اتجوزني علي مراته ج 2 حكايات روماني مكرم

**الجزء الثالث: “التائهون في ممر العدالة”**

خرجت للشارع المظلم، الهوا الساقع كان بيخبط في وشي وكأنه بيجلدني على كل لحظة ظلم ظلمتها للست دي. ابني “سيف” كان بيصرخ بين إيديا من البرد والخوف، وأنا مش عارفة أروح فين. أهلي ناس على قد حالهم في محافظ تانية، ولو رحتلهم بالفضائح دي وبأني اطلقت وطُردت في نص الليل، هكون مكسورة الجناح قدام الكل.

قعدت على رصيف في آخر الشارع، وضامة ابني لصدري وأنا ببكي بحرقة. كل دمعة نزلت من عين مراته الأولى كانت بتتحول دلوقتي لسهم في قلبي. افتكرت لما كانت بتقولي “أنا مستعدة أكون خدامتك”، ودلوقتي أنا مش لاقية مكان يحميني أنا وابني اللي كنت فاكرة إنه هيكون حصني المنيع وسندي في الدنيا.

مرت الليلة دي كأنها سنة، قضيتها في لوكاندة صغيرة وبسيطة نزلت فيها مؤقتًا بفلوس دهبي اللي كانت معايا. كنت ببص لسيف وهو نايم، وبسأل نفسي: “الذنب ذنبي أنا، بس الواد ده ذنبه إيه يعيش مشرد وأبوه يرميه الرمية دي؟”

في نفس الوقت، كان أحمد عايش في جحيم تاني.

ما قعدش في البيت دقيقة واحدة. بدأ رحلة البحث عن مراته الأولى “أسماء” وبناته. راح للملجأ اللي كانت أسماء متبنية منه البنات، وراح لبيوت بعض معارفها القدام اللي كانت تعرفهم قبل ما تتقطع صلتها بيهم. كان بيمشي في الشوارع زي المجنون، ماسك صور البنات وصورتها، بيسأل وبيدور في كل مكان.

ندمه كان بياكل في قلبه. كان بيفتكر إزاي هي استحملت نظرات الشفقة من الناس، وإزاي دارت على عيبه وعاشت معاه تخدمه وتربي بنات مش من دمها بس عشان تستر سري وتحميني من كلام الناس وعيرتهم. كان بيقول لنفسه:

“أنا ضيعت الملاك اللي صانني، ومشيت ورا الشيطانة اللي خربت بيتي.”

بعد أسبوعين من التدوير، تليفون أحمد رن. كان واحد من أصحابه القدام بيقوله:

“أحمد، أنا شفت أسماء والبنات في منطقة عشوائية على أطراف القاهرة، شغالة في مشغل خياطة صغير، وقاعدة في أوضة فوق السطوح.”

أحمد ما كدبش خبر، طار بالعربية للمكان. لما وصل ودخل الحارة الضيقة، طلع السلم المهدود لحد ما وصل للسطوح. شاف الباب موارب، وبص من الشق.. شافها قاعدة على مكنة الخياطة وعينها مجهدة، والبنات حواليها بيذاكروا على نور لمبة ضعيفة.

فتح الباب ودخل وهو بينهج، ودموعه سبقت كلامه. أول ما شافته، وقفت مصدومة، والبنات جريوا استخبوا وراها وخايفين.

وقع أحمد على ركبه قدامها، وبكى بصوت مسموع وقال:

“سامحيني يا أسماء.. أنا عرفت كل حاجة.. عرفت إنك صنتيني وأنا بعتك، عرفت إنك سترتيني وأنا فضحتك.. ارجعي معايا يا بنت الناس، البيت بيتك، وأنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي أنتِ والبنات.”

أسماء بصتله بنظرة هادية، مكنش فيها غل ولا كره، لكن كان فيها برود غريب كسر قلب أحمد أكتر. مسحت دموع بنتها الصغيرة وقالتله بصوت واطي ومستقر:

“أنا سامحتك بيني وبين ربنا يا أحمد، لأني عمري ما كرهتك. بس الرجوع مستحيل. اللي اتكسر جوانا مبيصلحوش ندم. أنا هنا بربي بناتي بلقمة حلال، ومستورة من غير ما حد يعايرني أو يذلني.”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *