إنتِ النهارده مش هتقعدي على السفرة ج 2 حكايات مني السيد

الراجل اللي دخل كان لابس بدلة سودا، ملامحه حادة وشعره متسرح لورا بصرامة، مفيش على وشه أي تعبير غير الجدية اللي تخوف. أحمد أول ما شاف الراجل ده، إيده اللي كانت ماسكة إيدي سابتني فجأة، ووشه بقى شاحب أكتر من الملاية البيضا.
وقفت ووقفت معيا كل الحكاية. حماتي قامت بسرعة، وشها مشدود، وكأنها كانت مستنية الضيف ده بس مش في التوقيت ده.
الراجل وقف في نص الصالة، عيونه لفت على الكل، لحد ما وقفت عندي. ابتسم ابتسامة مريبة وقال بصوت تقيل:
«مساء الخير. أنا الأستاذ محي، محامي شركة التأمين اللي كانت مأمنة على الورشة… وبصراحة، جيت عشان أطمن على آخر التطورات بخصوص قضية الحريق.»
عم حسن قام بلهفة:
«أهلاً يا أستاذ محي، بس إحنا اتفقنا إن الموضوع خلص ودفعنا التعويض!»
محي طلع كارت من جيبه وحطه على السفرة، عينه ما نزلتش من على أحمد:
«اتفقنا على التعويض المدني يا حاج حسن، بس فيه تقرير جنائي جديد طلع النهاردة بخصوص “شبهة تعمد”. والنيابة طلبت استدعاء لأحمد عشان التحقيق في تفاصيل تانية خالص.»
الصالة سكتت سكون الموت. مفيش غير صوت “تكة” التكييف اللي بيحاول يبرد الجو المشحون ده. أنا حسيت بوجع في صدري، بصيت لأحمد اللي كان بيبص للأرض، ومش قادر يرفع عينه في عيني.
قلت بصوت مرعوش:
«أحمد… هو قصده إيه؟ يعني إيه شبهة تعمد؟»
أحمد ماردش. حماتي حاولت تتدخل:
«يا أستاذ محي، إحنا دافعين الفلوس، والراجل اللي العربية بتاعته اتحرقت تنازل! عايز إيه تاني؟»
محي هز راسه ببطء، وفتح الملف الأسود اللي كان في إيده:
«الزبون تنازل عشان خاف من الفضيحة، بس ده ما يمنعش إن شركة التأمين ليها حقها لما تلاقي تلاعب. فيه تقرير فني بيقول إن الحريق ما كانش “ماس كهربائي” زي ما أحمد قال في المحضر، الحريق ده كان بفعل فاعل… وفي كاميرات مراقبة في المحل اللي جنبكم صورت حاجات تانية خالص.»
بصيت لأحمد وصرخت:
«أحمد! انطق! هو كان بيعمل إيه؟ كنت بتخبي إيه؟»
أحمد انفجر في العياط، مش دموع خايبة، دي كانت دموع واحد مهدود من سنين من الضغوط. وقع على ركبه في نص الصالة قدام الكل، حتى الضيوف اللي كانوا جايين للفرح بدأوا يتلموا، والوشوش بدأت تتهامس.
«كنت مديون… مديون لناس تانية غير الورشة يا سارة… ديون قمار، وناس ليل نهار كانوا بيهددوني بيكي وبأمي. والورشة… الورشة كانت مأمنة بمبلغ كبير… كنت فاكر إني لما أحرقها هعرف أخد التعويض وأسد ديوني وأبدا من جديد… بس الخطة فشلت، والشركة كشفت اللعبة!»
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. ديون قمار؟ حريق متعمد؟ أنا كنت عايشة مع مين؟
حماتي انهارت، عم حسن كان واقف مصدوم، وخالة أمينة كانت واقفة في جنب، بتراقب المشهد وكأنها كانت عارفة إن ده هيحصل.
محي المحامي كمل ببرود:
«أحمد، الورق ده أمر استدعاء للنيابة بكره الصبح. لو ما جيتش، هيطلع أمر ضبط وإحضار.»
ساب الورق على السفرة ومشي من غير ما يبص ورا، كأن قنبلة موقوتة سابها في قلب بيتنا ومشي.
قعدت على الكنبة، حاسة إني غريبة في المكان ده، غريبة عن الراجل اللي جوزي، وغريبة عن عيلة كانت بتمثل عليا دور السند. أحمد لسه على الأرض، بيعيط بهستيريا، وحماتي بتلطم، وعم حسن بيحاول يفهم أي حاجة في وسط الدوشة دي.
قمت وقفت، بصيت لأحمد وقربت منه. الكل سكت، مستنيين أشوف هعمل إيه. مسكت إيده، بس مش بحب، مسكتها بقوة لدرجة إن مفاصل إيدي وجعتني.
قلت بصوت مسموع للكل:
«أحمد، إنت مش بس خبيت عليا، إنت بعت حياتنا وكرامتنا عشان غلطة كبيرة. أنا مش هسيبك، بس مش عشان بحبك دلوقتي… أنا هسيبك عشان أعرف الحقيقة كاملة، وعشان القانون ياخد مجراه.»
عم حسن اتدخل:
«يا سارة يا بنتي، دي فضيحة! الجيران، الناس اللي جاية الفرح… ده ابننا!»
بصيت لعم حسن، اللي كان أول مرة أشوفه بجد، شفت فيه راجل مكسور من أفعال ابنه ومراته، قلت:
«يا عمي، الفضيحة مش إننا نعرف الحقيقة، الفضيحة إننا نفضل نكذب على بعض لحد ما كلنا نتحرق. أحمد لازم يواجه غلطه.»
دخلت أوضة النوم، وطلعت الشنطة اللي كنت جايباها من أول يوم اتجوزت فيه، بدأت ألم هدومي. أحمد جه ورايا، مسك إيدي:
«سارة، أرجوكي… ما تسيبيش البيت في الوقت ده.»
بصيت له نظرة مفيش فيها أي مشاعر، نظرة خالية من الوجع، خالية من العتاب.
«أحمد، البيت ده من زمان مكنش بيتي. كان سجن مبني على كدبة كبيرة، وأنا النهاردة قررت أخرج منه، حتى لو هخرج على الخراب.»
طلعت للصالة، لقيت خالة أمينة واقفة عند الباب، بصتلي وقالت بصوت واطي:
«كنت عارفة إنك أشجع واحدة فيهم. خدي بالك، الملف اللي المحامي سابه… فيه أسماء تانية متورطة مع أحمد في القمار، ومحدش عارف هيعملوا إيه لما يعرفوا إن أحمد اعترف.»
فتحت باب الشقة، والهوا كان لسه تقيل ومشبع بريحة التوتر. نزلت السلم، وأنا مش عارفة أنا رايحة فين، بس عارفة حاجة واحدة بس: إن حياتي اللي بدأت بـ “عزومة جمعة”، انتهت بلحظة قررت فيها أكون بطلة حكايتي أنا، مش ضحية حكاياتهم.
وأنا في الشارع، سمعت صوت صريخ حماتي بيعلى جوه، وصوت عم حسن وهو بيحاول يلم شتات العيلة، بس كان متأكد إن مفيش حاجة هترجع زي ما كانت.
مشيت في شوارع شبرا، والأنوار كانت بتطفي واحدة ورا التانية، حاسة إن كل خطوة بتبعدني عن “سارة” القديمة، وبتقربني من واحدة تانية، واحدة مش هتسمح لحد إنه يحدد مكانها على السفرة، ولا حتى في حياتها.
لسه الطريق طويل، ولسه الحكاية ما خلصتش، والأيام اللي جاية مخبية لي اختبارات أكتر، بس أنا جاهزة… جاهزة لأي حاجة، حتى لو كانت الحقيقة المرة.
خرجت من العمارة والشارع كان هادي، بس ودني لسه بيرن فيها صريخ حماتي وكلمات أحمد المكسورة. شبرا بالليل ليها طعم تاني، ريحة الملوخية والتقلية طالعة من شبابيك البيوت، وصوت العربيات البعيد، والناس اللي لسه بتشتري حاجات الفرح بتاع بكرة. بس أنا كنت في عالم تاني خالص، عالم سارة اللي اكتشفت إن حياتها كانت “سكيتش” رخيص مكتوب بخط إيد ناس تانية.
مشيت من غير وجهة محددة، موبايلي رن في إيدي.. كان رقم أحمد. كنت همسح الرقم، بس ترددت. رديت عشان أسمع آخرته إيه.
«سارة.. أرجوكي.. أنا واقف قدام باب البيت والناس بدأت تخرج وتتساءل عنك.. خالة أمينة بتقول إنك مشيتي.. سارة ردي عليا، أنا ماليش غيرك!»
ضحكت ضحكة ناشفة، صوتها كان غريب حتى عليا.
«مالكش غيري؟ إنت من إمتى بتعتبرني موجودة يا أحمد؟ إنت كنت بتعتبرني “ملحق” في حياتك، ديكور في الشقة عشان ترضي أمك وتغطي على ديونك. كنت بتخبي عليا الحقيقة عشان خايف على صورتك، مش خايف عليا. يا أحمد، الجواز مش شقة ومصاريف، الجواز سكن وأمان، وأنا بقالي سنين عايشة في رعب وقلق منك ومنها.»
قفل السكة من غير ما ينطق، كأنه كان مستني اللحظة اللي أواجهه فيها بالحقيقة دي. رميت الموبايل في شنطتي، وكملت مشي. وصلت لحد محطة المترو، قعدت على الرصيف، بصيت للناس اللي رايحة وجاية، كل واحد فيهم شايل همه، بس همهم أكيد مش زي همي. أنا شلت هم “جوزي المقامر” و”حماتي المتسلطة” و”فضيحة قانونية” هتدمر أي أمل في حياة كريمة.
عدت ساعة، كنت حاسة إن جسمي كله متخشب. فجأة، حسيت بحد قاعد جنبي. بصيت، لقيتها خالة أمينة. كانت لابسة عباية سودا، ومسكت طرف طرحتها كعادتها.
«كنت عارفة إنك هتيجي هنا يا سارة. المحطة دي هي المكان الوحيد اللي كنتِ بتيجي فيه لما تحسي إن الدنيا ضاقت عليكي في بيت عم حسن.»
بصيت لها باستغراب: «إنتِ عرفتي منين؟»
ابتسمت ابتسامة حزينة: «أنا اللي كنت بتابعك يا بنتي من بعيد. كنت عارفة بكل حاجة، كنت عارفة بضغط حماتك عليكي، وكنت عارفة بـ “الخبايا” اللي أحمد بيعملها. كنت بستنى اللحظة اللي تنفجري فيها.. والنهاردة، الستارة وقعت.»
مسكت إيدي، إيدها كانت خشنة بس دافية: «يا سارة، الملف اللي المحامي سابه.. أحمد خبي عليكي حاجة تانية أكبر من القمار. هو مش بس مديون، هو تورط في عمليات “تزوير” لمستندات الورشة عشان يقدر ياخد قروض بضمانات وهمية. لو أحمد دخل النيابة بكره من غير ما يكون معاه محامي شاطر و”خطة”، هيخرج منها محبوس سنين طويلة.»
حسيت ببرودة في جسمي: «تزوير؟ ده معناه سجن مش مجرد غرامة!»
خالة أمينة هزت راسها: «بالظبط. وأنا عندي حل. فيه محامي، كان خطيبي من سنين قبل ما أتجوز وأرمل.. هو الوحيد اللي يقدر يطلع أحمد من القضية دي، بس مقابل إنه يفتح ملف “خلفية” عيلة أحمد، ويشوفوا إيه اللي وصلهم للدرجة دي. هل تقبلي؟»
بصيت لخالة أمينة، شفت في عيونها وميض غريب. «ليه بتساعديني يا خالة أمينة؟ إيه مصلحتك؟»
اتنهدت وقالت بصوت واطي: «لأن حماتك، أم أحمد، هي اللي كانت السبب في فسخ خطوبتي زمان. كانت خايفة أخطف ابنها منها، فعملت مكيدة خلتني أطلع “سمعة وحشة”. أنا عايزة أشوفها مكسورة زي ما كسرتني، وأحمد ده.. هو نقطة ضعفها الوحيدة.»
الخطة بدأت تتضح قدامي. أنا مش بس بخرج من بيت، أنا داخلة في حرب تصفية حسابات قديمة. خالة أمينة بتستخدم وجعي عشان تنتقم، وأنا.. أنا كنت محتاجة أي قوة عشان أقف قدام أحمد وأهله.
«موافقة يا خالة أمينة. بس بشرط، أحمد يرجع لي كل فلوسي اللي استلفها مني باسم “المساعدة”، ويكتب لي شقة الإيجار اللي كنا بنحلم بيها باسمي، كضمان لمستقبلي قبل ما أتحرك في القضية دي.»
خالة أمينة ضحكت: «عجبتيني يا سارة. بقيتي تقرصي وتعرفي حقك فين.»
قمنا من على الرصيف، وركبنا ميكروباص رايح وسط البلد. الطريق كان زحمة، بس عقلي كان بيتحرك بسرعة البرق. أحمد دلوقتي أكيد خايف، وممكن يكون بيحاول يهرب.
وصلنا لمكتب المحامي. كان مكتب قديم، ريحته ورق متهالك وقهوة. دخلنا، وكان الراجل قاعد ورا مكتب كبير، وشه مألوف.. أيوة، ده المحامي اللي كانت صورته موجودة في ملفات قديمة عندي في البيت، لما كنت بقلب في ورق أحمد زمان.
«أهلاً يا سارة.. وأهلاً يا أمينة.»
بصيت لخالة أمينة بصدمة: «إنتِ عارفة المحامي ده؟»
قالت ببرود: «ده مش بس محامي، ده اللي كان بيخطط لكل حاجة في بيت العيلة من ورا ضهركم. أحمد كان بيسمع كلامه في كل حركة.»
وقعت على الكرسي، الدنيا بدأت تضيق تاني. أنا ما خرجتش من دايرة، أنا دخلت في دايرة أكبر. المحامي ده هو اللي كان “المخرج” لكل كوارث أحمد.
المحامي فتح درج مكتبه، وطلع ظرف كبير.. رماه قدامي:
«ده اللي كان بيحاول أحمد يخبيه عليكي. مش بس ديون وقمار وتزوير.. دي عقود بيع “أعضاء” أو حاجة تانية خالص.. حاجات بتدخل السجن المؤبد.»
فتحت الظرف، عيوني اتسعت من الصدمة. ورق رسمي، بصمات، وتوقيعات.. وتوقيعي أنا كان موجود في آخر ورقة!
«توقيعي؟ أنا ما مضيتش على حاجة زي دي!»
المحامي ابتسم: «إنتِ مضيتي يا سارة.. يوم ما أحمد قنعك تمضي على “أوراق القرض” اللي حماتك كانت بتضغط عليكي فيها، كان هو حاطط الورقة دي تحتها.. وكنتِ بتثقي فيه لدرجة إنك مابتقريش.»
حسيت إني خلاص، وقعت في الفخ الكبير. بس في اللحظة دي، دخل حد المكتب.. حد مكنتش أتخيل إني أشوفه في الوقت ده. دخل “عم حسن”، ومعاه شنطة فلوس.. وبص لي وقال:
«سارة.. أنا اللي جيت عشان أخلصك من كل ده. بس بشرط..»
الشرط ده كان أغرب حاجة سمعتها في حياتي، شرط غير مجرى كل اللي فات، وخلى خالة أمينة تسكت لأول مرة. إيه اللي كان في الشنطة؟ وليه عم حسن، الراجل الغلبان، هو اللي ظهر دلوقتي؟
الحكاية لسه بتبدأ، والورق اللي قدامي كان بيحكي حكاية عيلة مش بس مديونة بالمال، دي مديونة بالروح.. وكلنا كنا في المركب، والموج كان بيعلى، والغرق كان هو الاحتمال الوحيد المتبقي.
بصيت لعم حسن، وبصيت لخالة أمينة، وبدأت أفهم إن “العزومة” ما كانتش خناقة على الأكل، كانت بداية لمواجهة الحقيقة اللي كانت مدفونة سنين.. حقيقة إننا كلنا كنا بنمثل في مسرحية، وكان لازم حد فينا يصرخ ويقول: “الستارة تقع!”
