أهـلي عامـلوني كخـدامة ببـلاش ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

أنا أهلي عاملوني كخدامة ببلاش… لحد ما اكتشفت إن ميراثي بيتصرف باسمي من سنين

كل اللي فاكراه إني كنت واقفة الصبح بدري بغسل المواعين، وإيديا مشققة من كتر المية والصابون السايل، لما دخلت ندى أخت جوزي المطبخ، رمت شنطتها على السفرة وقالت لي من غير ما تبصلي حتى:
— متنسيش تكويلي الفستان الكحلي، عشان خارجة النهارده مع صحابي.
ماكانش طلب.. ده كان أمر. وأنا.. هزيت راسي وسكت.
اسمي هبة السيد. عايشة في بيت قديم بحارة شعبية في القاهرة، بيت مش بيتي، رغم إني عشت فيه أكتر من أي حد. البيت ده ملك عيلة جوزي أحمد، أو ده اللي بيقولوه يعني. لكن الحقيقة إن أنا اللي بطبخ، وأنضف، وأرعى حماتي العيانة، وأستحمل التهزيق والإهانات وكأنه الطبيعي بتاع كل يوم.
في نفس اليوم، كانت حماتي (أم أحمد) قاعدة في الصالة، وفجأة زعقت بأعلى صوتها:
— يا هبة! هو إنتِ كل مرة هتبوظي الطبخ؟ الأكل مالح كده ليه؟
بلعت ريقي وقلت لها بالهداوة:
— معلش يا طنط، هبقى آخد بالي المرة الجاية.
— المرة الجاية! ما هو ده كِلامك كل مرة.
أحمد جوزي كان قاعد على الكنبة وماسك موبايله، ما رفعش عينه حتى من الشاشة ولا فكر يدافع عني.. وده كان العادي بتاعه.
اللي محدش كان عارفه، أو بمعنى أصح كله بيعمل نفسه مش واخد باله منه، إني سبت شغلي كمحاسبة من ست سنين عشان أقعد أخدم حماتي بعد ما جاتلها جلطة في القلب. ست سنين كاملة من غير مرتب، من غير راحة، ومن غير حياة. وقتها أحمد قال لي: “ده واجبك.. إحنا أهل”.
“أهل”.. دي أريح كلمة بتتقال لما حد يعوز يشيلك الشيلة كلها لوحدك.
على العصر كده، وأنا بكنس الحوش الصغير، سمعت ضحك عالي جاي من الصالة. ندى وجوزها كريم كانوا بيتكلموا، وكريم بيقول وهو بيضحك:
— بصراحة هبة طلعت لقطة وصفقة ممتازة.. لا بتطلب ولا بتشتكي، وبتعمل كل حاجة.
ندى ضحكت وقالت له:
— أمي عرفت تربيها كويس على الطاعة.
والاتنين قعدوا يضحكوا.. وأنا فضلت أكنس.. عشان لو وقفت ثانية واحدة وقتها، كنت هنهار.
بالليل، حصل السيناريو المعتاد.. حماتي طلبت مني أدلك لها رجليها:
— اضغطي جامد شوية.. حتى دي مش فلوحة فيها!
في اللحظة دي دخل أحمد الأوضة وقال:
— يا أمي سبيها ترتاح شوية.
حسيت للحظة إن فيه أمل، بس الأمل ده مات في ثانية لما حماتي ردت ببرود:
— ترتاح إيه؟ دي مخلوقة عشان تخدم.
أحمد اتنهد وخرج من الأوضة من غير ما ينطق بكلمة تانية.. وأنا كملت وإيديا بتترعش.
تاني يوم الصبح حصلت حاجة شقلبت كل الموازين. ماكانش حدث كبير، كان مجرد جواب.. مظروف أبيض جابه البوستاوي. ندى خطفته من إيده قبل ما يوصلي، بصت فيه وقالت:
— إيه ده؟
— معرفش.. شكله حاجة مهمة.
بس هي كانت فتحته خلاص، وشفت ملامح وشها بتتغير.. فضول، بعده استغراب، وبعدين خوف.. خوف حقيقي! قفلت المظروف بسرعة وقالت:
— ده مش ليكي.
— إزاي مش ليا؟ ده مكتوب باسمي!
رجعت لورا وقالت:
— هتديه لماما.
ومشيت وسابتني من غير ما تفهمني حاجة.
في الليلة دي البيت كله كان هسس، ساكت بشكل يقلق. حماتي ما زعقتش، ندى كانت متوترة، وأحمد كان بيهرب من عيني. كان فيه حاجة غلط، وأنا حسيت بيها. لحد ما سمعتهم بيتوشوشوا في الصالة بصوت واطي ومخطوف.
ندى قالت:
— ماينفعش تعرف باي شكل.
أحمد رد عليها:
— خلاص.. الورق وصل.
— ولو عرفت موضوع الميراث؟
قلبي وقع في رجلي.. ميراث؟ ميراث إيه اللي بيتكلموا عنه؟
قربت من الباب براحة، وسمعت حماتي بتقول:
— هي ماتعرفش حاجة.. ولازم تفضل كده.
سكتوا شوية، بعدين أحمد قال:
— يا أمي.. دي عدت سنين، والفلوس كلها اتسحبت خلاص.
جسمي كله تلج في مكاني. ندى قالت:
— كان لمصلحتها.
— ولو سألت؟
حماتي ردت ببرود يوقف الدم في العروق:
— هنقول لها الحقيقة اللي إحنا عايزينها تصدقها.
رجعت أوضتي وأنا مش قادرة آخد نفسي. طول الليل عيني ما غفلتش، لأول مرة من سنين ما فكرتش في الغسيل ولا الطبيخ، فكرت في كلمة واحدة بس: “ميراث”.
مع أول ضوء للصبح، خرجت الصالة ولقيت المظروف مرمي على الترابيزة.. مفتوح وفاضي، بس كان فيه صورة مستند جوه. مسكته وقريت أول سطر:
*”صندوق استثماري باسم هبة السيد عبدالعال…”*
اسم أمي.. الاسم اللي ما استخدمتوش من وأنا عيلة صغيرة. كملت قراية.. حسابات بنكية، تحويلات، وسحوبات مستمرة بقالها سنين! وفي خانة الوصي القانوني: *”فاطمة عبدالعال”*.. اسم أمي اللي قالوا لي إنها ماتت وأنا عندي 16 سنة!
الورقة وقعت من إيدي وأنا مش قادرة أستوعب، بس الصدمة الأكبر كانت في آخر الصفحة:
*”تم سحب كامل المبلغ بواسطة الوصي القانوني قبل 72 ساعة.”*
72 ساعة؟ إزاي؟ وأمي ميتة! يبقى مين اللي كان بيقبض فلوسي طول السنين دي كلها؟
في اللحظة دي سمعت خروشة ورايا. لفيت لقيت أحمد واقف باصصلي.. من غير ما يتفاجئ، ومن غير ما يحس بالذنب، كأنه كان مستني اللحظة دي. قال بصوت هادي:
— يا هبة.. لازم نتكلم.
حضنت الورقة في صدري وقلت له وأنا بصوت مخنوق:
— فهمني إيه ده؟
بص للأرض وقال:
— الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة خالص.
ضحكت ضحكة مكسورة مليانة وجع:
— أمال إيه؟ فهمني!
قبل ما ينطق، باب الشقة اتفتح ودخلت حماتي. شافت الورق في إيدي، ولأول مرة من ست سنين ما زعقتش.. قالت بس:
— يعني عرفتي.
وقتها فهمت إن الكدبة دي مش جديدة، دي عمرها من عمر حياتي كلها. بس اللي جه بعد كده كان الصدمة الكبيرة. قربت مني وحطت مظروف تاني على الترابيزة وقالت:
— لسه فيه حاجة أهم لازم تشوفيها.
فتحت المظروف، ولقيت اسمي مكتوب تاني، بس المرة دي ماكانش ورق ميراث.. ده كان عقد كفالة قديم، وجنب اسم الأب القانوني ماكانش اسم أبويا الحقيقي.. كان اسم أحمد جوزي!
الدنيا لفت بيا وحماتي همست في ودني:
— إنتِ مش الشخص اللي فاكرة نفسك عليه يا حبيبتي.
أحمد قرب خطوة وقال الجملة اللي هدت كل حاجة:
— إنتِ مش مجرد بنت أم متوفية يا هبة.. إنتِ الوريثة الوحيدة لكل أملاك العيلة دي!
السكوت كان مرعب، وقبل ما أسأل أو أصرخ أو حتى أستوعب اللي بيحصل.. باب الشقة اتفتح تاني، ودخل راجل في الخمسينات، لابس بدلة وفي إيده شنطة مستندات. أول ما شافني وقف مكانه وقال:
— أخيرًا لقيتك.. إحنا جايين من المحكمة.
بص للورق اللي في إيدي، وبعدين قال الجملة اللي شقلبت كياني كله:
— يا أستاذة هبة.. والدتك مماتتش.. هي عايشة، وعمرها ما بطلت تدوّر عليكي، ودلوقتي جاية تسترد حقها.. وحقك كله!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *