فضيـحة فـي السـبوع إبنـي حكايات مني السيد ج 2 والاخـير

## الفصل الثالث والأخير: جدران نظيفة.. وحياة جديدة
مر أسبوع كامل على اليوم اللي قفلت فيه باب شقتي بالترباس ورا عيلتي. الأسبوع ده كان بمثابة “فترة نقاهة” لروحي قبل جسمي. الشقة اللي كانت من سبعة أيام تضرب تقلب من قرف المعازيم وهرجلة أصحاب رجب، رجعت تاني جنة صغيرة هادية. وظفت شركة تنظيف محترفة قلبت البيت حتة حتة؛ غسلوا السجاد، وعقموا الباركيه، ورجعوا كل حاجة مكانها وكأن مفيش تورتة اتدشدشت ولا كولا اندلقت هنا من الأساس. حكايات مني السيد.
كنت قاعدة في البلكونة الكبيرة، الهوا دافي وجميل، وفي إيدي كباية ينسون دافية. يوسف ابني كان نايم في سريره الصغير جنبي، وشه ملائكي وصافي، ومفيش أي صوت “دي جي” أو مهرجانات يزعج نومه. لأول مرة من سنين، أحس بالسلام.. سلام حقيقي مش مغشوش، سلام مفيش وراه فاتورة استغلال أو كلمة تجرح من أقرب الناس ليا.
## صدى الوجع.. ومحاولات الرجوع المكسورة
طبعاً، الموضوع ممرش بالسهولة دي في أول كام يوم. تليفوني مكانش بيبطل رن. أمي كانت بتتصل من أرقام غريبة بعد ما عملت لها “بلوك” من كل حتة. في رابع يوم، اضطريت أرد لأن الرقم كان أرضي وافتكرته مستشفى أو حاجة تخص البيبي.
— أمي (صوتها كان باكي ومبحوح، مفيش فيه نبرة التعالي بتاعة زمان): “ليلى.. أرجوكي اسمعيني يا بنتي ومتقفليش السكة في وشي. إحنا اتبهدلنا يا ليلى.. قاعدين في شقة إيجار جديد ضيقة في آخر الدنيا، ومصاريفها هتاكل المعاش كله. أخوكي رجب مش عارف يركز في ورقه ولا عارف يتبسط بالجامعة، وأبوكي ضغطه عليّ ومبقاش يستحمل.. حرام عليكي، إحنا لحمك ودمك!”
أخدت نفس طويل، وبصيت ليوسف النايم، وافتكرت اللحظة اللي رمتلي فيها بكرة المناديل وهي بتبص لي بقرف لمجرد إني ولدت.
— ليلى (بصوت ثابت ومفيهوش ذرة تراجع): “يا أمي، اللي بيخاف على لحمه ودمه، بيصونه وهو معاه. أنتوا اللي رميتوني وبعتوني برخص التراب في أكتر وقت كنت محتاجة في كلمة طيبة وسند. رجب مش عارف يتبسط بجامعته؟ خليه يشتغل.. مش هو الباشمهندس اللي هيغير العالم؟ يورينا شطارته ويصرف على نفسه وعلى الاستقرار اللي أنتوا عاوزينه. أنا خلاص، اللي كان بيربطني بيكم اتقطع يوم السبوع.”
— أمي (بدأت تعلي صوتها وتدعي): “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا ليلى! هتموتي وأنتي غضبانة علينا! ربنا مش هيبارك لك في ابنك ده!”
— ليلى (بابتسامة باردة): “ربنا مبيباركش في قلة الأصل يا أمي.. وقفلي السكة عشان يوسف نايم ومش عاوزه يصحى على صوت دوشة.”
قفلت السكة، ولأول مرة، محسيتش بأي ذنب. الإحساس بالذنب ده كان السجن اللي حبسوني فيه سنين، وكنت بدفع تمنه من صحتي وفلوسي عشان أرضيهم وفي الآخر مكنتش بعجب. دلوقتي، السجن اتهد.
## نجاح من وسط الرماد
بدل ما أضيع وقتي وطاقتي في الزعل والتفكير في الماضي، ركزت كل مجهودي في ابني وفي شغلي. تجارطي الإلكترونية اللي بدأتها من الصفر، واللاين الجديد بتاع لبس الأطفال اللي كنت بجهزه، بدأوا يحققوا نجاح مش طبيعي. الغريب إن القصة بتاعتي لما انتشرت “من غير ما أذكر أسماء عيلتي بالكامل حفاظاً على الباقي من شرفهم”، لقيت دعم رهيب من الآلاف من المتابعين على السوشيال ميديا.
الناس بدأت تشتري من موقعي كنوع من الدعم للأم اللي وقفت على رجليها وطردت المستغلين من حياتها، والبيزنس كبر لدرجة إني وظفت معايا اتنين بنات يساعدوني في خدمة العملاء والشحن، وبقيت بشتغل وأنا حاطة ابني في حضني وسط مكتبي المريح.
كل قرش كنت بصرفه عليهم زمان، بقيت بوفره لمستقبل يوسف. فتحت له حساب في البنك، وبقيت بشتري له أحسن حاجة، وبجهز نفسي إني أربيه تربية سوية.. تربية مفيهاش تفرقة بين ولد وبنت، ومفيهاش استغلال، تربية تخليه راجل بجد يعتمد على نفسه مش يعيش عالة على شقى أخته.
## بعد مرور سنة: حصاد قلة الأصل
دارت الأيام، ومرت سنة كاملة بحلوها ومرها. يوسف بقا عنده سنة، وبدأ يخطو خطواته الأولى على نفس الباركيه اللي كان يوم من الأيام غرقان بـ “كولا” الاستهتار والجحود. عملت له عيد ميلاد صغير في البيت، بس المرة دي المعازيم كانوا صحابي بجد، الناس اللي وقفوا جنبي ودعموني، والمحامي بتاعي أستاذ مدحت اللي بقا صديق مقرب للعيلة وبياخد باله من كل أموري القانونية.
عرفت بالصدفة من واحدة قريبتنا بعيد إن أحوال عيلتي بقت في النازل. رجب، الباشمهندس اللي كانوا فاكرينه هيغير الكون، دخل هندسة القاهرة فعلاً، بس المنحة اتسحبت منه من تاني ترم لأنه مكانش بيذاكر، وكان مقضيها خروجات وسهر مع أصحابه “بتوع المهرجانات” اللي مكانوش بينفعوه بقرش لما الفلوس خلصت. أبويا اضطر ينزل يشتغل “أمن” في مول تجاري بالليل عشان يقدر يكفي مصاريف إيجار الشقة ومصاريف جامعة رجب اللي بقت بفلوس، وأمي بقت تلف على قرايبنا تستلف منهم عشان يكملوا الشهر.
في يوم عيد ميلاد يوسف، وأنا بفرغ الصور من على الموبايل، لقيت رسالة مبعوتة لي على الواتساب من رقم رجب. فتحتها ولقيته كاتب:
> “لوما.. أنا عارف إني غلطت في حقك كتير، وإني كنت أناني وعيل طايش. بس بجد الدنيا بره صعبة قوي يا ليلى، الشغل مبهدل أبويا وأمي كبرت وتعبت، وأنا مش ملاحق على المصاريف والكلية ومستقبلي بيضيع. أنا أسف على كل حاجة عملتها يوم سبوع ابنك.. ممكن تسامحينا ونرجع نعيش مع بعض؟ البيت كبير ويشيلنا كلنا.”
> متوفرة على روايات و اقتباسات
بصيت للرسالة طويلة، وفكرت.. هل قلبي حن؟ هل الضعف القديم رجع؟
بصيت ليوسف وهو بيضحك وبيمسك في إيدي عشان يقف على رجله. افتكرت منظر بطانية الكروشيه وهي تحت جزمة رجب، وافتكرت دموعي وجرح ولادتي وأنا بنضف وراهم وهم بيغنوا.
كتبت رد واحد مفيش غيره:
> “يا رجب، الأسف بيصلح الغلط العفوي، بس مبيصلحش قلة الأصل والتعمد في الإهانة. أنتوا عشتوا في خيري سنين واعتبرتوه حق مكتسب، ولما جيت أطلب منكم يوم واحد فرحة، دوستوا عليا. الشقة دي بقت مملكة يوسف ابني وبس. ربنا يوفقك في كليتك، ويقوي أبوك وأمك، بس كل واحد يشيل شيلته.. لأن ليلى القديمة ماتت ودفنتوها بأيديكم يوم السبوع.”
> متوفرة على روايات و اقتباسات
عملت “بلوك” للرقم، وقفت، وأخدت يوسف في حضني ولفيت بيه في الصالة وأنا بضحك من قلبي.
## النهاية
القصة مش قصة طرد أو انتقام، القصة هي قصة “حدود”. لما تفتح بيتك وقلبك لناس مبيقدروش، هيعتبروا طيبتك ضعف، وهيجروا عليك بملء إرادتهم ويدوسوا على كرامتك. أنا مش ندمانة على اللي عملته، بالعكس، دي كانت أعظم خطوة أخدتها في حياتي.
علمت عيلتي درس عمرهم ما هينسوه، وحميت ابني من بيئة سامة كانت ممكن تطلع منه نسخة تانية من أخويا الطماع. من وسط الرماد والتعب، بنيت نفسي من جديد، وبقى بيتي ملكي، وحياتي ملكي، وفرحتي ملكي أنا وابني وبس. وعاش يوسف في ملك أمه.. عزيز، مكرم، ومرفوع الرأس.

