حصاد الايام حكايات مني السيد ج 2 والاخـير

## الفصل الرابع والأخير: المحطة الأخيرة والعهد الجديد
لم تكن تلك الابتسامة الخفيفة التي ارتسمت على شفتي الحاج محمود وصوت الصفير الخافت الذي يشبه قطارات زمنه الجميل مجرد عَرَض عابر، بل كانت إشارة الرحيل الزكية. في تلك الليلة، وتحديداً بعد صلاة الفجر بساعة واحدة، وبينما كانت أنوار الفجر الأولى تتسلل من بين شقوق النافذة الخشبية لتلقي بظلالها الدافئة على جدران الغرفة، صعدت روح الحاج محمود إلى بارئها.
صعدت روحه في هدوء تام، هدوء لم نعتده في سنوات مرضه الأخيرة التي ضجت بصوت أنفاثه المتعبة ونحيب ذكرياته المفقودة. مات وهو ممسك بيدي اليمنى، بينما كانت يده اليسرى ما زالت تستقر فوق رأس سامح، الذي نام على الأرض بجوار سرير أبيه كطفل صغير خائف من ظلمات الليل.
عندما انقطع صوت أنفاسه تماماً، وساد الصمت في الغرفة، أدركتُ فوراً أن الرحلة قد انتهت. لم أصرخ، ولم ألطم خدي، بل انحنيتُ وقبّلت جبينه العريض البارد، وأغمضت عينيه بيدي اللتين ارتجفتا للمرة الأخيرة. أصلحت غطاءه، ثم التفتُّ إلى سامح وهززت كتفه برفق:
— “قوم يا سامح… صحي بابا… القطر وصل المحطة الأخيرة، والحاج محمود نزل.”
فزع سامح من نومه، ونظر إلى وجه أبي المسترخي الأبيض كالثلج. وضع يده على صدره يبحث عن نبضة واحدة، وعندما لم يجد، انفجر في بكاء مرير هز أركان البيت الصغير. كان بكاءً مختلفاً عن بكاء الخوف في قاعة المحكمة؛ كان بكاء الندم والابن الذي أدرك فداحة ما خسره في اللحظات الأخيرة.
### جنازة تليق برجل السكة الحديد
رغم أن أبي غاب عن محطة السكة الحديد منذ سنوات طويلة بسبب المعاش والمرض، إلا أن خبر وفاته انتشر كالنار في الهشيم. في غضون ساعات قليلة، امتلأ الشارع الضيق الذي نعيش فيه بوجوه لم أرها منذ زمن. جاء زملائه القدامى، رجال السكة الحديد الذين غزا الشيب رؤوسهم وانحنت ظهورهم، ولكنهم جاءوا بملابسهم الرسمية وبقايا الشحم ما زالت تزين أطراف أصابعهم تقديراً لـ “الحاج محمود” الذي كان يوماً ما كبيراً لعمال الورش.
وقف سامح في عزاء أبيه يتقبل العزاء والدموع لا تجف من عينيه. كان يرتدي جلباباً أسود بسيطاً، متخلياً عن ساعته الغالية وهاتفه الحديث الذي طالما تفاخر بهما. لم يعد ذلك الشاب “المتمنظر”، بل بدا مكسوراً، يرجو دعوة صالحة من أي شيخ يدخل العزاء لعلها تخفف عنه وطأة ذنبه.
جاء إليّ أحد زملاء أبي القدامى، رجل عجوز يدعى “عم عبده”، وقال لي وعيناه تفيضان بالدموع:
— “البقاء لله يا نادية يا بنتي. أبوكي الحاج محمود كان راجل وبطل. فاكر لما كان يدخل المحطة بصوته الجهوري، كنا كلنا نتصلح. كان يقطع لقمته من بقه ويديها للغلبان. عاش شريف ومات مستور، وده أكبر ورث سابهولكم.”
نظرت إلى سامح وهو يقف بعيداً، يوزع الماء على المعزين وينحني برأسه لكل من يواسيه، وقلت لعم عبده:
— “الحمد لله يا عم عبده… مات وهو مستور، وكرامته مصونة، وده كان كل اللي بتمناه من الدنيا.”
### فض المغاريم وأسرار الصندوق القديم
بعد انقضاء أيام العزاء الثلاثة، عاد الهدوء الحزين ليخيم على البيت. كانت الشقة تبدو متسعة وموحشة بدون كرسيه المتحرك وأنفاسه. جلست أنا وسامح وزوجته هناء في الصالة، ولم يكن بيننا كراهية، بل كان هناك حزن مشترك وعهد صامت بالتغيير.
أخرج سامح من جيبه دفتراً صغيراً، وهو نفس الدفتر الذي كان يسجل فيه سحوباته الخفية، ووضعه أمامي على الطاولة وقال بصوت خافت:
— “نادية… أنا عارف إن المحكمة انقضت بالتصالح، وعارف إن هناء ردت الفلوس اللي كانت في البنك بعد ما باعنا العربية. بس أنا بيني وبين ربنا مش هكون مرتاح ولا هحس إن ذنبي خف غير لما أسددلك كل مليم صرفتيه على بابا من شقاكي في المخبز طول السنين اللي فاتت. أنا اتفقت مع ورشة ميكانيكا كبيرة هشتغل فيها ورديتين، وفلوس بابا اللي رجعت البنك مش هلمس منها مليم، دي هتقعد باسمك أنتِ وبس.”
نظرت إليه ووجدت في عينيه صدقاً لم أعهده فيه من قبل. خففت حدة صوتي وقلت له:
— “الفلوس تروح وتيجي يا سامح. المهم إنك عرفت قيمتك وقيمة أبوك. الفلوس اللي في البنك دي مش حقي ولا حقك، دي كانت بركة بابا في البيت، وإحنا هنشيلها للزمن ولعيالك وعيالي لو احتجنا.”
قامت هناء وأحضرت صندوقاً خشبياً قديماً وصغيراً كان أبي يضعه دائماً أسفل سريره، ولم يكن يسمح لأحد بفتحه.
— “يا نادية، الحاج محمود كان سايب الصندوق ده، وأم أحمد قالت لي إنه وصى قبل ما يغيب عقله تماماً إن الصندوق ده يتفتح بعد ما يموت وبحضورك أنتِ وسامح.”
أمسكت بالصندوق، وكان مغلقاً بقفل حديدي قديم صدئ. بحثت في سلسلة مفاتيح أبي القديمة حتى وجدت المفتاح الصغير. فتحت القفل ورفعنا الغطاء ببطء، وتصاعدت منه رائحة أوراق قديمة و”نفتالين”.
لم نجد في الصندوق ذهباً ولا أموالاً طائلة، بل وجدنا تاريخ رجل.
كان هناك:
* ساعة جيب فضية قديمة متوقفة عقاربها عند الساعة الخامسة (موعد ورديته الأولى في السكة الحديد).
* خطابات شكر من هيئة السكة الحديد لكفاءته وأمانته.
* مجموعة من الصور القديمة لسامح ولي وأميرتنا الراحلة أمنا، وصورة خاصة لسامح يوم تخرجه من الجامعة، كانت الصورة مجعدة وممسوحة الأطراف من كثرة ما قبلها أبي ولمسها بيديه الشحمتين.
وفي قاع الصندوق، كانت هناك ورقة مطوية بعناية فائقة، مكتوبة بخط أبي الواضح والقوي الذي يعود لثلاثين سنة مضت. فتحها سامح وقرأها بصوت متقطع وخناجره الدموع تمزق حنجرته:
> “بسم الله الرحمن الرحيم..
> أولادي نادية وسامح. لما تقرأوا الورقة دي هكون أنا بقيت تحت التراب وجنب أمكم الغالية. أنا عشت عمري كله شغال باللقمة الشريفة، وما دخلتش بيتي قرش حرام. يا سامح يا ابني، أنا عارف إنك بتحب المظاهر والبس، وعارف إنك ساعات بتشوفني راجل دقة قديمة بجزمتي المقطوعة، بس أنا كنت بعمل كده عشان أشوفك أحسن عريس وأعلمك في نظيف. إوعى يا ابني الدنيا تلهيك عن أختك نادية، نادية دي هي ضهرك وسندك بعد ما أموت، حافظ عليها وعلى كرامتها. ويا نادية يا بنتي، سامح أخوكي الصغير، لو غلط خدي بإيده وسامحيه، الراجل مننا ساعات بيغره شبابه وبيرجع لعقله لما يتهز. أنا مسامحكم في الدنيا والآخرة، ومش عايز منكم غير دعوة صالحة لما تسمعوا صفير القطر.”
>
سقطت الورقة من يد سامح، وارتمى على الأرض يصرخ ويبكي بحرقة وهو يقول:
— “كان عارف… كان حاسس بكل حاجة وعارف إني هغلط في حقه، ورغم كده كتب إنه مسامحني! أنا كنت ظالم يا نادية… أنا كنت ظالم ونذل!”
احتضنته وأنا أبكي معهم. كانت كلمات أبي بمثابة صك الغفران والرحمة الذي غسل كل الأحقاد والدنس من قلوبنا. في تلك اللحظة، مات “سامح الأناني” وولد “سامح الابن والأخ البار”.
### العهد الجديد وبركة المعاش
مرت الأيام والشهور، وتغيرت أحوالنا تماماً. التزم سامح بوعده؛ أصبح يعمل بجد واجتهاد في ورشته، وتغيرت معاملته لزوجته وأولاده، وأصبح يأتي لزيارتي كل يوم جمعة بعد الصلاة، ليس وموبايله في أذنه يشتكي الديون، بل ومعه كيس الخضار والفاكهة، ويجلس في نفس المقعد الذي كان يجلس عليه أبي.
أما معاش الحاج محمود، فقد قررنا أنا وسامح ألا نلمسه لأغراضنا الشخصية. قمنا بفتح حساب خيري باسم “صدقة جارية للحاج محمود عبد الرحمن”، ونصف المعاش يذهب شهرياً لشراء الأدوية والمستلزمات الطبية للعواجيز والمسنين المحتاجين في منطقتنا الذين لا يملكون أولاداً يرعونهم، والنصف الآخر يذهب لمساعدة عمال السكة الحديد المحالين على المعاش والذين يمرون بظروف صحية صعبة.
في يوم من أيام الجمعة، كنا نوزع بعض المساعدات الطبية في المستشفى القريب، ونظرتُ إلى سامح وهو يحمل أنبوبة أكسجين على كتفه ويوصلها لشيخ عجوز راقد على الفراش، ويبتسم في وجهه ويمسح على رأسه بحنو كبير.
اقتربتُ منه ووضعت يدي على كتفه وقلت له:
— “شايف العجوز ده يا سامح؟”
التفت إليّ وعيناه تلمعان بالطمأنينة:
— “شايفه يا نادية… كأني شايف بابا الله يرحمه في كل واحد فيهم. أنا كل ما بخدم واحد منهم، بحس إن بابا باصص عليا من السما ومبتسم.”
### الختام: صفير القطار
أنا الآن أبلغ من العمر 48 سنة. ما زلت أعمل في المخبز، ليس من أجل الاحتياج، بل لأن الشغل الشريف يعطي للحياة معنى، ولأنني اعتدت الاستيقاظ مع الفجر كما كان يفعل أبي.
كلما وقفتُ أمام الفرن وشاهدتُ خيوط الشمس الأولى تشرق، وتناهى إلى مسامعي من بعيد صوت صفير قطار بضائع يمر على القضبان القريبة من منطقتنا، أغمض عينيّ وأبتسم.
لم أعد أشعر بالحزن، ولم أعد أتذكر أبي بمرضه وعجزه والكرسي المتحرك وبلوفره المغلق بشكل خاطئ. بل أتذكره دائماً بصوته الجهوري الذي يهز المحطة، بسندوتشه الملفوف في منديل القماش، وبقلبه الكبير الذي اتسع لخطايانا وسامحنا قبل أن نطلب السماح.
لقد وصل القطار يا بابا… ونزلنا جميعاً في محطة الرضا والأمان. نام مستوراً ومكرماً، وعش خطاياك مغفوراً يا حبيب العمر، فبركتك ما زالت تحرسنا، وذكراك أصبحت النور الذي يضيء لنا عتمة الأيام.
تمت بحمد الله وتوفيقه.
