بـداية غيـث ج الأخير حكايات مني السيد

## الفصل الثالث: ثمار الصبر.. وحصاد الماضي
مرت سنة كاملة على تلك الليلة التي أغلقتُ فيها دفتر الماضي بكل آلامه، ليلة أن أصبحتُ زوجة لكريم. سارت الأيام بيننا كأنها نهر هادئ يغسل كل ما خلفته سنوات العجاف وراءها. لم يكن كريم مجرد زوج، بل كان الأمان الذي تمنيته طوال حياتي، الرجل الذي يفهم صمتي قبل كلامي، والذي يعاملني كأنني أثمن ما يملك في هذا العالم.
كنا قد استقررنا في شقتنا الجديدة، تلك الشقة التي اخترنا كل تفصيلة فيها معًا، امتلأت جدرانها بالضحكات والدفء الذي حرمت منه لسنوات. وفي صباح أحد الأيام، وبينما كنت أعد الإفطار لكريم قبل ذهابه إلى عمله، شعرت بدوار خفيف، تكرر هذا الشعور في الأيام الماضية، لكنني كنت أتغاضى عنه وأظنه مجرد إرهاق من أعمال المنزل.
خرج كريم من الغرفة وهو يرتدي قميصه ويزر أكمامه، ابتسم عندما رآني أضع الأطباق على الطاولة، وقرب مني ليقبل جبيني كعادته كل صباح:
* “صباح الخير يا أجمل حاجة في دنيتي.. مالك يا أمنية؟ وشك شاحب شوية النهاردة، أنتِ تعبانة؟”
حاولت الابتسام لأطمئنه، وجلست على الكرسي:
* “صباح النور يا حبيبي.. لا مفيش، شوية دوار بسيط كالعادة، تلاقيه بس قلة نوم أو إرهاق.”
كريم جلس بجانبي وأمسك بيدي بقلق، ونظر في عيني باهتمام:
* “لا يا أمنية، الموضوع ده تكرر كذا مرة الأسبوع ده. أنا مش هطمن إلا لما نروح للدكتور. إيه رأيك أعدي عليكي بعد الشغل ونروح سوا؟”
أومأت برأسي موافقة، فاهتمامه الخوف الظاهر في عينيه كان دائمًا يثلج صدري. بعد أن غادر كريم، اتصلت بمنة لأستشيرها، فلم تكن مجرد أخت زوجي بل كانت صديقتي الصدوقة التي تشاركني كل تفاصيل حياتي.
* “منة.. أنا حاسة بأعراض غريبة، دوار مستمر وغثيان الصبح.. تفتكري اللي في بالي صح؟”
منة صرخت عبر الهاتف بفرحة عارمة هزت أذني:
* “يا نهار أبيض يا أمنية! بجد؟ طب أنتِ عملتي تحليل منزلي؟”
* “لا، خايفة أتعشم ويطلع مفيش حاجة.”
* “خايفة إيه يا بنتي! أنا جاية لك حالاً، وهجيب معايا التحليل، مش هنسيب كريم يوديكي للدكتور من غير ما نكون عارفين.”
لم تمر نصف ساعة حتى كانت منة تطرق الباب بقوة، وفي يدها حقيبة صغيرة بها الاختبار. دخلت الحمام وأنا أدعو الله بقلب يرتجف، لم أكن أتخيل يومًا أن أرزق بطفل بعد كل ما مررت به مع سامح الذي كان دائمًا يتحجج بتأجيل الإنجاب لأنه لم يكن يرى فيّ زوجة دائمة.
خرجت بعد دقائق، وكانت النتيجة واضحة.. خطان باللون الوردي.
وقفت مكاني والدموع تنهمر من عيني، منة خطفت الاختبار من يدي وصرخت بدموع الفرحة:
* “مبروك يا أمنية! هتبقى أم يا حبيبتي.. وكريم هيبقى أب! يا الله مش قادرة أصدق الفرحة دي!”
ارتميت في حضنها وأنا أبكي، أحمد الله الذي عوضني بصبر الخير خيرًا، ومنحني من رحم المعاناة أملًا جديدًا. اتفقت مع منة ألا نخبر كريم إلا بعد زيارة الطبيب وتأكيد الخبر بالسونار لكي تكون المفاجأة كاملة.
## المفاجأة الكبرى
في المساء، عاد كريم واصطحبني إلى طبيبة النساء والتوليد. كان يجلس في عيادة الطبيب ممسكًا بيدي، ملامحه تنطق بالقلق والخوف من أن أكون مصابة بأي مكروه. عندما دخلنا إلى غرفة الفحص، وطلبت مني الطبيبة الاستلقاء لإجراء السونار، كان كريم يقف بجانبي، يراقب شاشة الجهاز بترقب.
الطبيبة ابتسمت ونظرت إلينا قائلة:
* “ما شاء الله.. مفيش أي تعب ولا حاجة يا أستاذ كريم، المدام حامل في الأسبوع السادس، والنبض واضح وممتاز.”
كريم تجمد في مكانه، نظر إلى الطبيبة ثم نظر إليّ وعيونه اتسعت بصدمة تلتها فرحة لم أرها في وجه رجل من قبل. التفت نحو الشاشة ورأى تلك النقطة الصغيرة التي تنبض بالحياة، التمعت عيناه بالدموع، وانحنى فوقي يقبل يدي ورأسي وهو يهمس بصوت متحشرج من البكاء:
* “الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. أنتِ حامل يا أمنية؟ أنا هبقى أب؟”
أومأت بدموعي، والطبيبة تبتسم وتدعو لنا بالبركة. خرجنا من العيادة وكريم يكاد يطير من الفرحة، لم يتركنى أمشي خطوة واحدة دون أن يسندني وكأنني قطعة من الزجاج الفاخر يخاف عليها من الخدش. اتصل بوالدتي وبوالدته منة، وأصبحت البيوت كلها في حالة احتفال عارم، وكانت أمي تبكي ساجدة لله شكرًا على جبر خاطري.
## السقوط في الهاوية.. لقاء الصدفة المعكوسة
بينما كانت حياتي تزهر بالأمل والدفء، كانت حياة سامح تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، نحو القاع الذي اختاره بنفسه عندما تخلى عن الأصول وباع العشرة.
في أحد الأيام، بعد مرور عدة أشهر على معرفتي بخبر الحمل، كنت في شهري الخامس، وبطني بدأت تبرز بشكل خفيف. خرجت مع والدتي لشراء بعض الملابس الشتوية ومستلزمات الطفل القادم من أحد المولات التجارية الكبيرة. كنا نسير ببطء وأنا أستند إلى ذراع أمي، نضحك ونختار الألوان المبهجة.
وفجأة، توقفت أمي عن الكلام وتيبست نظراتها نحو مكان معين. التفتّ لأرى ما الذي جذب انتباهها، فصعقت مما رأيت.
كان هناك، يجلس على أحد المقاعد الجانبية في الممر.. سامح!
لكنه لم يكن سامح الذي عرفته.. لم يكن ذلك الرجل الأنيق المتعالي المتغطرس الذي كان يغلق المكالمات في وجهي ويفوح منه عطر النساء. كان يرتدي ملابس تبدو قديمة ومستهلكة، وجهه شاحب، وتحت عينيه هالات سوداء عميقة تحكي قصة انكسار وهزيمة. كان يجلس واضعًا رأسه بين يديه، وبجانبه حقيبة أوراق تبدو وكأنها تخص قضايا أو ديون.
حاولت أن أتفادى النظر إليه وأكمل طريقي، لكنه رفع رأسه فجأة والتقت عيوننا.
رأيت في عينيه صدمة صعقته بالكامل عندما رآني. وقف ببطء واقترب منا، كانت خطواته مهزوزة، وعيناه تنقلتا بين وجهي وبين بطني البارزة.
* “أمنية؟” قالها بصوت مبحوح، صوت مكسور لا يكاد يُسمع.
أمي وقفت أمامه كالسد المنيع، ونظرت إليه باحتقار شديد:
* “عايز إيه يا بني آدم أنت؟ جاي وراها هنا كمان؟ ابعد عن طريقنا وبلاش بجاحة.”
سامح لم يرد على أمي، بل ظل ينظر إليّ بنظرة مليئة بالندم والحسرة، وقال بنبرة مرتجفة:
* “أنتِ.. أنتِ حامل؟”
نظرت إليه بثبات، لم أشعر بالخوف، ولم أشعر بالكره، بل شعرت بشيء غريب.. شعرت بالشفقة! الشفقة على إنسان دمر حياته بيده. أخذت نفسًا عميقًا وقلت بهدوء وثقة:
* “الحمد لله.. ربنا رزقني باللي يصونني ويعوضني، وهبقى أم قريب إن شاء الله.”
سقطت دموعة رغماً عنه، وقال بصوت مليء بالمرارة:
* “مبروك يا أمنية.. تستاهلي كل خير. أنا.. أنا اتقصقص ريشي خالص. كاريمان وأهلها مسبونيش إلا وأنا على الحديدة، الشقة اللي كتبتها لها أخدوها بحكم محكمة بعد ما لفوا عليا، والشركة رفدتني بسبب المشاكل والقضايا اللي كانت عليا، ومبقاش حيلتي حاجة.. حتى أمي مقاطعاني ومش راضية تبص في وشي.”
سكت لثوانٍ وكأنه يبتلع غصة في حلقه، ثم كمل:
* “أنا عرفت قيمتك متأخر قوي يا أمنية.. عرفت إن الست اللي بتستحمل وبتصون بيتها هي الكنز الحقيقي، وأنا رميت الكنز ده في الزبالة عشان جريت ورا سراب.. أنا أسف يا أمنية، أسف على كل وجع سببتهولك، وعلى بجاحتي لما جيت أطلب منك الذهب.. أنا كنت أعمى.”
أمي نظرت إليه وقالت بقسوة العدالة:
* “ودلوقتي فتحت؟ بعد ما ربنا جاب حق بنتي تالت ومتلت؟ ذنب أمنية وعياطها بالليل وهي بتدعي عليك هو اللي عمل فيك كده.. ذوق بقى من نفس الكأس!”
بصيت لسامح وقلت بقلب نقي، ليس حباً فيه، بل رغبة في تطهير نفسي تمامًا من أي رابط يربطني بماضيه القاسي:
* “أنا مسمحاك يا سامح.. مسمحاك مش عشانك، عشان طفلي اللي جاي مش عايزة يدخل الدنيا وفيه في قلب أمه ذرة غل أو نكد من الماضي. ربنا يسهلك حالك ويصلحلك نفسك، بس ابعد عن طريقي تمامًا.. أنا دلوقتي عايشة في دنيا تانية خالص، دنيا كلها أمان واحترام.”
اللتفت وأمسكت بذراع أمي ومشيت، تركت سامح واقفًا في مكانه، يبكي على الأطلال التي صنعها بجهله وطمعه، تاركة خلفي آخر فصول الرواية القديمة.
## عاصفة قضائية أدت إلى سلام
بعد ذلك اللقاء بأيام، اتصل بنا الأستاذ مدحت المحامي ليخبرنا أن القضية المرفوعة ضد سامح بخصوص المؤخر والنفقة المتجمدة قد حُسمت تماماً، وأن المحكمة حكمت لنا بكل المستحقات. ونظرًا للحالة المادية المتدهورة لسامح، قام والده (عم سامح) بالتدخل ودفع كل المبالغ المطلوبة كاشفًا للمحامي أنه يفعل ذلك لكي يرفع هذا الذنب عن ابنه ولكي لا يتعرض للحبس، معتذرًا لنا نيابة عن ابنه.
عندما أحضر كريم المبلغ وضعه أمامي على الطاولة:
* “دي فلوسك وحقك الشرعي والقانوني يا حبيبتي.. جم لحد عندك من غير ما تتعبي ولا تدخلي محاكم.”
نظرت إلى الأموال، ثم نظرت إلى كريم، وقلت بابتسامة:
* “الفلوس دي أنا مش هيدخل منها مليم واحد لبيتنا يا كريم.. الفلوس دي كلها هتبرع بيها لمستشفى أطفال أو لدار أيتام بنية إن ربنا يحفظلنا ابننا اللي جاي ويبارك لنا في حياتنا.. أنا مش عايزة من ريحة الماضي ده أي حاجة.”
كريم ابتسم بعيون مليئة بالفخر، واحتضنني بقوة:
* “أنا كل يوم بتتأكد إني اخترت صح.. أنتِ جوهرة يا أمنية، وربنا يباركلي فيكي وفي ابننا.”
## ليلة المخاض.. واستقبال العوض
مرت الشهور سريعة، وجاء الشهر التاسع وثقلت خطواتي، وكان كريم يتحول في كل يوم إلى ملاك حارس، لا يتركني لحظة، يتابع طعامي، ودوائي، ويتحمل تقلبات مزاجي الناتجة عن تعب الحمل بصدر رحب وابتسامة لا تفارق وجهه.
وفي ليلة شتوية باردة، شعرت بآلام المخاض المفاجئة. استيقظ كريم فزعًا على صوت أنيني، وفي دقائق معدودة كان قد اتصل بوالدتي وبمنة، ونقلني إلى المستشفى.
كانت الساعات الطويلة في غرفة العمليات تبدو كأنها دهر، وكان كريم يقف في الممر بالخارج، يدعو ويبكي، ويسير ذهابًا وإيابًا كالمجنون كما حكت لي منة بعد ذلك. ولم تمضِ ساعات حتى خرجت الممرضة وتحمل بين يديها لفافة بيضاء صغيرة.
جاء كريم مسرعًا، ونظر إلى الطفل، فقالت الممرضة بابتسامة:
* “مبروك يا أستاذ كريم.. ولد زي القمر، يتربى في عزكم.”
كريم أخذ الطفل بين يديه برفق شديد، انهمرت دموعه وهو ينظر إلى ملامحه الصغيرة، كبر في أذنه وضمه إلى صدره بقوة وهو يهمس: “سميته يحيى.. عشان يحيى بيه الأمل في دنيتنا من تاني.”
عندما أفقت من البنج، وجدت نفسي في الغرفة، وكريم يجلس بجانبي، يمسك بيدي اليمنى، واليد الأخرى تحمل طفلنا الصغير. نظر إليّ وعيناه تشع بالحب والامتنان:
* “حمد الله على سلامتك يا أم يحيى.. يا أغلى من روحي.”
ابتسمت بضعف ونظرت إلى طفلي، ذلك الكائن الصغير الذي جاء ليعلن للعالم كله أن بعد العسر يسرًا، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
## الخاتمة: حكاية أمنية وكريم
بعد مرور سنتين..
كنا نجلس في حديقة عامة، نفس الجديقة التي شهدت لقائي الأخير بسامح قبل سنوات، ولكن شتان بين اللقاءين. اليوم، كنت أجلس على المقعد الخشبي وأنا أرتدي فستانًا ربيعيًا مبهجًا، وبجانبي كريم يمسك بكوب من الشاي، وعيوننا تتابع يحيى الصغير وهو يركض خلف الكرة ويضحك بضحكته الطفولية النقية التي تملأ الكون بهجة.
التفتّ لكريم وقلت له ونحن نتابع طفلنا:
* “تعرف يا كريم؟ السنين بتمر بسرعة قوي.. ساعات بفتكر اللي حصل زمان وبحس إنه كان كابوس وصحيت منه.”
كريم وضع كوب الشاي، وأمسك بيدي وضغط عليها بحنان:
* “الماضي كان مجرد تجربة يا أمنية، لولاها مكنتيش هتعرفي قيمتك الحقيقية، ومكنتش أنا هعرف أوصلك وأخليكي مراتي.. ربنا بيبتلينا عشان يطهرنا ويجيبنا للمكان الصح.”
نظرت إلى السماء الصافية، وشعرت براحة عميقة تمتد في أوصالي، تذكرت الضحكة الهستيرية التي ضحكتها في هذا المكان منذ سنوات، وكيف تحولت اليوم إلى ابتسامة رضا وسكينة حقيقية.
حكايتي لم تكن مجرد قصة طلاق وخيانة، بل كانت رحلة تحرر من الوهم، وإعادة اكتشاف للذات، وإيمان كامل بأن العوض الإلهي عندما يأتي، ينسيك مرارة الصبر كلها. انحنى كريم وقبل يدي، بينما جاء يحيى يركض ويرتمي في حضننا معًا، لتكتمل لوحة الأمان التي بدأناها معًا، وتغلق صفحة الوجع إلى الأبد.

