فـاتورة ٨ سنيـن ج 2 حكايات مني السيد

الشقة رجعت تفضى عليا تاني بعد ما حماتي وعزة وكارم خرجوا ورزعوا الباب وراهم. قعدت على الكنبة في الصالة، والظلام بدأ يزحف على الجدران، بس ممدتش إيدي أقيد النور. كنت محتاجة الضلمة دي عشان أرتب أفكاري اللي بقت زي خيوط الصنارة المكعبلة.
الهدوء ده مكنش هدوء راحة، ده كان الهدوء اللي بيسبق طقة الرعد. بصيت على برواز صورتنا اللي اتهز للمرة التانية؛ كنا فيه أصغر بتمان سنين، وشه كان لسة مفرود وضحتكه واصلة لودانه، وأنا كنت لسة البنت العبيطة الساذجة اللي مصدقة إن “الست الأصيلة هي اللي تشيل جوزها من على الأرض شيل”. يا هبلة يا هدى! شلتيه لحد ما ضهرك اتكسر وهو ركب الفلوكة ومشي في البحر وسابك تغرقي في شبر مية.
مسكت الموبايل، ونورت كشاف الشاشة على الكشكول الأخضر. مسكت القلم وكتبت: *”فبراير 2026. المعركة خرجت برة البيت. البنك باعت إنذار بسحب العربية السوزوكي الفان. كارم نزل المحاماة الكبيرة (الحاجة أم كارم وأختها). الميزانية الحالية في جيبي: 3800 جنيه كاملة مكملة.”*
ضحكت بمرارة وأنا ببص للرقم. تلات تلاف وتمنمية جنيه! بالنسبة لناس كتير ده مبلغ تافه وميعملش حاجة في غلاء اليومين دول، بس بالنسبة لي؟ ده كان إعلان استقلال. ده معناه إني هقدر أنزل الصيدلية بكافيل صباعي وأجيب علبة دواء الضغط المستوردة اللي الدكتور كتبها لي ومكنتش بعرف أشم ريحتها، وهيفضل معايا فلوس أجيب فاكهة وخضار طازة للبيت، مش بقايا الأسواق اللي كنت بلمها بالليل عشان رخيصة.
### اللعب على المكشوف
كارم مرجعش البيت ليلتها. نام عند أمه في الشقة اللي في أول الحارة. عرفت ده لما لقيت طنط “عواطف” جارتنا في الدور الأرضي بتصل بيا الصبح بدري وأنا نازلة الشغل:
— “صباح الخير يا هدى يا بنتي.. جرى إيه؟ أنا شفت كارم نايم في عربيت الفان بالليل، الصبح شفته طالع عند الحجة أم كارم ووشه ميتفسرش.. إنتوا متخانقين ولا إيه يا ضنايا؟”
استعذت بالله في سري وقلت لها بصوت هادي:
— “مفيش يا طنط عواطف، خلاف بسيط زي اللي بيحصل في كل البيوت. ادعي لنا.”
قفلت معاها وأنا عارفة إن المحروس جوزي بدأ خطة “التمسكن ومصمصة الشفايف” قدام أهل الحارة عشان يطلعني أنا الست المفترية اللي طردت جوزها أو نكدت عليه. مش مهم، اللي يحسب الحسابات مبيخافش من كلام الناس.
في الشركة، ميرفت كانت مستنياني على نار. أول ما دخلت وعلقت شنطتي، سحبت الكرسي وقعدت جنبي:
— “ها؟ طمنيني؟ حماتك عملت إيه؟ أنا عارفة أم كارم دي، دي بلدوزر ومبتسيبش حق ابنها واصل لحد فين.”
حكيت لها كل اللي حصل، من أول رسالة البنك لحد قعدة الصالة والبخور والتهديد بالخراب. ميرفت لطمت على صدرها وقالت:
— “يا لهوي! ده جاب لك المحكمة العرفية لحد البيت! بس برافو عليكي يا هدى، والله وطلع لك سنان وبقيتي تقولي ‘بيع الصنارة يا كارم’. هههه دي تموت من الضحك.. بس قولي لي، إنتي ناوية على إيه لو المهلة خلصت والعربية اتسحبت؟”
سندت ضهري على الكرسي وبصيت للسقف:
— “مش ناوية على حاجة يا ميرفت. العربية دي باسمه، وهو اللي بيشتغل بيها بعد الظهر عشان يلم قرشين لنفسه ولشلة الصيادين. أنا مش هتحرك مليم واحد. أنا مستنية أشوف هو هيتصرف إإاي لما يلاقي الحبل بيتدك حولين رقبته.”
ميرفت هزت رأسها بقلق:
— “كارم مش هيسكت يا هدى، الراجل لما بيتحط في خانة اليك، وخصوصاً قدام أمه وأخته، ممكن يعمل أي حاجة عشان يثبت إنه لسة مسيطر. خدي بالك من نفسك وتليفونك، ومتوقعش على أي ورقة يمررهالك في البيت.”
كلام ميرفت كان في الجون. تمن سنين محاسبة علمتني إن الإمضاء هي اللي بتودي في داهية، وأنا من هنا ورايح مش همضي حتى على وصل استلام طلبات الدليفري.
### اليوم الحاسم.. وخراب برستيج السوزوكي
يوم الخميس الصبح، كانت الـ 48 ساعة خلصت. كارم رجع البيت الساعة سبعة الصبح، وأنا كنت لسة بلبس عشان أنزل الشغل. دخل الشقة زي القضا المستعجل، عينه حمرا وشكله منامش بقاله يومين.
وقف في الممر وبص لي بنظرة لؤم وشماتة غريبة:
— “أهو العربية واقفه تحت البيت يا هدى. والبنك باعت المندوب بتاعه ومعاه محضر التنفيذ. هتهوني عليكي عربيتنا اللي بنسترزق منها؟ هتهون عليكي وقفتي قدام جيران الحارة والناس بتتفرج عليا والمحضر بياخد المفتاح؟”
بصيت له برود تام وأنا بقفل سوستة الشنطة:
— “العربية هتهون عليا؟ ومستخسرتش إن مرتيبي وصحتي يهونوا عليك تمن سنين؟ اتصرف يا كارم. كلم حد من صحابك بتوع الفلوكة يسلفك. خليهم ينفعوك.”
— “أنا ماليش أصحاب يسلفوني المبالغ دي! أنتي عارفة إن القسط المتأخر بالفوائد والمصاريف عامل 5 تلاف جنيه! أنا هجيب منين خمس تلاف جنيه في دقيقة؟” — زعق وصوته شرخ.
— “بيع الصنارة.. أهي تجيب لها تلات تلاف ونص لو مستعملة استعمال خفيف، وكمل الباقي من جيبك.”
كارم وشه اتشنج، وبص لي كأني شتمت أبوه وأمه. سابني ونزل يجري على السلم وهو بيتحسبن ويقول: *”حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة.. ربنا ينتقم منك.”*
فتحت شباك البلكونة اللي بيطل على الشارع الرئيسي للحارة عشان أشوف الفيلم. الحارة مابتصدق تلاقي جنازة أو خناقة عشان تتفرج. لقيت عربية بوكس صغيرة واقفة، وجنبها راجل ببدلة كحلي متبهدلة وشايل في إيده محفظة جلد كبيرة (ده مندوب البنك ومعاه أمين شرطة). وكارم واقف في النص، بيشوح بإيديه ووشه في الأرض، وعزة أخته واقفة على أول الشارع بتصوت وتلم الناس: *”يا خراب بيتك يا خويا! يا فضيحتك وسط الناس يا كارم! بقى حتة حتة ست تعمل فيك كده؟”*
الناس بدأت تطلع في البلكونات، وطنط عواطف خرجت برأسها، والكل عمال يبص على كارم وهو بيسلم رخصة العربية ومفتاح السوزوكي الفان لأمين الشرطة. المنظر كان يوجع القلب لأي حد، بس بالنسبة لي؟ كان تمن العدالة. العربية دي اللي كان بياخد فيها صحابه ويروحوا يقضوا الويكيند في جديّة السويس والإسماعيلية يصطادوا، بينما أنا قاعدة في البيت حابسة نفسي مش قادرة أنزل أشتري كيلو طماطم زيادة.
المندوب ركب العربية الفان وساقها، وأمين الشرطة ركب البوكس ومشيوا. كارم فضل واقف في نص الشارع، طوله انحنى لأول مرة، وبقى يبص للأرض كأنه بيدور على كرامته اللي تاهت وسط التراب. عزة أخته جريت عليه وأخدته من إيده وطلعت بيه على بيت أمهم، وهي بتبص لبلكونتي وتتفل في الأرض وتدعي عليا بخراب المستعجل.
قفلت الشباك، وأنا حاسة برعشة خفيفة في إيدي. المواجهة بقت على المكشوف، وكارم ا تكسر قدام الحارة كلها. والراجل لما يتكسر قدام الناس، بيتحول لحيوان جريح.. ومبقاش ليه أمان.
### رسائل التهديد المبطنة
في الشغل، مكنتش قادرة أركز. كل شوية موبايلي يرن. رسايل من أرقام غريب، ومن قرايب كارم اللي عمري ما شفتهم من يوم الفرح.
*”أنتي ست برية وقاسية”*، *”جوزك اتفضح بسببك يا فاجرة”*، *”ربنا مش هيبارك لك في قرشك”*.
مسحت كل الرسايل دي وعملت بلوك للأرقام واحد ورا التاني. بس اللي قلقني بجد كانت رسالة من كارم نفسه الساعة اتنين الظهر. مكتوب فيها جملة واحدة:
*”اللي ملوش خير في جوزه، ملوش مكان في بيته. لما ترجعي مش هتلاقي حاجتك يا هدى.”*
قريت الرسالة وقلبي سقط في رجلي. مش خوف على الهدوم أو العفش، خوف من الغدر. الراجل ده ممكن يعمل أي مصيبة عشان ينتقم لبرستيجه اللي ضاع الصبح.
رحت لمدير الشركة، الأستاذ رأفت، واستأذنت منه أمشي بدري ساعة. الراجل كان محترم وعارف إن ظروفي الصعبة بقالها فترة، فوافق وقالي: *”خير يا هدى؟ لو محتاجة أي مساعدة قانونية من محامي الشركة قولي لي.”* شكرته وخرجت جري.
أخدت ميكروباص ووصلت الحارة على الساعة أربعة العصر. كانت الحارة هادية، والناس بتبص لي بنظرات فيها لوم وفيها فضول. طلعت السلم بسرعة وأنا بنهج، وطلعت مفتاح الشقة من الشنطة. حطيت المفتاح في الكالون.. وبدأت ألفه.
المفتاح لف لفة واحدة.. والتانية.. بس الباب مأفتحش!
جربت تاني.. المفتاح بيدخل بس مبيتحركش جوة الكالون. كارم غير كالون الباب!
### الشارع لا يرحم
وقفت قدام الباب وأنا مش مصدقة. تمن سنين من عمري وشقايا في البيت ده، تمن سنين بدفع إيجاره ومصاريفه وقروضه، وفي الآخر أقف برة على السلم زي الغريبة؟
رزعت على الباب بكل قوتي:
— “كارم! افتح الباب يا كارم! افتح بقولك!”
مفيش أي رد من جوة. السكون التام.
نزلت بسرعة على شقة حماتي اللي في أول الشارع. خبطت على الباب، فتحت لي عزة وبصت لي بابتسامة نصر صفرا تفرس:
— “عايزة إيه يا هدى؟ جاية ليه هنا؟ مش خلاص خربتي بيت أخويا وعربيت اتسحبت؟ مالكيش عيش عندنا خلاص.”
— “أخوكي غير كالون الشقة يا أبلة عزة! حاجتي وهدومي جوة، والبيت ده إيجاره مدفوع من شقايا!” — قلتها وأنا وصوتي بيرتعش من الغيظ.
حماتي ظهرت من ورا عزة، وهي ماسكة السبحة وقالت ببرود قاتل:
— “الشقة دي شقة ابني يا حبيبتي، والراجل لما مراته متمشيش تحت طوعه، يقفل في وشها الباب لحد ما تتربى وتعرف قيمة الجزمة اللي بيمشي بيها. روحي لبيت أبوكي يا هدى، وخلي الـ 3800 جنيه بتوعك ينفعوكي ويوفروا لك سكن!”
وراحوا رازعين الباب في وشي!
وقفت في مدخل البيت والدموع أخيراً غلبتني ونزلت. كنت حاسة بقهر غريب، قهر الست اللي ضحت بكل حاجة وفي الآخر ات رمت في الشارع بشنطة يدها. طلعت على الرصيف وأنا مش عارفة أروح فين. أروح لأبويا؟ أبويا راجل عجوز وعايش على معاشه الغلبان وصحته على قده، لو شافني بالمنظر ده وضغطي عالي ممكن يجرى له حاجة.
قعدت على دكة خشب قدام محل بقالة عم “محمود”، الراجل الطيب اللي في الحارة اللي يعرفنا من زمان. عم محمود شافني وأنا ببكي، جاب لي أزوزة مية ساقعة وقرب مني:
— “وحدي الله يا بنتي.. كارم غلطان، واللي عمله الصبح والنهاردة مش أفعال رجالة. بس أنتي لازم تكوني أذكى من كده. متسيبيلوش الشقة كأنك هربانة. الشقة دي قايمتك وعفشك فيها، ولو سيبتيها كأنك بتتنازلي عن حقك.”
مسحت دموعي وبصيت لعم محمود:
— “هعمل إيه يا عم محمود؟ قفل الباب في وشي وتليفونه مغلق، وحماتي وعزة واقفين له ضهر.”
عم محمود وطى صوته وقال:
— “أنتي محاسبة وبتفهمي في القانون يا هدى. اطلعي على قسم الشرطة اللي في أول الحارة، واعملي محضر ‘تمكين من مسكن الزوجية’ وقولي إن جوزك طردك وغير الكالون وحابس حاجتك جوة. الشرطة هتيجي وتكسر الباب وتدخلك بقوة القانون. متخليش كسرته الصبح تخليه يكسرك بالليل.”
### قرار المواجهة القانونية
كلام عم محمود فوقني. رجعت المحاسبة اللي جوايا تشتغل تاني. قمت من على الدكة، شكرته، وأخدت بعضي ومشيت في اتجاه قسم الشرطة. مكنتش خايفة، الخوف خلاص مات جوايا من يوم ما شفت الصنارة الياباني بتلت تلاف وتمنمية جنيه والـ 500 جنيه المرمية على التربيزة.
دخلت القسم، والجو هناك كان يخوف لأي ست طبيعية، بس أنا كنت مشحونة بطاقة غضب تفرتك جبال. قعدت قدام أمين الشرطة وحكيت له الموضوع بوضوح وبالأرقام وبصورة عقد الإيجار اللي كنت مصوراه على موبايلي (عيب المحاسبين برضه، كل حاجة متأرشفة).
الأمين بص في الأوراق وقال:
— “تمام يا مدام هدى. هنعمل محضر إثبات حالة طرد من مسكن الزوجية وتغيير مغاليق الباب. وهيطلع معاكي قوة من القسم الحين لمعاينة الباب وإثبات الحالة، وبعدها المحضر بيروح النيابة وعمل قرار تمكين.”
ساعة ونص وأنا قاعدة في القسم مستنية الإجراءات تخلص. كان الليل خلاص دخل تماماً، والساعة بقت تمانية. خرجت من القسم ومعايا أمين شرطة وشخصين من أفراد القوة، وراكبين بوكس الشرطة وراجعين على الحارة.
لما البوكس دخل الحارة وسرينا النور الأزرق والأحمر عمالة تلف وتنور على جدران البيوت، الحارة كلها اتقلبت. الناس جريت على الشبابيك والبلكونات. البوكس وقف قدام بيت حماتي بالظبط.
نزلت أنا وأمين الشرطة، وطلعنا السلم. وقفت قدام باب شقتي، والأمين خبط برزع قوي:
— “افتح يا كارم! معاك شرطة نجدة وقسم!”
المرة دي الباب اتفتح بسرعة الصاروخ. كارم ظهر ووشه أصفر زي الليمونة الميتة، ومن وراه كانت عزة وأمه طالعين يجروا على السلم وهما بيصوتوا: *”يا مصيبتنا! الشرطة في الحارة؟ عملتي إيه يا مقصوفة الرقبة؟”*
الأمين بص لكارم بحدة وقال:
— “إنت كارم عبد العزيز؟ غيرت كالون الشقة وطردت مدام هدى برة؟”
كارم بدأ يرتعش ويتلعثم في الكلام:
— “يا باشا.. يا باشا ده خلاف عائلي، وهي اللي سابت البيت الصبح..”
— “خلاف عائلي في المحاكم، مش بتغيير الكوالين وحبس الست برة وحجز هدومها!” — الأمين زعق فيه وخلاه يرجع لورا. — “المفتاح الجديد فين؟”
كارم طلع المفتاح بإيد ترعش وسلمه للأمين. الأمين لفه في الكالون واتأكد إن الباب بيفتح، وبعدين بص لي وقال:
— “اتفضلي ادخلي شقتك يا فندم. وحاجتك كلها معاكي. وأنت يا أستاذ كارم، هتيجي معانا القسم عشان تمضي على تعهد بعدم التعرض ليها لحد ما النيابة تفصل في محضر التمكين.”
عزة بدأت تصرخ وتلطم: *”أخويا هيبات في القسم؟ يا فضيحتنا يا فضيحتنا!”* وحماتي قعدت على السلم تندب حظها وابنها البكري اللي اتمسح بكرامته الأرض مرتين في يوم واحد.
دخلت الشقة، وقفت في الصالة وبصيت لكارم وهو بيقفل جيرانه وبيمشي ورا أمين الشرطة ونزل على السلم ورأسه في الأرض. قفلت الباب من جوة، ولفيت المفتاح الجديد لفتين.
قعدت على الكنبة، وبصيت لكشكولي الأخضر اللي كان على التربيزة.. المعركة كبرت وبقت في القسم والنيابة، والخطوة الجاية مش هتنتهي بمجرد قفل باب. النفس الطويل هو اللي هيكسب، وأنا نفسي أطول من البحر اللي كان كارم بيصطاد فيه.
حكايات مني السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *