كنت ضامة بنتي الوليدة لصدري ج الاخيـر حكـايات منـي الـسـيد

(الفصل الثالث والأخير)
ليلة وصولي لبيت خالي إسماعيل في حي “شبرا” العريق كانت ليلة عمري ما هنساها. الشقة القديمة اللي سقفها عالي، وريحة خشب الأثاث القديم والياسمين اللي طالع من البلكونة، حسستني بأمان افتقدته من أول يوم دخلت فيه بيت عيلة المنياوي. خالي كان مجهز الأوضة بتاعتي وأنا صغيرة؛ سرير بملايات بيضا ريحتها داوني، وسرير صغير جنب مني لفاطمة، كأنه كان عارف إن اليوم ده جاي جاي.
الساعة كانت يدوب دقاتها بتعلن السادسة صباحاً، والشمس بتشقشق ونورها الخفيف داخل من شيش البلكونة، لما تليفون خالي إسماعيل بدأ يِزن على الترابيزة. خالي مكنش مركب السماعات لسه، بس الهزاز بتاع التليفون كان قوي. أنا قمت بالراحة عشان ما قلقش فاطمة، وخرجت الصالة.
خالي كان قاعد على الكنبة، لابس نظارة القراءة وبيركب سماعاته بهدوء. بصلي وابتسم: “صحيتي بدري يا قلب خالك؟ تعالي، المحامية بتاعتك “أستاذة ماجدة” على الخط، ومعاها أخبار الصباح.”
أنا سحبت كرسي وقعدت جنب خالي، وهو فتح الإسباكر. صوت أستاذة ماجدة كان جاي حازم وواثق: “صباح الخير يا أميرة، حمد الله على سلامتك وسلامة العروسة فاطمة. أنا بكلمك وأنا واقفة قدام مكتب الشهر العقاري في الجيزة. عاصم بيه المنياوي واقف قدامي بنفسه، وتحت عينه هالات سودا كأنه منامش بقاله سنة. المحامي بتاعه بيخلص دلوقتي حالا توكيل خاص بالبيع للنفس وللغير للشقة اللي في الزمالك باسمك، والتنازل النهائي عن المحفظة الاستثمارية اللي باسم فاطمة.”
نفسي ارتاح شوية، وقلت لها: “وباهر فين يا أستاذة ماجدة؟”
صوت ماجدة اتغير وبقى فيه نبرة حذر: “باهر بره الموضوع خالص يا أميرة. أبوه جابه من إيده الفجر، ومضّاه على كل الأوراق ومضّاه على ورقة الطلاق الإشهادي عند المأذون، ودلوقتي باهر بره الصورة تماماً بقرار من عاصم بيه.. عاصم بيه عاوز يقطع أي خيط يربطه بالملف القديم اللي مع سيادة المستشار. بس خدي بالك يا أميرة.. باهر مش سهل، والنوع ده لما بيتكسر وخصوصاً من أبوه وقدام مراته، بيبقى زي الذئب الجريح، ممكن يعمل أي حماقة.”
خالي إسماعيل أخد التليفون وقال بنبرة هادية بس تخوف: “يقدر يعمل إيه يعني يا ست ماجدة؟ الورشة مفتوحة، ورجالة شبرا كلهم عارفين أميرة تخص مين. خليه يدور في دماغه أي فكرة، وأنا هدور له الموتور من جديد.”
قفلنا الخط، وخالي بصلي وقال: “كلي لقمة يا أميرة، ورضعي بنتك، ومفيش مخلوق يهز لك شعرة.”
عدى أسبوعين على اليوم ده. الورق كله خلص، والشقة بقت باسمي، والطلاق الرَّسمي وصلني لحد البيت، وباهر اختفى تماماً من المشهد. عاصم بيه سافر بره مصر في “مهمة عمل” مفاجئة، والكل افتكر إن الموضوع انتهى.
بس أنا مكنتش مطمنة. باهر من النوع الأناني اللي بيشوف نفسه فوق البشر، وإزاي الأسطى الميكانيكي يلوى دراعه ويهينه ويهد برستيجه قدام أبوه؟
وفي ليلة جمعة، خالي إسماعيل كان نزل يصلي العشا في جامع سيدي “أحمد البدوي” اللي في أول الشارع، وبعدها بيقعد مع أصحابه على القهوة شوية. الأوضة كانت هادية، وأنا كنت واقفة في المطبخ بعمل لرضعة فاطمة ميه دافية. فجأة، سمعت صوت خروشة غريبة عند باب الشقة.
قلبي انقبض. مشيت ببطء وبخطوات مكتومة لحد باب الشقة وبصيت من العين السحرية.
الدنيا بره في الطرقة كانت ضلمة، اللمبة مكسورة، بس النور الخفيف اللي جاي من السلم كان مبين خيال راجل طويل، لابس كاب ومقرب من القفل بتاع الباب ومعاه مفتاح بيحاول يجربه بالراحة. لما الوش قرب شوية من العين.. كان باهر!
وشه كان عرقان، وعينيه حمرة وزايغة كأنه مش في وعيه، أو كأنه شارب حاجة عشان تجرأه على الخطوة دي. كان معاه نسخة قديمة من مفاتيح شقة خالي، نسخة كان خدها من شنطتي زمان لما كنا بنزور خالي في العيد ومسحها على صلصال.
جسمي كله سقع، وفاطمة بدأت تعيط جوه الأوضة كأنها حاسة بالخطر. باهر لو دخل، مش هيسمي عليا ولا على بنته، هو جاي ينتقم ويرد اعتباره اللي ضاع في المستشفى.
أنا مجريتش ولا صرخت.. افتكرت كلمة خالي: *”stay quiet لما ناس مؤذية تحاول تخليك تخاف وأنت في إيدك الحق”*.
جريت على الأوضة، قفلت على فاطمة الباب بالترباس، وطلعت الصالة. مسكت تليفوني وبعت رسالة واحدة لخالي إسماعيل: **”باهر عند الباب”**.
خالي مبيسمعش التليفون وهو في جيبه على القهوة، بس هو ظابط التليفون إنه لما يجيله رسالة مني، الساعة الذكية اللي في إيده بتتهز بقوة وبشكل متواصل.
المفتاح تِك في القفل، وباب الشقة اتفتح ببطء. باهر دخل، وقفل الباب وراه بهدوء، والتفت وشافني واقفة في نص الصالة، مربعة إيديا وباصة له بمنتهى الجمود.
باهر قلع الكاب، وظهرت على وشه ابتسامة صفرا مرعبة: “منورة يا ست أميرة.. فاكرة نفسك هربتي؟ فاكرة الميكانيكي العجوز ده هيحميكي مني طول العمر؟”
قلت له بثبات: “إنت جاي هنا تعمل إيه يا باهر؟ إنت نسيت إنك طلقتني، وإن أبوك نفسه بايعك عشان يشتري نفسه؟”
الكلمة دي لمست العصب العاري عنده. وشه اتقلب لغل أعمى، وخطى خطوتين سريعتين ناحيتي، وطلع من جيبه مطواة قرن غزال صغيرة: “أبويا جبان! خاف من شوية ورق ومن تاريخ قديم.. لكن أنا مش خايف! أنا هعلمك الأدب، وهدفعك تمن كل دقيقة ذل عشتها الأسبوعين اللي فاتوا.. وهأخد البنت دي منك، وأسيبك هنا محروقة دمك طول عمرك!”
أنا مرجعتش لورا.. وقفت في مكاني وقلت له: “إنت لو لمستني يا باهر، مش هتخرج من شبرا دي على رجليك.”
باهر ضحك بهستيريا: “مين اللي هيمنعني؟ خالك الأطرش؟ ده زمانه على القهوة بيلعب طاولة ومش حاسس بالدنيا.. وأنا مأمن طريقي كويس.”
وفجأة، ومن غير أي مقدمات، الباب الخشب بتاع الشقة اتفتح دبت هزة في الحيطة كلها. الباب متكسرش، ده اتفتح بقوة وعنف كأن فيه إعصار دخل الصالة.
باهر لف وشه برعب.. وكان خالي إسماعيل واقف عند العتبة.
خالي مكنش لوحده.. كان وراه خمسة من رجالة الورشة، شبايب زئي الشقاق، كل واحد فيهم في إيده مفتاح إنجليزي أو زرجينة حديد. بس خالي شاور لهم بـإيده إن محدش يتحرك.
خالي خطى جوه الصالة، وقفل الباب وراه برجليه. بص لباهر اللي المطواة بدأت تترعش في إيده. خالي قلع الساعة من إيده وحطها على التربيزة، وقلع النظارة، وفك زراير كم قميصه الكاروهات بالراحة كأنه داخل يشتغل في عمرة موتور صعبة.
باهر تراجع لورا، وظهره خبط في نيش الصالة، وصاح بصوت مهزوز: “إوعى تقرب يا راجل يا عجوز.. أنا معايا سلاح.. هعورك!”
خالي إسماعيل حرك شفايفه بسخرية، ومقراش حتى كلام باهر.. هو باصص لعينه وعارف لغتها. خالي قرب منه بلمح البصر، وبسرعة مذهلة متطلعش من راجل في سنه، مسك الإيد اللي فيها المطواة.. لفاها ورا ظهر باهر بحركة “قفل” عسكرية سريعة. سمعنا صوت “تكة” المفصل وباهر صرخ صرخة مكتومة والمطواة وقعت من إيده على السجادة.
خالي مسكه من قفاه، وزقه على الكنبة، وقعد فوق منه ثبته تماماً كأنه حتة حديد في منجلة الورشة. خالي وطى على ودن باهر، وقال بصوت فخم وهادي: “أنا قلت لك يا باهر.. صباع واحد يلمس أميرة هقصهولك. إنت فاكر نفسك صايع؟ إنت يادوب عيل فافي، كبرت لقيت أبوك معاه فلوس فافتكرت نفسك راجل. الرجولية مش بمد الإيد على الحريم، ولا بالسرقة في الضلمة.”
خالي التفت للرجالة اللي واقفين عند الباب: “يا أسطى عبده.. اطلب لي البوكس.. وكلم لي الرائد أحمد في القسم، قوله الأسطى إسماعيل بيقولك معانا حرامي داخل يسرق الشقة وبالمطواة في إيده.”
باهر بدأ يبكي ويترجى، صوته بقى زي الحريم: “بلاش الشرطة.. بلاش المحاضر.. أبويا لو عرف هيحرمني من الميراث وهيطردني بره الشركات.. أرجوك يا حاج إسماعيل.. أنا أسف.. أنا هسيب مصر كلها وأمشي!”
خالي إسماعيل مبصلوش.. سابه واقف وراه الرجالة محاوطينه زي قفص الحديد. خالي جه ناحيتي، وطبطب على كتفي: “أنتي كويسة يا أميرة؟ البنت كويسة؟”
هزيت راسي والدموع في عيني: “الحمد لله يا خالي.. أنا كويسة طول ما إنت جنبي.”
بعد ساعتين، باهر كان قاعد في الحجز في قسم شبرا، معمول له محضر تهجم وشروع في قتل وحيازة سلاح أبيض، والموضوع مكنش فيه أي مجال للوساطة. عاصم بيه لما عرف بالتليفون من المحامي بتاعه وهو بره مصر، بعت رسالة واضحة للمحامي: *”سيبوه في الحجز.. الولد ده لازم يتربى عشان ميتسببش في ضياع العيلة كلها.. أنا بايع باهر من النهاردة.”* وبكده، باهر خسر كل حاجة؛ خسر مراته، وبنته، وفلوس أبوه، وشرفه اللي مكنش موجود أصلاً.
بعد مرور ست شهور..
الدنيا بقت غير الدنيا تماماً. أنا قعدت في شقتي الجديدة في الزمالك، الشقة الواسعة الشرحة اللي بتطل على النيل. رجعت لشغلي في الكتابة والتحرير، وبقيت بكتب وأنا رافعة راسي، وعملت خطة محترمة لمستقبلي ومستقبل بنتي فاطمة.
الشمس كانت دافية وجميلة في بلكونة الشقة، وأنا قاعدة براجع مسودة روايتي الجديدة، وفاطمة قاعدة في المشاية بتاعتها بتضحك وتلعب بالدبدوب البينك.. الدبدوب اللي كان سبب في نجاتنا.
الباب خبط، وفتحت.. كان خالي إسماعيل.
لابس قميصه الكاروهات النظيف، وريحة مية الورد طالعة منه، وفي إيده علبة بسبوسة من المحل اللي بنحبه في شبرا. دخل الصالة، ونور الشقة كله بوجوده.
فاطمة أول ما شافته، بدأت تتحرك بسرعة بالمشاية ناحيته وهي بتناغي: “با.. با..”
خالي وطى بالراحة، شالها بين إيديه الخشنة والحديدية دي، بس شالها بمنتهى الحنان والرفق كأنها حتة بلور غالي. باس راسها الصغير، وبصلي وعينيه مليانة دموع الفرحة.
“تعرفي يا أميرة..” خالي قال وهو باصص لفاطمة، “البنت دي هتكبر تطلع شبهك.. قوية، ومبتخافش، وبتعرف تاخد حقها بالدماغ والعقل.. مش بالصوت العالي.”
أنا ابتسمت ورحت وقفت جنبه، حطيت راسي على كتفه العريض اللي شالني وأنا يتيمة وشالني وأنا مكسورة، وقلت له: “وهتطلع كمان عارفة إن ليها ضهر وسند يسوى الدنيا كلها.. هتطلع عارفة إن عيلتها هي الصح، وإن اللي يفكر يمسنا.. بيبقى دخل العيلة الغلط تماماً.”
خالي إسماعيل ضحك بصوته كله، وهز فاطمة في المير، وبصينا إحنا التلاتة للنيل من البلكونة.. النيل الصامد الماشي في طريقه، زي الحق اللي مهما طال الزمن.. دايماً بيوصل لبر الأمان.
**تمت بحمد الله.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *