أنا مش عايز الجوازة دي خلاص حكايات مني السيد ج الاخيـر

## الفصل الثالث والأخير: يوم الحساب.. والباب المقفول
خرجت من محل الدهب في العتبة والدنيا بتلف بيا. صوت كعب جزمتها وهو بيخبط في الأرض لسه بيرن في ودني، وكلامها زي الطوب اللي نازل يهد اللي باقي من عقلي. جلال الشريف.. الراجل اللي مشي وقفل وراه الباب وكأنه ملك زمانه، طلع مجرد بالونة اتنفخت بالكدب والمنظرة وفجأة فرقعت في وش الكل.
ركبت المترو تاني وأنا مش حاسة بالناس ولا بالزحمة. كنت ببص من الشباك على الضلمة اللي بين المحطات وبفكر في أمي.. الست اللي نزلت من النجمة عشان تدور على شغل بـ ملويمات عشان تعيشنا بكرامتنا، في نفس الوقت اللي كان هو فيه بيلف كعب داير في المحاكم عشان يسدد تمن الـ “لايف” والمنظرة الكدابة في الشيخ زايد.
### الليلة اللي غيرت كل حاجة
وصلت البيت الساعة كانت حوالي تمانية بالليل. فتحت الباب براحة، لقيت الشقة هادية. ريحة محشي كرنب مالي الدنيا.. الريحة اللي تخصص أمي، الريحة اللي بتحسسك بالدفا والأمان مهما كانت الدنيا بره بتشتي مصايب.
دخلت المطبخ، لقيت أمي واقفة بتهز الحلة عشان ترصها على السفرة، وشها كان عرقان من صهد البوتاجاز، بس كانت مبتسمة لأروى اللي قاعدة بتساعدها. أول ما شافتني، ابتسامتها وسعت: “حمد الله على السلامة يا ديدي.. كل ده في المشوار؟ غسلت لك هدوم الكلية وغرفنا الأكل اهو، يلا عشان تاكلي لقمة سخنة.”
بصيت لوشها الطاهر.. الوش اللي شاهندا كانت بتقول عليه “مكلبظ ومطفي”.. وحسيت بغصة في زوري. رميت شنطتي وقربت منها، حطيت راسي على كتفها واتنهدت: “ربنا يخليكي لينا يا ماما.. وميحرمناش من نَفَسِك في الدنيا أبدًا.”
أمي طبطبت على ضهري بحنان: “مالك يا بت؟ فيكي إيه؟ حد زعلك في الكلية؟”
قعدنا ناكل، وأنا جوايا صراع.. أقولها ولا مخربش الهدوء اللي هي صدقت تلاقيه؟ بس لقيت نفسي مش قادرة أخبي. الكلمة كانت واقفة في زوري ولازم تطلع.
“ماما.. أنا شفت شاهندا النهاردة.”
أمي إيدها وقفت وهي بتناول أروى صباع محشي. وبصت لي بهدوء غريب.. هدوء يخوف: “وشفتيها فين بقى إن شاء الله؟ في التلفزيون بتاعهم ده؟”
“لا يا ماما.. شفتها في العتبة، كانت بتبيع دهبها.. وبابا.. بابا طلع مديون ومرفوع عليه قضايا، والفلوس اللي كانت معاه خلصت، وهي بتقول إنها هتسيبه لإن القضايا نازلة على دماغه.”
أروى سابت الشوكة من إيدها وبصت لنا بخوف. أما أمي.. ففضلت باصة للطبق بتاعها لثواني طويلة. ملامحها ما اتهزتش، مفيش دموع، ومفيش نظرة شماتة.. كان فيه بس نظرة حد فاهم الدنيا صح من الأول.
حطت المعلقة من إيدها وقالت بصوت رزين: “كل واحد بيشرب من الكاس اللي صبه بإيده يا أمنية. اللي يبيع أهله عشان شوية فرافيت، يدوب الفرافيت تخلص.. ويلاقي نفسه في الهوا. كملي أكلك يا بنتي.. الأكل هيبرد.”
“انتي مش زعلانة عليه يا ماما؟” سألتها بذهول.
بصت لي وعينيها فيها قوة عمري ما شفتها قبل كده: “الزعل ده للغالي يا أمنية.. وأبوكي سقط من حساباتي من اليوم اللي بعت فيه الرسالة دي. اللي يمشي بمزاجه.. ملوش عتاب عندنا.”
### خبطة على الباب.. في نص الليل
مرت الأيام، والقصة بدأت تبان ملامحها في المنطقة. جيراننا بدأوا يتوشوشوا إن جلال الشريف عليه أحكام تبديد شيكات، وإن المحامي بتاعه عمال يلف عشان يلاقي تسوية. وشاهندا؟ زي ما قالت بالظبط.. عملت له “بلوك” من حياتها، ولمت اللي باقي من حاجتها وسابته في شقتها الإيجار في أكتوبر ورجعت لأهلها، وسابته يواجه مصيره لوحده.
يوم الخميس.. نفس الليلة ونفس التوقيت اللي استقبلنا فيه الرسالة الملعونة من شهرين. الساعة كانت 9:30 بالليل.
كنا قاعدين بنشرب شاي بلبن، وأروى نايمة جوه. فجأة.. الباب خبط.
الخبطة مكنتش قوية ولا فيها هيبة.. كانت خبطة مرتعشة، ورا بعضها، كأن اللي بره خايف يهرب أو خايف حد يشوفه.
أمي بصت لي: “قومي شوفي مين يا أمنية.”
قربت من الباب وبصيت من العين السحرية. لثانية واحدة، حسيت إن قلبي وقف.
هو.. جلال الشريف.
بس مكنش لابس القميص الجينز الضيق، ولا نضارة الشمس، ولا كان ريحة برفيومه قالية المكان. كان لابس قميص قديم من بتوعه اللي سابهم هنا، وشه كان دبلان، دقنه نبتت بيضا ومبهدلة، وكأنه كبر عشرين سنة في شهرين. كان واقف ساند راسه على الحيطة وجنبه شنطة هدوم صغيرة قماش.
لفت وشي لأمي وهمست بصوت مرعوب: “ماما.. ده بابا!”
أمي قامت من مكانها ببطء. ربطت إيشاربها على راسها، وقربت من الباب. وقفت وراه بالظبط. أنا كنت فاكرة إنها هتفتح، أو تصرخ في وشه، أو تشتفي فيه.
“مين؟” أمي سألت بصوت جهوري ملوش علاقة بالضعف.
من ورا الباب، جه صوته مخنوق، مكسور، صوت راجل ضاع منه كل حاجة: “أنا يا فخرية.. افتحي يا فخرية عشان خاطر ربنا.”
أمي ما مدتش إيدها على الترباس. فضلت واقفة مكانها: “عايز إيه يا جلال؟”
“تعبان يا فخرية.. تعبان والناس بتجري ورايا، والكل اتقلب عليا. شاهندا سابتني وخدت كل اللي حيلتي.. أنا ماليش مكان أروح فيه غير هنا.. ده بيتي، وانتي مراتي وأم بناتي. افتحي يا فخرية، أنا أسف.. حقك عليا، الشيطان لوزني وعماني، بس أنا عرفت قيمتك وقيمة البيت ده.”
الكلام كان بيطلع منه مع دموع واضحة. أنا كنت واقفة ببص لأمي.. جوايا حتة عايزة الباب يفتح عشان أشوفه وهو مكسور كرامته تحت رجلين أمي، وحتة تانية رافضة إنه يدخل الشقة دي تاني وينجس النضافة اللي احنا عايشين فيها.
أمي خدت نَفَس طويل.. نَفَس هادي أوي، وقالت له:
“بيتك؟ لاء يا جلال.. البيت ده بيت فخرية وأمنية وأروى. الشقة دي اللي انت قلت اقعدوا فيها لحد ما أروى تخلص مدرسة وبعدين نشوف؟ احنا شفناها خلاص. والراجل اللي بيمشي بنضافته عشان ما يبصش وراه، مابيرجعش بقلة قيمته ووساخته عشان يدارى في حيطة الست اللي رماها.”
“يا فخرية عشان خاطر العشرة! عشرين سنة جواز تتنسي في ثانية؟” صوته كان بيعلى بالبكاء، والجيران بدأوا يحسوا.
أمي صوتها مكنش فيه ذرة تردد: “العشرين سنة دول انت اللي لخصتهم في أربع سطور باردين على الواتساب يا جلال.. لا مكالمة، لا اعتذار، ولا حتى كان عندك شجاعة تبص في عينيا. انت سيبتني كأنك بتكنسل أوردر من على طلبات.. فاكر؟ ودلوقتي الأوردر مش هيرجع تاني، والمحل قفل.”
“أنا أبو بناتك يا فخرية! هترميني في الشارع؟”
هنا أمي قربت من الباب أكتـر، وقالت بنبرة قطعت كل حبال الرجوع:
“بناتي كبروا في الشهرين دول يا جلال.. اتعلموا إن الأم ممكن تتكسر بس بتقوم أقوى. واتعلموا إن الراجل اللي ملوش أمان، ملوش عتبة في بيتنا. فلوس المحامي والقضايا بتاعتك دي حلها لوحدك، واحنا مالناش دعوة بيك. الشنطة اللي معاك خدها وامشي.. لإن لو فضلت واقف، أنا هطلب لك البوليس بتهمة التعرض لينا. امشي يا جلال.. امشي ونضف قلبك بعيد عننا.”
صوت خطواته وهي بتبعد على السلم كان بطيء وتقيل.. صوت راجل بيجر خيبته وراه.
### البداية الجديدة
لما الصوت اختفى تمامًا، أمي لفت ضهرها للباب. بصت لي.. ولقيت في عينيها لمعة رضا عجيبة. مكنش فيه ندم، ولا كان فيه حزن.
قربت مني، خدتني في حضنها، وقالت لي: “خلاص يا أمنية.. الصفحة دي اتقفلت، وبابنا اتقفل على النضاف اللي جواه. من بكرة، احنا تلاتة وبس.. ومحدش هيكسرنا تاني.”
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت على شبرا كأنها بتغسل الشوارع من هموم الليل. أمي صحيت الساعة ستة، عملت الفطار، وحضرت لانش بوكس أروى، ونزلت تروح شغلها الجديد في محل الملابس اللي في الدوران. وهي نازلة، كانت لِمحة النور رجعت لعينيها تاني.. نور الكرامة اللي مابيتشريش بفلوس الدنيا كلها.
اتعلمت في الليلة دي، إن البيوت مابتتبنيش بالحيطان ولا بالفلوس.. البيوت بتبنى بالناس اللي بتصون، واللي يعرف يبيع في الهنا.. ملوش مكان في الوجع.
تمت بحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *