القـرش الابيـض ج 2 والاخـير كـاملة حكـايات منـي الـسـيد

الفصل الثالث والأخير: شروق من قلب الدقي
بعد ما مشي طارق ورزع وراه الباب، البيت فجأة فضي.. فضي لدرجة مرعبة، بس مريحة. قعدت على الكنبة الكبيرة في الصالة، وبصيت حواليا. كل ركن في الشقة دي كان فيه حتة من روحي.. الستائر اللي اخترت قماشها من الوكالة وفصلتها عند عم حامد الترزي، لون الحيطان البيج الدافئ اللي وقفت فوق السقالة بنفسي عشان أظبط درجته مع النقاش، التابلوهات اللي جمعت برواز برواز ليها من خان الخليلي. كل ده كان بيصرخ بوجودي أنا، وبغياب طارق اللي مكنش بيعمل حاجة غير إنه يعترض على الألوان، ويشتكي من المصاريف، ويسألني: «هو الوجع الدماغ ده هيجيب همّه؟» حكايات مني السيد
اليوم ده منمتش غير ساعتين بس. صحيت الصبح على صوت جرس الباب وهو بيرن بهستيريا. قلبي دق بسرعة.. افتكرته طارق راجع يعمل مشكلة. بصيت من العين السحرية، لقيتها أختي الكبيرة “نهى”. فتحت الباب وأنا لسه بفرك في عيني.
نهى دخلت زي الإعصار، حطت علبة الفول والفلافل السخنة على الترابيزة وحضنتني بكل قوتها: «يا حبيبتي يا فريدة! عملتيها بجد؟ أنا لما سمعت الريكورد اللي بعتيهولي امبارح بليل مكنتش مصدقة نفسي! كنت حاطة إيدي على قلبي وبقول يا رب فريدة متضعفش وتخاف وتديله الشقة!»
ابتسمت وأنا بحاول أهديها: «اهدي يا نهى، اقعدي بس واشربي مية. أنا خلاص، جيبت آخري. الست مننا ممكن تستحمل قلة الفلوس، وتستحمل خروجات مفيش، وتستحمل عيشة على القد.. بس متستحملش إن الراجل اللي مأمناله على حياتها يبقى باصص في لقمة في إيدها، وعاوز يهد سقفها عشان يبني أحلامه الطايرة على حسابها.»
قعدنا ناكل، ونهى بتكلمني وعيونها مليانة فخر: «بس جدعة يا بت يا فريدة! حركة عقد الإيجار دي وقعته على جدور رقبته! طارق طول عمره فاكر نفسه أذكى إخواته، وبيلعب بيكي البيضة والحجر. المحامي سليم كلمني الصبح، وقالي إن الموقف القانوني بتاعنا زي الحديد. التسجيلات دي لوحدها تخليه يوافق على الطلاق على الإبراء وهو بيبوس إيدك عشان ميتفضحش وسط ناسه وشغله.»
بينما كنا بنتكلم، تليفون البيت الأرضي رن.. وبعدها موبايلي رن في نفس اللحظة!
بصيت على الموبايل.. كانت “حماتي” للمرة الألف. وبصيت على الأرضي.. كان رقم غريب.
نهى قالتلي: «مترديش على الموبايل.. ردي على الأرضي نشوف مين.»
رفعت سماعة الأرضي: «ألو؟»
جالي صوت نسائي وقور وجميل، عرفته فوراً.. دي “الحاجة نادية”، خالة طارق الكبيرة، وهي الوحيدة في عيلتهم اللي كلمتها مسموعة والكل بيعمل لها ألف حساب لأنها ست متعلمة وحكيمة ومبتظلمش حد.
«أهلاً يا فريدة يا بنتي.. عاملة إيه يا حبيبتي؟»
«أهلاً يا خالتو نادية.. الحمد لله في فضل ونعمة. أرجو تكوني بخير.»
«أنا بخير يا بنتي طول ما إنتوا بخير. بصي يا فريدة.. أنا كلمتك على الأرضي عشان عارفة إنك قافلة تليفونك أو مش هتردي على حد من العيلة، وبصراحة عندك حق. طارق جالي امبارح بليل، وكان منهار وحكالي كل حاجة.. وطبعاً كالعادة حاول يطلع نفسه مظلوم، بس أنا لما سألته: “هي فريدة طلبت الطلاق من الباب للطاقة ولا أنت اللي هددتها بيه عشان تبيع شقتها؟”، سكت ومقدرش ينطق.»
أخدت نفس طويل ودموعي كادت تنزل من نبرة الحنان في صوتها: «يا خالتو نادية، طارق مسبليش حل تاني..»
قاطعتني بلطف: «عارفة يا بنتي، ومقدرة. طارق ابني وطبعاً نفسي بيته ميتخربش، بس الحق أحق أن يتبع. طارق طمع، والطمع قل ما جمع، وهو غلط في حقك وغلط في حق نفسه. أنا بكلمك دلوقتي عشان أعرض عليكي “قعدة عرب” عندي في بيتي في مصر الجديدة. أنا، وإنتِ، وأختك نهى، وأخويا الحاج مصطفى.. وطارق لوحده من غير أمه عشان عارفة إن سعاد أختي هتبوظ الدنيا. نقعد ونشوف حل يرضي ربنا.. لو فيه نصيب تكملوا بشروطك وضماناتك ماشي، لو مفيش نصيب، نتطلق بالمعروف وكل واحد يروح لحاله من غير محاكم وقضايا وتشهير. إيه رأيك؟»
بصيت لنهى اللي هزت راسها بالموافقة كأنها بتقولي “قعدة خالتو نادية مفيش منها خوف”.متوفرة على روايات و اقتباسات .
قلت لخالتو نادية: «أنا موافقة يا خالتو، بس بشرط واحد.. مفيش كلام في رجوع. أنا وطارق علاقتنا انتهت كزوجين من اللحظة اللي فكر فيها يبتزني ويطردني من بيتي. القعدة دي هتكون بس عشان نتفق على تفاصيل الانفصال الودي، وكل واحد ياخد حقه بالمعروف.»
تنهدت الحاجة نادية وقالت: «اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا بنتي. هكلم الحاج مصطفى ونرتب المعاد، وغالباً هيكون يوم الجمعة الجاية بعد الصلاة. هستناكم.» متوفرة على روايات و اقتباسات
الجزء الثاني: تفكيك خيوط الماضي
الأيام اللي سبقت يوم الجمعة كانت أشبه بماراثون نفسي.
أول حاجة عملتها، نزلت رحت شقتي في الدقي. الشقة دي كانت متأجرة لمهندس شاب شغال في شركة بترول، ولحسن الحظ، عقد إيجاره كان هينتهي بعد أسبوعين بالظبط، وهو أصلاً كان مرتب ينقل لشقة تانية أوسع لأنه هيتجوز.
لما قابلته في الشقة عشان يسلمني الإيجار الأخير، بصيت للمكان.. المساحة صغيرة فعلاً، صالة مربعة، ومطبخ أمريكاني مفتوح، وأوضة نوم وحمام. بس الشباك الكبير اللي في الصالة كان باصص على شجر شارع مصدق، والضوء اللي داخل كان مالي المكان طاقة ودفء.
وقفت في وسط الصالة الفاضية تقريباً، وغمضت عيني. كمهندسة ديكور، بدأ عقلي يشتغل زي الماكينة.
«هنا هعمل ركن صغير للمكتب.. حيطة خشبية دافية وإضاءة مريحة للعين.. وهنا الكنبة هتكون “سرير” في نفس الوقت عشان لو حد جالي.. والمطبخ هغير لون خشب الكاونتر بتاعه لأخضر زيتي مطفي عشان يدي إحساس بالطبيعة والهدوء..»
كنت برسم حياتي الجديدة على الحوائط المقشرة دي، وحسيت إن كل حيطة منهم بتطبطب عليا وبتقولي: «أهلاً بيكي في بيتك الحقيقي.»
يوم الجمعة جه. لبست بدلة رسمية كحلي وجميلة، لفتت حجابي بعناية، وحطيت لمسات بسيطة من الميك أب عشان ميبانش عليا الإرهاق. نزلت أنا ونهى، وركبنا تاكسي لمصر الجديدة.
بيت الحاجة نادية كان في عمارة قديمة وراقية، الشقة واسعة والأسقف عالية، والهدوء بيملأ المكان.
دخلنا، واستقبلتنا الحاجة نادية بحضن دافئ، وكان قاعد في الصالة الحاج مصطفى (خال طارق الكبير)، وهو راجل وقور شغال في سلك القضاء بالمعاش، ملامحه صارمة بس عيونه رحيمة.
بعد دقايق، الباب رن ودخل طارق.
كان باين عليه التعب والبهدلة. قميصه مش مكوي كويس، وشعره منكوش شوية، ووشه باهت. لما دخل وبصلي، شفت في عينه لمعة غريبة.. مزيج من الندم، والغل، والانكسار. قعد بعيد عننا وهو باصص في الأرض. متوفرة على روايات و اقتباسات .
بدأ الحاج مصطفى الكلام بصوت جهوري وهادئ: «بسم الله الرحمن الرحيم.. يا جماعة، إحنا مجتمعين النهاردة عشان نحل خلاف بين اتنين من ولادنا. فريدة بنتنا وطارق ابننا. الجواز ميثاق غليظ، قايم على المودة والرحمة. ولما المودة والرحمة يختفوا، ويدخل مكانهم الطمع والتهديد، يبقى لازم نقف وقفة لله.»
بص لطارق بحزم وقال: «أنا سمعت الحكاية كاملة يا طارق.. وسمعت كمان التسجيلات اللي فريدة بعتتها لنهى.»
طارق اتفاجئ وبص لخاله بذهول: «أنت سمعت التسجيلات يا خالو؟ دي.. دي كانت ساعة غضب! وهي اللي استفزتني!»
رد الحاج مصطفى بقوة: «ساعة غضب تخليك تقول لمراتك هرميكي بهدومك وهعملك محضر سرقة في دهبك؟ ساعة غضب تخليك تطمع في ورثها من جدتها اللي ملهاش فيه غير الدعاء؟ يا طارق، الرجولة مش بالصوت العالي ولا بتهديد الستات. الست بتدخل بيت الراجل عشان تلاقى أمان، مش عشان تلاقي سجان باصص في جيبها!»
طارق سكت خالص ووشه احمر من الكسوف.
كمل الحاج مصطفى وهو بيبصلي: «قولي شروطك يا فريدة يا بنتي.. وإحنا شهود على كل كلمة.»
أخدت نفس عميق وقلت بثبات: «يا حاج مصطفى، أنا احترمت حضرتك وجيت النهاردة تقديراً ليك ولخالتو نادية. أنا شروطي واضحة ومفيهاش فصال:
أولاً: الطلاق يتم عند المأذون إبراء ودي.. طلاق حضوري على الإبراء، يعني أنا هتنازل عن المؤخر ونفقة المتعة والعدة مقابل إن الطلاق يتم في هدوء وبدون محاكم. متوفرة على روايات و اقتباسات .
ثانياً: الدهب بتاعي كله معايا ومش هسيب منه جرام واحد، وده حقي الشرعي والوحيد اللي فاضل لي.
ثالثاً: العفش والأجهزة الكهربائية اللي في شقة فيصل.. إحنا جايبينها بالنص. أنا هتنازل لطارق عن الأجهزة الكبيرة (الثلاجة والغسالة والتلفزيون) مقابل إنه يسيبلي غرف النوم والصالون والمطبخ.. لأني محتاجة أفرش بيهم شقتي الجديدة.
رابعاً: طارق يسلمني مفاتيح شقة فيصل عشان ألغي عقد الإيجار باسمي مع صاحب البيت، لأن العقد هينتهي الشهر الجاي وأنا مش هجدده.»
طارق رفع راسه فجأة وزعق: «نعم؟! تاخدي العفش كله وتسيبيلي شوية أجهزة؟ وأنا هقعد فين؟ وهتطرديني من الشقة؟»
ردت نهى بحسم: «الشقة باسم فريدة يا طارق.. وإنت مش هتقعد فيها لوحدك على حسها وهي بتدفع نص الإيجار! وبعدين الأجهزة اللي فريدة سيباهالك تمنها يعدي الخمسين ألف جنيه دلوقتي، يعني مش سايبينك على البلاط!»
تدخل الحاج مصطفى وضرب كفه على الترابيزة: «اسكت يا طارق! الكلام ده عادل جداً ويتقبل. فريدة بتشتري حريتها وبتتنازل عن حقوق مادية تانية تسوى ألوف مؤلفة عشان تخلص بالمعروف. لو رحت المحاكم، فريدة هتاخد حكم طلاق للضرر بالتسجيلات دي، وهتاخد العفش كله بالقايمة، وهتدفع أنت المؤخر والنفقة غصب عنك وهتبقى قضية تبديد منقولات وجناية تضيع مستقبلك وشغلك! وافق وإنت ساكت وبوس إيدك وش وضهر إنها وافقت تحلها ودي!»
طارق بص لخاله، وبعدين بص لخالته نادية اللي هزت راسها كأنها بتقوله “اسمع الكلام”. تنهد بقلة حيلة وقال بصوت واطي ومكسور: «ماشي.. أنا موافق. بس الطلاق يتم الأسبوع الجاي.. عشان أكون رتبت حالي ونقلت الحاجة.»
وقفت وقلت: «تمام.. المأذون هيكون يوم الخميس الجاي الساعة 6 بليل في مكتب الأستاذ سليم المحامي في الدقي. تسلمني المفاتيح هناك بعد ما تطلقني ونمضي على الأوراق.»
خرجت من بيت الحاجة نادية وأنا حاسة إن جبل انزاح من فوق صدري. بصيت للسما الزرقا الصافية، واستنشقت هوا مصر الجديدة الجميل.. كنت حاسة إن خطوتي بقت خفيفة كأني بطير.
الجزء الثالث: طاقة البدايات والتراب الذهبي
الستة أيام اللي قبل المأذون كانوا من أشغل أيام حياتي.
رحت شقة الدقي بعد ما المهندس سلمني المفاتيح. الشقة كانت متبهدلة شوية، الحوائط عليها آثار تراب وبصمات، والمطبخ محتاج نضافة عميقة. بس بالنسبة لي، كانت دي لوحتي البيضاء اللي هرسم عليها مستقبلي.
اتفقت مع أسطى نقاش محترم اسمه عم جابر. رحت معاه “كلر تريند” واخترت الألوان بنفسي.
«بص يا عم جابر.. الصالة دي عاوزها باللون “الأوف وايت” الدافئ المطفي، بلاش لمعة خالص عشان تدي اتساع وعمق للضوء. والحيطة اللي ورا المكتب دي عاوزها بلون “الترابي الهادئ” (Terracotta) عشان تدي طاقة ودفء للمكان. أما المطبخ، فهنلونه بـ “الأخضر المريمي” (Sage Green) الدافئ.»
عم جابر كان بيبصلي بإعجاب وهو بيهز راسه: «يا باشمهندسة، ذوقك عالي أوي! الألوان دي هتنطق الشقة وتخلي الخمسين متر دول يبانوا كأنهم قصر!»
كنت بقضي كل يوم من الصبح بليل في الشقة. بتابع النقاشين، وبنضف الشبابيك، وبصلح السباكة مع السباك. كنت برجع البيت بليل وجسمي كله بيوجعني، وتحت أظافري فيه آثار بويات ومعجون.. بس كنت بنام وأنا ببتسم. التعب ده كان حقيقي، تعب بناء وتعمير، مش تعب الهدم والخنقة اللي كنت بعيشه مع طارق.
في نص الأسبوع، كلمتني “مريم”، وهي صاحبة شركة تسويق عقاري كبيرة وكنت اشتغلت معاها قبل كدة في تصميم مكتبها القديم.
«فريدة يا حبيبتي! عاش من سمع صوتك! بصي يا ستي.. عندي عميل تقيل جداً لسه شاري فيلا في الشيخ زايد، وعاوز مهندسة ديكور شاطرة وتكون بتفهم في “المودرن كلاسيك” وتعمل تصميم متميز.. أنا فوراً افتكرتك ورشحتك ليه. العميل اسمه البشمهندس شريف المنياوي، وعاوز يقابلك السبت الجاي عشان يشوف شغلك ويوقع العقد لو اتفقنا. إيه رأيك؟» متوفرة على روايات و اقتباسات .
قلبي دق بفرحة عارمة: «مريم! بجد؟ ده أحلى خبر سمعته من سنة! طبعاً موافقة جداً.. هجهز البورتفوليو بتاعي واللاب توب وأكون جاهزة يوم السبت إن شاء الله.»
قفلت السكة وأنا بصرخ من الفرحة وجريت على نهى حضنتها: «نهى! جالي شغل جديد! فيلا في الشيخ زايد! ربنا بيعوضني يا نهى.. ربنا بيفتح لي بيبان الرزق أول ما قفلت باب الظلم والخراب!»
نهى دمعت من الفرحة وقالتلي: «شفتي يا فريدة؟ “ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب”. أنتِ اتقيتي الله في كرامتك وفي نفسك، ورفضتي الحرام والابتزاز، وربنا بيطبطب عليكي بطريقته.»
الجزء الرابع: اللقاء الأخير ومكتب المأذون
يوم الخميس المنتظر وصل.
الساعة كانت 5:30 بعد الضهر. كنت واقفة قدام المراية في شقة فيصل بلم آخر حاجاتي الشخصية في شنطة كتف صغيرة. بصيت على الشقة الفاضية تقريباً.. العفش كان متغطي وجاهز للنقل بكرة الصبح ل الدقي زي ما اتفقنا مع شركات النقل. الشقة كانت كئيبة وضلمة، وكأن الروح طلعت منها.
نزلت ورحت على مكتب الأستاذ سليم المحامي في الدقي. المكتب كان في عمارة أنيقة قريبة من محطة المترو.
دخلت لقيت نهى والأستاذ سليم مستنييني. الأستاذ سليم راجل بشوش وذكي جداً، رحب بيا وقالي: «أهلاً يا باشمهندسة فريدة. متقلقيش خالص، كل الأوراق جاهزة، وصيغة الإبراء مكتوبة بدقة عشان تضمني إن مفيش أي قضايا أو مطالبات مستقبلية من ناحيته أو ناحية أهله.»
الساعة 6 بالظبط، الباب رن.
دخل طارق.. ومعاه “الحجة سعاد” أمه!
أول ما شفت حماتي، قلبي انقبض شوية، بس بسرعة استعدت هدوئي وقوتي. الحجة سعاد كانت داخلة ووشها كله غضب ومرارة، عيونها كانت بتطلع شرار وهي تبصلي وتبص لنهى.
قعدوا على الكراسي المقابلة لينا.
بدأت الحجة سعاد تتكلم بصوت مليان سم وبثقة مفقودة: «يا خسارة التربية والأصول يا فريدة! بقى تطلقي ابني وتخربي بيتك وتشمتي فينا الغريب والقريب عشان حتة شقة؟ ده إحنا كنا بنعتبرك بنتنا! بس صحيح.. الأصل بيبان في المواقف، والست الأصيلة بتستحمل جوزها في المرة قبل الحلوة، مش ترفع عليه تسجيلات ومحامين كأنها في حرب!»
الأستاذ سليم المحامي اتدخل بسرعة وحسم: «لو سمحتي يا فندم! إحنا هنا في مكتب محاماة محترم عشان نخلص إجراءات قانونية متفق عليها. لو جاية حضرتك توجهي اتهامات وتعملي مشاكل، فالمجلس ده هينفض وحالاً بكرة الصبح هنتقابل في المحاكم.. وهناك بقى تقدري تقولي الكلام ده للقاضي ونسمعه التسجيلات اللي معانا وهو يحكم بمين اللي أصيل ومين اللي خرب البيت وعاوز يسرق مراته!»
الحجة سعاد اتكتمت فوراً ووشها جاب مية لون، بصت لطارق وقالتله بغيظ: «شايف يا طارق؟ شايف المحامي بتاعها بيكلمني إإاي؟ وإنت قاعد زي اللمسة مش قادر تنطق وترد لكرامة أمك اعتبارها؟»
طارق صرخ بصوت مخنوق ومحرج: «خلاص يا أمي! ارجوكِ اسكني! إحنا مش جايين نتخانق.. إحنا جايين نخلص!»
كان واضح إن طارق جاب آخره، ومبقاش قادر يستحمل الضغط والكسوف قدام المحامي وقدامنا.
دخل المأذون.. راجل عجوز بوقار هادئ وعمامة أزهرية جميلة. قعد على مكتب الأستاذ سليم، وطلع الدفاتر الكبيرة ذات الغلاف الجلدي الأسود، وبدأ يكتب البيانات ببطء وهدوء. صوت تكتكة قلم الحبر وبكاء الورق تحت سنه كان هو الصوت الوحيد في الأوضة.
«الزوج: طارق محمد عبد اللطيف.. والزوجة: فريدة أحمد الشافعي..»
المأذون بص لينا وقال بالنبرة المعتادة المليانة أسى مبرر: «يا ولادي.. الصلح خير. هل مفيش أي طريقة للرجوع؟ البيوت مش سهلة تتهد..»
طارق بصلي بلمحة رجاء أخيرة وعيون مكسورة.. كأنه مستني مني أقول “استنى يا شيخنا”.
بس أنا بصيت للمأذون بكل ثبات وقلت: «لا يا شيخنا.. مفيش نصيب. يا ريت نكتب.»
المأذون اتنهد وهز راسه، وبدأ يملي الصيغة القانونية لطلاق الإبراء:
«أقر أنا فريدة أحمد الشافعي بأنني أبرأت زوجي طارق محمد عبد اللطيف من كافة حقوقي الزوجية والشرعية من مؤخر صداق ونفقة متعة وعدة.. وأطلب الطلاق منه طلقة أولى بائنة على الإبراء..»
مضيت على الدفتر بإيد قوية وثابتة. مكنتش بتعش زي زمان. الإمضاء بتاعي كان كبير وواضح.
وبعدها المأذون ودى الدفتر لطارق وقال له: «امضي يا ابني هنا.. وبصم بصمة إبهامك.»
طارق مسك القلم بإيد بتترعش بجد. شفته وهو بيبص للإمضاء بتاعه كأنه بيمضي على شهادة وفاته. وقع وبصم باللون الفسفوري الأزرق.
المأذون قفل الدفتر وقال الكلمة الشهيرة اللي هزت جدران قلبي بالفرحة:
«بارك الله لكما.. وعوضكما خيراً. أنتِ الآن يا بنتي طالق منه طلقة أولى بائنة بينونة صغرى، ولا تحلين له إلا بعقد ومهر جديدين.»
الحجة سعاد قامت وقفت بسرعة وأخدت شنطتها وقالت بغضب: «يلا يا طارق.. يلا يا حبيبي من هنا. بكرة نجيبلك ست ستها، ست أصيلة تصونك وتعرف قيمة الراجل اللي في بيتها!» وجريت على الباب وخرجت.
طارق وقف مكانه ثواني.. طلع من جيبه سلسلة مفاتيح شقة فيصل وحطها على المكتب قدامي ببطء شديد.
بص في عيني وقال بنبرة مليانة مرارة: «مبروك يا فريدة.. مبروك عليكي شقتك وحريتك. بس افتكري.. أنا عمري ما كرهتك، بس إنتِ اللي اخترتي تخسريني.»
بصيت له بكل هدوء وقلت له آخر كلمات هيسمعها مني في حياته: «أنا مخسرتكش يا طارق.. أنا كسبت نفسي. والراجل اللي يخليني أختار بينه وبين احترامي لنفسي.. خسارته هي المكسب الحقيقي. ربنا يوفقك في طريقك.»
لف ضهره وخرج، وقفل الباب وراه بهدوء.. المرة دي مقدرش يرزعه.
الجزء الخامس: ولادة جديدة وتصميم الحياة
تاني يوم الجمعة الصبح.. كان يوم النقل.
العربيات الكبيرة وقفت تحت بيت الدقي، والعمال بدأوا ينزلوا العفش بتاعي ويرفعوه لشقتي الجديدة في الدور الثالث.
الشارع كان هادي وجميل، ريحة شجر الياسمين المنتشر في بلكونات الدقي كانت مالية الهوا.
وقفت وسط الكراتين والعفش في شقتي الجديدة، وبدأت أشتغل بنشاط مكنتش أعرف إنه عندي.
نهى وأمي الله يرحمها (كانت دايماً بتدعيلي في تليفوناتها) كانوا معايا خطوة بخطوة.
فرشنا غرفة النوم الدافئة.. الدولاب الخشب الصغير اللي صممته زمان حطيناه في مكانه بالملي.
والصالون اللي قماشه من الكتان الرمادي الهادئ فرشناه في الصالة قدام الشباك الكبير عشان الضوء يغمره بالكامل.
المطبخ بقى تحفة فنية.. درفات الخشب الأخضر المريمي مع المقابض النحاسية الذهبية كانت مدياله لوك “مودرن ريفتايل” يجنن، وحطيت فيه إكسسوارات من الفخار الطيني اللي بيذكرني بجذورنا الطيبة.
يوم السبت الصبح.. صحيت بكير جداً.
عملت لنفسي فنجان قهوة بوش مظبوط، وقعدت في بلكونتي الصغيرة الجديدة. البلكونة كانت ضيقة بس حطيت فيها قصاري زرع “بانا” و”بوتين” ومتسلقات ياسمين هندي بدأت تطلع وردها الأبيض الجميل.
شربت القهوة وأنا بتفرج على بياعين الورد والعيش في شارع الدقي وهم بيبدأوا يومهم بابتسامة ورضا.
لبست فورمال شيك جداً، وأخدت اللاب توب بتاعي ونزلت عشان أقابل العميل الجديد “البشمهندس شريف المنياوي” في مكتب مريم بالمهندسين.
المقابلة كانت ممتازة! شريف راجل محترم ومهندس معماري قدير، ولما شاف تصاميمي والبورتفوليو بتاعي أبدى إعجابه الشديد بطريقتي في استغلال المساحات وتوزيع الإضاءة.
«الباشمهندسة فريدة.. شغلِك فيه روح وحياة، مش مجرد رص عفش وألوان وخلاص. أنا يشرفني جداً إنك تستلمي تصميم وتنفيذ فيلا الشيخ زايد بالكامل، وليكي الحرية المطلقة في اختيار الخامات والتوزيع.. وده العقد والمقدم بتاعك.»
مسكت شيك المقدم بإيدي.. الرقم كان كفيل يخليني أعيش مستورة ومرتاحة لسنتين قدام، ويخليني أشطب شقتي في الدقي بأعلى الخامات، ويفيض منه كمان عشان أعمل خطط توسيع لشغلي!
مضيت العقد وأنا حاسة برغبة عارمة في البكاء من الفرحة والشكر لربنا.
الجزء السادس: النهاية والتحليق
مرت ستة أشهر بالتمام والكمال.
شقتي في الدقي بقت أشهر شقة في عيلتنا وأصحابي. كل اللي يزورني يقولي: «يا فريدة.. الشقة دي فيها راحة نفسية مش طبيعية! بندخل هنا نحس إن الدنيا هديت ومبقاش فيه مشاكل برة الباب.»
وكنت دايماً ببتسم وأقولهم: «الراحة دي مش من الديكور بس.. الراحة دي لأن البيت ده متبنيش على دمعة ست ولا على قهرها، البيت ده مبني بالرضا والسلام والكرامة.»
فيلا الشيخ زايد خلصت وبقت تحفة فنية اتنشرت صورها في مجلات ديكور عربية كبرى، والاسم بتاعي “فريدة الشافعي للتصميم الداخلي” بدأ يتردد بقوة وسط الأسماء الشابة الواعدة في السوق المصري.
في يوم من الأيام، بليل، كنت واقفة في البلكونة بسقي زرع الياسمين بتاعي. الجو كان خريفي جميل ومنعش، وصوت أم كلثوم طالع من راديو القهوة اللي في الشارع اللي ورانا وهي بتغني:
«وعايزنا نرجع زي زمان.. قول للزمان ارجع يا زمان..»
ابتسمت وفتحت موبايلي بالصدفة. شفت رسالة على الواتساب من رقم غريب.. فتحتها لقيتها من طارق.
«فريدة.. أنا عارف إنك مش هتردي عليا، بس كنت حابب أقولك إني شوفت تصاميم الفيلا بتاعتك على النت.. مبروك، أنتِ بجد شاطرة وتستاهلي كل خير. أنا لسه عايش في فيصل.. الشقة بقت كئيبة وفاضية من بعدك، والمشروع اللي دخلت فيه مع شريف صاحبي طلع نصاب بجد وخسرت فيه كل فلوسي وضيعت شقى عمري.. وبقيت مديون. أمي دايماً بتقولي “بكرة تفرج”، بس أنا عارف إني خسرتك وخسرت معاكي البركة اللي كانت في بيتي بسبب طمعي وغبائي. سامحيني يا فريدة لو تقدري.. أنا عمري ما هنسى أيامنا.»
بصيت للرسالة الطويلة لثواني. قلبي متهزش.. مكنش فيه كره، ومكنش فيه غضب.. كان فيه بس “شفقة وتجاوز”.
مسحت الرسالة وعملت للرقم “بلوك” بكل هدوء ومن غير أي تردد.
أنا مش هبص ورايا تاني. طارق كان مجرد درس صعب وقاسي في مدرسة الحياة، علم بي “ألف باء” الحدود الشخصية والكرامة.
رفعت راسي للسما، وشميت ريحة الياسمين الهندي الطاغية في بلكونتي الصغيرة.
بصيت لجدران شقتي الدافئة المضاءة بنور أصفر مريح من جوة.. وعرفت وقتها اليقين الكامل:
الشقة الاستوديو الصغيرة دي مكنتش مجرد “بيتي”.. دي كانت طوق النجاة اللي ربنا بعتهولي عشان يخليني أكتشف الست القوية اللي كانت مستخبية جوايا.. الست اللي مفيش راجل في الدنيا يقدر يكسرها تاني.
النهاية بقـلم منـي السـيد
