أبـويا رجـع من السـوق شايـل أكـل العشـا عشـان نحتـفل بتخرجـي ج 4 الاخيـر

قفشني في الهواء وخدني في حضنه، حضن قوي أوي، مكبوس ودافي لدرجة حسيت إن ضلوعي بتطقطق تحت وزن جاكيت الصوف التقيل بتاع جدي. كانت ريحته فاقعة بصابون الغسيل “صنلايت”، وبلسم بعد الحلاقة الرخيص، وعرق الساقع بتاع التوتر. كانت ريحة البيت. ريحة المكسب الوحيد اللي يمني في الدنيا دي كلها.
— يا بنتي! يا بشمهندسة يا قمر! عملناها يا ضنايا.. عملناها! — كان بيصرخ من كتر الفرحة وهو مش عايز يسيبني، وبيبوس جبهتي العرقانة مرة ورا تانية بلهفة مبهجة.
— عملناها يابا — رديت عليه، وأنا بعيط المرة دي من غير ما أمسك نفسي خالص على كتفه.
فجأة، ساد سكوت غريب ومحرج حوالينا. بعدنا عن بعض شوية ولفينا نشوف فيه إيه. لقيت واحدة من أكتر الدكاترة تكبراً، واحتراماً، وشِدة في كلية الهندسة، الدكتورة منال، قربت مننا. كانت ست ذكية جداً بس ناشفة، من عيلة ومجتمع راقي، ولابسة تا those بدل رمادي غامق شيك أوي، وطول تلات سنين كانت دايماً بتطلب مني مجهود وشغل تلات أضعاف زمايلي لمجرد إني جاية من مدرسة ثانوية حكومية.
أول ما أبويا شافها واقفة قدامنا، حس بقلة حيلة وخوف في ثانية. مسح بسرعة الدموع الشاردة من على خده بضهر إيده اللي متعاصة شحم، وظبط بسرعة قميصه الكاروهات من قدام، وفرد ضهره وحاول يدير جزمته المقشرة الشقيانة، بعد ما حس فجأة بالكسوف واللخبطة من شكله البسيط قدام قامة علمية كبيرة زي دي.
— يا أنا — قالتها الدكتورة منال، بنبرة صوتها اللي مفيش شك في قوتها، وبصتلي من فوق لتحت بعيونها الغامقة واللي بتفحص كل حاجة — ألف مبروك على الخطوة دي. ولازم أقولك، وعايزة كل اللي واقفين هنا يسمعوا، إن مشروع تخرجك في هندسة الإنشاءات كان، وبفرق كبير جداً، أكتر مشروع فيه فكر، ودقة، وشطارة في الدفعة بتاعتك كلها. إنتي قدامك مستقبل كبير أوي يا بنتي.
قلبي اتنفض من كتر الفخر. أبويا، أول ما سمع الكلام ده من حد بالمرتبة دي، اتنفخ كأنه طاووس، ونسي في ثانية الكسوف اللي كان حاسس بيه.
— شكراً جداً يا دكتورة منال. كلام حضرتك ده على راسي ومن ورا قلبي — رديت وأنا وشي بيحمر وبضم الفولدر لصدري.
الست الجادة دي هزت دماغها براحة. بس، قبل ما تمشي، نظرتها الخبيرة وقفت عند لبسي. عيونها مشيت على اللياقة القديمة والعريضة للجاكيت الرجالي الأسود، وبعدين نزلت براحة لحد ما وقفت عند عقدة الحرير الأزرق المتقطع المربوط بغشم حوالين وسطي. حواجبها اتعقدت شوية بشكل فيه فضول كبير.
— ولازم أقولك على حاجة كمان يا أنا… — كملت الدكتورة، وهي بتميل دماغها شوية على جمب، وبتوزن شكل الهدوم — لبسك الليلة دي… بصراحة يشد العين. فيه تمرد وجديد تماماً. بيكسر كل الروتين الممل اللي بنشوفه كل سنة. فيه قوة بصرية كبيرة ويدي إيحاء بالهيبة. قوليلي، ده تصميم فكرة لمصمم جديد؟ جبتي منين فكرة إنك تمكسي بدلة رجالي كلاسيك مع لمسة القماش الني ده؟
السكوت حل على مجموعتنا الصغيرة. خالتي كريمة حطت إيدها على بوقها. وأبويا بصلي بطرف عينه، مرعوب، وحابس نفسه، ومستني يشوف هخرج إزاي من السؤال ده من غير ما نقل بكرامتنا قدام الدكتورة أو نكشف الفضيحة والوجع اللي حصل من ليلى.
أنا اتهزتش. نزلت عيني براحة لوسطي. لمست الحرير الأزرق المتقطع وحسيت بالصوف الناشف بتاع جدي من تحته. وفي ثانية، افتكرت الصوت البايظ للمقص وهو بيقع في باسكت الزبالة الحديد. افتكرت القوطة الحمراء المعصورة في أرضية الطرقة في البيت. افتكرت كيس الورق وهو بيقع من إيدين الراجل اللي جابني الدنيا وهو بيرتعش.
رفعت وشي براحة، وبصت في عين الدكتورة منال الجامدة، وابتسمت بسلام كبير، كامل ومملوش آخر. سلام مفيش مخلوق هيقدر ياخده مني بعد كدا.
— لأ يا دكتورة منال. ده مش تصميم موضة ولا حاجة — صوتي طلع واضح، قوي، ومفيهوش ريحة الكسوف في الصالة كلها — دي ببساطة حكاية. ده ورثي. واللي عمله هو أجدع راجل، وأكتر واحد شقيان وذكي شفته في حياتي كلها.
وقلت كدا، وأخذت إيد أبويا الناشفة، الكبيرة والمليانة علامات، ورفعتها شوية قدامها، وشبكت صوابعي في صوابعه. هو اتخض، وقفش على إيدي بقوة كبيرة واتنحنح بصوت عالي، وقفل عينه لثانية عشان يحاول يبلع لقمة الدموع اللي كانت هتنزل تاني.
الدكتورة منال سكتت لكام ثانية طولوا أوي، وبتبص لإيدينا المشبوكة، الفرق بين الجلد الصغير والجلد المتغمس في زيت المواتير. وبعدين، رجعت تبص في عيني. وِشها الناشف والصعب فك تماماً. الكشكشة اللي في جبهتها تاهت، ولأول مرة من أربع سنين أعرفها فيها، شفتها بتبتسم بحنية صافية ومن قلبها. هزت دماغها براحة، من فوق لتحت، كأنها لسه فاهمة حاجة في اللحظة دي أعمق وأغلى بكثير من الهدوم نفسها، ومن التعليم والطبقات الاجتماعية.
— شيلتيها بكل فخر يا أنا. بكل فخر. مبروك تاني يا زميلتي البشمهندسة. ومبروك لحضرتك كمان يا فندم. إنت عملت شغل عظيم أوي وأنت بتربي البنت دي.
عملت حنية احترام صغيرة لأبويا، ولفت ومشيت بوقار وسط بحر الروب الأسود والفساتين الحرير السليمة اللي كانت مالية المكان.
خرجنا من المدرج بعد كدا بشوية، وسبنا الوش والمنظرة ورا ضهرنا. سما المدينة بليل كانت حتة ضلمة ومفيهاش نجوم من كتر العفرة وأنوار العمارات، بس أنا كانت شيفاها أحسن وأصفى سما شفتها في حياتي. هواء الفجرية كان ساقع، من اللي بيمسك في العضم، بس تحت الحماية الكبيرة لجاكيت جدي، كنت حاسة إني دافية، وروحي قايدة نار، ومفيش حاجة تكسرني.
ماعرفش إيه اللي حصل لليلى بعد الظهرية السودة دي. مارجعتش البيت الليلة دي، ولا الأسبوع اللي بعده، ولا الشهور اللي جت بعد كدا. أبويا، في حركة فيها عدل رباني وساكت، معتبهاش ولا اتصل بيها يلومها. ماراحش يدور عليها في شقتها، ولا شتمها، ولا جاب سيرتها أصلاً. تاني يوم تخرجي الصبح، نزل جاب كوالين وأقفال جديدة من عند الموان وغير كوالين الباب البراني وباب المطبخ الوراني. قفل الصفحة الضلمة والوجعة دي من دنيتنا بسكوت كامل، مريح ونهائي. عقاب ليلى الأكبر، زي ما فكرت وأنا شايفه أبويا بيربط الكالون الجديد، هيفضل إنها تعيش بقية عمرها بتطفح سمها، وبتتخنق بغلها، وعارفة إن حتى ضربتها القوية، القاسية والدنيئة، ماقدرتش توقعنا.
وصلنا البيت بعد نص الليل بعد ما نزلنا خالتي كريمة. فتحنا الباب بالكالون القديم لآخر مرة ونورنا اللمبة الصفراء بتاعة الصالة.
كيس الورق بتاع الأكل كان لسه مرمي هناك، في أرضية الطرقة، بالظبط مطرح ما وقع من كام ساعة. العيش الفينو كان متطبق شوية من الخبطة والقوطة كانت لسه باينة من تحت ترابيزة التليفون. و حتت الفستان الأزرق البايظة كانت متكومة في أوضتي، شاهد ساكت على الشر اللي خسر المعركة.
بس مابقوش يبانوا كأنهم مصيبة سودة. لما شفت الكركبة دي كلها، مابقتش حاسة إن الدنيا بتتهد فوق دماغي. كل حاجة بقت تبان صغيرة، ومقدور عليها.
أبويا رمى مفاتيح العربية على الترابيزة، وخد نفس طويل من كتر التعب بتاع أطول يوم في حياتنا، ووطى براحة عشان يلم من الأرض كيس الورق بالأكل المتبهدل. قام وهو بيمسح على ضهره وبصلي من الطرقة.
— طب يا بشمهندسة… — قالها وهو بيبتسم بالورب، وعيونه منفوخة من العياط بس مليانة نور جديد، رايق وبيلمع — أنا شايف إن العيش الفينو ده لسه شغال وزي الفل. أعملك سندوتش اللانشون بتاعك مع حتة فلفل رومي كدا ونحتفل زي ما قال الكتاب؟
فضلت واقفة في نص الصالة الصغيرة، والشهادة في إيدي. فكيت عقدة الحرير الأزرق من على وسطي، وقلعت جاكيت الصوف التقيل بتاع جدي وعلقته بكل احترام على ضهر كرسي السفرة، وقلعت الكعب السيلفر، وحسيت براحة تفتح النفس والأرض الساقعة تحت رجلي التعبانة. مشيت حافية ناحية المطبخ الصغير، وأنا بجر شوية بنطلون الراجل الأسود، ووقفت جنب البوتاجاز القديم.
— ماشي يابا — رديت عليه، وأنا باخد كيس الورق من إيديه الشقيانة، وبطلع قوطة مخبوطة وبص في عينه بأكبر ابتسامة حسيتها من سنين — بس النهارده مش دورك. النهارده تقعد إنت هناك على الترابيزة. المرة دي، عشا الملوك ده أنا اللي هعملهولك.
وهناك، في الفجرية الساكتة دي، في قلب مطبخنا الصغير المقشر، وأنا بخرط قوطة مفعوصة على قطاعة خشب قديمة وبناكل عيش فينو ساقع بلانشون رخيص، ومعانا كبايتين حاجه ساقعة، عملنا عشا تخرج أكتر شياكة، وفخامة، وعمرنا ما هننساه وأحسن عشا عرفه تاريخ البشرية كله.
عشان كنا سلام. عشان كانت كرامتنا مفيهاش خدش. عشان كنا كسرنا ضلمة الغل والحقد. وعشان، وأنا شايفاه بيقطم من سندوتش اللانشون والدموع لسه محبوسة في عينه من الفرحة، عرفت وبثقة زي الحديد، إن من هنا ورايح، مفيش قوة، ولا شر، ولا عاصفة في الدنيا دي هتبقى قادرة تكسرنا تاني.
