ثم وجه له حديثاً لاذعاً كالسياط:
— “يا سامح… أنت وقفت في هذا القفص لأنك افتقدت لأعظم معنى للإنسانية. أبوك اللي شقي عشان يكبرك، تخليه ماكينة فلوس؟ لولا أن أختك تملك قلباً كقلب أبيك، لكان مكانك اليوم وراء الشمس. المحكمة ستأخذ بالتنازل، ولكن ليكن هذا درساً لك طوال حياتك.”
حكمت المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح، وإخلاء سبيل المتهم من سراي المحكمة.
### نهاية الرحلة
خرج سامح من قفص الاتهام. ارتمت زوجته في حضنه وهي تبكي، أما هو، فجاء نحوي بخطوات ثقيلة. انحنى على يدي يحاول تقبيلها وهو يبكي بحرقة:
— “سامحيني يا نادية… أنا كنت أعمى. الفلوس والمظاهر عمتني عن أغلى حاجة في حياتي.”
سحبت يدي بهدوء وقلت له:
— “مش أنا اللي تسامحني يا سامح. اللي لازم تسامحه هو الراجل اللي نايم في البيت ومش فاكر اسمك، بس فاكر إنه بيحبك. تعالي معايا.”
عدنا معاً إلى الشقة. عندما فتحنا الباب، كانت رائحة البخور تملأ المكان، وأم أحمد تجلس بجوار أبي تقرأ القرآن بصوت عذب.
دخل سامح الغرفة بخطوات مرتعشة. سقط على ركبتيه بجوار السرير، وأمسك بيد أبي وقبلها وهو ينتحب بصوت مكتوم:
— “بابا… أنا سامح… أنا جيت يا بابا.”
فتح الحاج محمود عينيه ببطء شديد. نظر إلى سامح لفترة طويلة، وكأن عقله يحاول تجميع جزيئات الصورة المبعثرة. ثم، و بمعجزة إلهية، امتدت يده الأخرى المرتعشة، ووضعتها فوق رأس سامح، وبأصابعه الضعيفة مسح على شعره.
ولم ينطق بكلمة واحدة، بل ابتسم ابتسامة خفيفة، والتفت بنظره نحو النافذة حيث كانت الشمس تغيب، مصدراً صوتاً خفيفاً يشبه صفير القطار الراحل.
عرفتُ في تلك اللحظة أن القطر قد وصل فعلاً إلى محطته الأخيرة، وأن أبي، الحاج محمود، رجل السكة الحديد الذي هز صوته المحطات يوماً ما، قد سلم تذكرته الأخيرة وهو مستور الكرامة، محاطاً بأولاده، تاركاً خلفه درساً في العدالة والرحمة لن ينساه سامح ما عاش.

