حماتــي رمــت هدومــي كلهـا مــن البلكونــة وقالــت إنـي مطلّقــة ج 2

الخشب بتاع الباب اتكسر، والحلق الخشب وقع على الأرض بصوت أرعب ليلى اللي صرخت في حضني. حماتي – أو الست اللي كنت فاكراها حماتي – دخلت الشقة ووراها اتنين بلطجية وشهم مبيطمنش، عيونهم كانت بتدور في الصالة كأنهم بيدوروا على كنز. هي كانت بتنهج، وشعرها منكوش، وشكلها مكنش طبيعي، كأنها في حالة جنون.
“هاتي الورقة دي يا مروة! هاتيها وإلا ورب الكعبة ما هخرجك منها إلا على نعش!” صرخت وهي بتندفع نحوي، والبلطجية واقفين بيحجزوا طريق الخروج.
أنا وقفت، ومسكت بنتي ورا ضهري، وبصيت للست دي بنظرة خلتها تقف مكانها. الصورة كانت لسه في إيدي. بصيت للصورة، وبصيت لها، وقلت بصوت واثق رغم الرعب اللي كان بيغلي جوايا: “طلعتي مش أم أحمد يا فوزية.. أو أياً كان اسمك الحقيقي. الصورة دي.. الست اللي في الصورة هي اللي شافتني وأنا بلم هدومي في الشارع، صح؟ الست اللي أنتِ سرقتي منها هويتها وحياتها؟”
حماتي اتجمدت، وشها اللي كان أحمر من الغضب بقى أصفر زي الميتين. بصت للبلطجية، وبدأت تترعش: “اخلصوا! خدوها منها! محدش يسمع كلامها!”
البلطجية قربوا خطوة، بس في اللحظة دي، سمعت صوت تكسير زجاج تحت في الشارع، وصوت سرينة شرطة بدأت تقرب وتعلى، وكشافات عربيات شرطة نورت الصالة من البلكونة اللي كانت مفتوحة. صوت أحمد جه من ورا الباب اللي كان مفتوح أصلاً: “سيبوها! الشرطة بقت هنا!”
الست اللي كانت بتفتري عليا فقدت توازنها، ووقعت على الكنبة، والبلطجية، لما شافوا ضوء الكشافات، جريوا من ناحية المنور زي الفئران المذعورة. أحمد دخل الشقة، كان منظره مبهدل، لبسه متطبق، وعيونه حمرا من التعب والسفر المفاجئ. دخل وبص لأمه، أو الست اللي ادعت إنها أمه، بنظرة مليانة احتقار.
“كل شيء انتهى يا فاطمة،” قال أحمد، واسم “فاطمة” نزل على الست دي زي الصاعقة.
بصيت لأحمد بذهول: “فاطمة؟ مين فاطمة؟ وأنا عشت مع مين سبع سنين؟”
أحمد قرب مني، حط إيده على كتفي وهدا روعه، وبصلي بنظرة مليانة أسف: “مروة، أنا آسف. كنت عايز أقولك كل حاجة قبل ما الموضوع يوصل لكدة، بس كنت خايف عليكي وعلى ليلى. دي مش أمي.. دي واحدة كانت جارة لأهلي من سنين، استغلت غياب أمي الحقيقية وسفرنا المستمر، وانتحلت شخصيتها بعد ما أمي تعبت ودخلت المصحة اللي كانت هي السبب في وجودها هناك.”
فاطمة قعدت تضحك ضحك هستيري وهي بتشاور على أحمد: “انتحلت؟ أنا اللي ربيته! أنا اللي شلت همه لما كنت أنت مشغول في الخليج! أنا اللي جوزتهولك يا مروة عشان أضمن إن العيلة دي متتفككش!”
“تضمنيها إيه؟” صرخت أحمد فيها، “عشان تسرقي أملاكنا وتبيعي شققنا وتخلي مراتي مطلقة عشان تاخدي ورثها؟ أنتِ مريضة! والورق اللي مروة لقته في الشنطة.. ده مش ورق شقة، ده كان التقارير الطبية لأمي الحقيقية اللي كنتِ بتسحبيها من البنك وتدفعي تمن سكوتك للممرضين!”
أنا كنت واقفة مش قادرة أستوعب. السبع سنين اللي فاتوا.. كل كلمة وجع، كل إهانة، كل نظرة استعلاء.. طلعت من واحدة غريبة؟ واحدة سرقت “أمي” و”حماتي”؟
فاطمة قامت وبصتلي، عينيها كانت بتلمع بشراسة: “ما تفتكريش إن الموضوع خلص. أحمد، أنت فاكر إنك كشفتني؟ أنت لسه متعرفش أنا عملت إيه في الشركة اللي أبوك سابهالك. أنت لو سجنتني، كل أوراق التزوير اللي باسمك وباسم مروة هتطلع للنور، وهتدخلوا كلكم السجن بتهمة التلاعب في أملاك الدولة!”
أحمد ضحك بسخرية: “ماتخافيش، كل ده متوثق في الملف اللي معايا. أنتِ نسيتي إن مروة قبل ما تروح بيت أهلها، كانت بتشتغل في مراجعة العقود في الشركة؟ هي اللي كشفت التلاعب من ورا ضهري، وهي اللي كلمتني، وهي اللي لعبت اللعبة دي عشان توقعك في الفخ.”
بصيت لأحمد باستغراب.. أنا؟ أنا اللي عملت كدة؟ آه.. افتكرت. الرسائل اللي كنت براجعها على اللابتوب بتاع أحمد من شهر، لما كنت بفتكرها غلطات مطبعية، طلعت تلاعب في الأرقام. أنا مكنتش فاهمة وقتها، بس أحمد شرحلي في التليفون قبل ما يسافر بساعات إيه اللي بيحصل، وطلب مني أكون هادية وأمثل دور “الزوجة المخدوعة” لحد ما هو يرجع بالدليل القاطع.
دخلت الشرطة، وبدأوا يربطوا فاطمة. وهي بتخرج، بصتلي نظرة أخيرة، نظرة حقد مش هنساه في حياتي. قالت بصوت واطي: “لعبة الطلاق دي كانت البداية يا مروة.. اللي جاي أصعب، وأحمد مش ملاك زي ما أنتِ فاكرة.”
خرجوا بيها، والبيت فجأة بقى هادي، هدوء مخيف. قعدت على الأرض، ودموعي بدأت تنزل. ليلى حضنتني وقالت: “ماما، هي الست دي مش جدو؟”
أحمد قعد قدامي، مسك إيدي: “مروة، أنا عارف إن الكلام ده تقيل. عارف إنك حاسة إني كذبت عليكي.. بس كان لازم.”
“لا يا أحمد،” قلت بصوت مخنوق، “مش ده اللي وجعني. اللي وجعني إنك كنت عارف إنها مش أمك، وإنها بتذلني سنين، وكنت ساكت؟ ليه؟ ليه خليتني استحمل كل ده؟”
أحمد تنهد، وبص في الأرض: “لأنها كان عندها مفتاح الحقيقة عن حادثة والدي. هي اللي كانت بتدير كل شيء، وأنا لو كنت واجهتها بدري، كانت هتدمر كل أوراقنا ومستنداتنا. كنت بجمع الأدلة حتة حتة.”
سكت شوية، وبعدين كمل بصوت مرتعش: “بس فيه حاجة تانية.. الست دي.. فاطمة.. هي مش بس جارة. هي كانت شريكة والدي في أخر أيام حياته. وهي اللي كانت عارفة مكان “الحساب السري” اللي أبويا سابهولي قبل ما يموت، الحساب اللي فيه كل ثروة العيلة، واللي هي حاولت تفتحه بأي طريقة.”
قمت وقفت، مسحت دموعي: “يا أحمد، أنت شايف إننا خلصنا؟ هي قالت إن اللي جاي أصعب. يعني إيه؟ يعني فيه حد تاني وراها؟”
أحمد وقف، وبص للبلكونة اللي كانت مفتوحة، والجو بره كان لسه متوتر: “مش حد تاني يا مروة.. دي شبكة. فاطمة دي مجرد واجهة. في حد كبير وراها في الشركة، حد هو اللي كان بيمضي الأوراق دي وهي بتنفذ. أنا رجعت من الخليج مش عشان الشغل، أنا رجعت لأنهم بدأوا يهددوني بحياة ليلى.”
حسيت بدمي بيجمد. “ليلى؟”
“أيوه، ليلى. كان فيه تهديدات بتوصلني على الإيميل، صور ليها وهي في المدرسة، رسائل بتقول إن لو ما تنازلتش عن حصتي في الشركة، هيحصلها حاجة. عشان كدة كنت ببعدكوا عني، وعشان كدة عملت خطة الطلاق دي، عشان لو حد قرب منكم، تبقوا قانونياً بعيد عني، عن شغلي، وعن عيلتي الملعونة.”
بصيت له، لقيت في عينيه خوف عمري ما شفته قبل كدة. أحمد، اللي كان دايما قوي ومسيطر، كان خايف. خايف بجد.
“يا أحمد، أحنا لازم نمشي،” قلتها وأنا بجري على أوضة ليلى عشان ألم شنطة صغيرة، “لازم نسيب البيت ده، ونروح مكان ميعرفوش فيه طريقنا.”
“مش هينفع،” قال وهو بيمسك إيدي تاني، “لو مشينا، هنبقى هاربين، وده اللي هما عايزينه. لازم نواجه. وبكرة الصبح، لازم نروح الشركة.. أنا وإنتِ.”
“نروح الشركة؟ ليه؟”
“لأن الورق اللي في إيدك.. مش بس بيبين إن الشقة ملكك.. الورقة التانية اللي تحتها، اللي كنتِ فكراها إقرار تنازل.. دي توكيل عام منكِ ليا، بيخليني أقدر أتصرف في كل أصول الشركة كشريك رسمي. أنا محتاج توقيعكِ عشان نكشف الغطاء عن الشخص اللي بيحرك فاطمة من ورا الستار.”
بصيت للورقة اللي في إيدي. كانت ورقة عادية، بس دلوقتي حسيت إنها سلاح. سلاح تقيل.
“أحمد، أنا موافقة. بس لازم توعدني بحاجة.”
“إيه هي؟”
“لو حصل أي حاجة.. ليلى هي الأهم. مش الشركة، مش الفلوس، مش البيت ده.”
أحمد هز راسه: “أوعدك.”
قضينا الليلة دي من غير نوم، بنسمع أصوات العربيات في الشارع، وبنراقب أي حركة غريبة. الفجر طلع، والشمس بدأت تبان من ورا العمارات، بس كانت شمس تقيلة، شمس بتبدأ يوم مش عارفين آخره إيه.
لبست، وجهزت ليلى، وخرجنا من الشقة. كان فيه نظرات غريبة من الجيران، نظرات خوف وفضول. ركبنا العربية، وأحمد كان بيسوق وهو بيراقب المرايا كل ثانية. وصلنا الشركة، مبنى كبير وضخم، مبنى كان بالنسبة ليا مكان شغل أحمد، ودلوقتي بقى ساحة معركة.
دخلنا، والموظفين كانوا بيبصوا لنا نظرات مريبة. وصلنا لمكتب المدير، المدير اللي كان دايماً بيعاملني باحترام مزيف، وكان بيبعت لي هدايا في أعياد الميلاد. أحمد خبط، ودخلنا.
المدير، “عادل بيه”، كان قاعد على مكتبه، وأول ما شافنا، ابتسامته اختفت.
“أحمد؟ مروة؟ إيه المفاجأة دي؟ سمعت إن فيه مشاكل في البيت، كنت فاكر إنكم هتبقوا مش فاضيين النهاردة!” قال عادل وهو بيحاول يبان طبيعي.
أحمد حط الملف على المكتب، وفتحه: “المشاكل في البيت اتحلت يا عادل، بس المشاكل اللي هنا.. بدأت دلوقتي.”
عادل ضحك ضحكة باردة: “مشاكل إيه؟ أنت فاكر إنك لو جبت مراتك، هتقدر تعمل حاجة؟ فاطمة في السجن، وأنت دلوقت قانونياً مالكش أي سلطة في الشركة لأن كل أوراقك كانت مع فاطمة.”
أحمد بصلي، وابتسم. مديت إيدي للملف، وطلعت ورقة تانية، ورقة أصلية، مختومة بختم النسر، مش مجرد ورقة عادية.
“عادل بيه،” قلت بصوت ثابت، “أنت نسيت إن مروة قبل ما تتجوز، كانت بتدرس قانون.. وأنا مش بس كنت براجع العقود، أنا كنت براجع أصول الأختام اللي بتستخدموها.”
عادل وشوه اتغير، وقام وقف: “إنتِ بتخرفي بتقولي إيه؟”
أحمد كمل: “أنا كنت عارف من البداية إن فاطمة مجرد واجهة، وعارف إن التوقيعات اللي كانت بتطلع كانت بتيجي من مكتبك أنت. الورقة اللي في إيد مروة دي، هي أصل التوكيل اللي أنت سرقته، والنسخة اللي كانت معاك كانت مزورة، وعندي إقرار من الموظف اللي زورها، وهو دلوقتي في عربية الشرطة بره.”
عادل اتجمد. التليفون على المكتب رن، وبص فيه.. كان رنة تانية.. تالتة.. مكنش بيرد.
“دي الشرطة،” قال أحمد، “هما مش جايين عشان يسألوك.. هما جايين عشان ياخدوك.”
عادل قعد على الكرسي بانهيار، بس فجأة، طلع مسدس من درج المكتب ووجهه ناحيتي. “محدش يقرب! والله العظيم هخلص عليها!”
أحمد اتحرك بسرعة عشان يحميني، وأنا سحبت ليلى اللي كانت واقفة ورايا، بس في اللحظة دي.. باب المكتب اتفتح، ودخل شخص مكنتش أتخيل إني أشوفه هنا.
الشخص ده كان ماسك ملف، وبص لعادل نظرة خلت المسدس يقع من إيده.
“كفاية تمثيل يا عادل، اللعبة خلصت من زمان، بس إنت اللي كنت مكملها.”
بصيت للشخص ده.. كان راجل عجوز، وقور، كان بيشبه أحمد كتير.. كتير جداً. أحمد وقف مشلول، مش قادر يتكلم.
“بابا؟” قال أحمد بصوت واطي ومكسور، “أنت.. أنت عايش؟”
الراجل العجوز بص لأحمد بحزن، وبصلي، وبعدين بص لعادل: “خدوه. وخدوا كل ورق الشركة ده، لأني هصفيها كلها.. النهاردة قبل بكرة.”
الشرطة دخلت، وأخدوا عادل، والمكتب فجأة بقى هادي. وقفت مذهولة، مش عارفة إيه اللي بيحصل. حماتي طلعت مش أم أحمد، وأحمد طلع والده عايش، والشركة طلعت مبنية على كدب..
أحمد جري على الراجل العجوز، وضمه. كان مشهد بيكسر القلب. أنا وليلى وقفنا نتفرج، مش فاهمين إحنا واقفين في أي فصل من فصول الحكاية دي.
بصلي الراجل العجوز وقال: “مروة، إنتِ اللي كنتِ شايلة الحقيقة في شنطتك طول الوقت.. بس إنتِ متعرفيش إن الحقيقة مش بس في الورق.. الحقيقة اللي لسه مظهرتش.. هي سر وجود فاطمة في حياتكم من الأساس.”
وبص لأحمد، وقال جملة خلتني أقع من طولي: “أحمد.. فاطمة مكنتش جارة.. فاطمة كانت أختي، اللي كنت مخبيها عن الدنيا عشان جريمة عملتها من سنين.. الجريمة اللي كانت مروة هي ضحيتها الأولى، من قبل ما تعرفك أصلاً!”
حسيت الدنيا بتلف بيا. “أنا؟ ضحيتها الأولى؟ قبل ما أعرف أحمد؟”
الراجل العجوز هز راسه ببطء، وقال: “يا بنتي، فاطمة مكنتش بتطردك عشان ابنها يستاهل حد أحسن.. كانت بتطردك عشان هي عارفة إنتِ مين.. وعارفة مين اللي قتل أبوكي الحقيقي، وعارفة إن جوازك من أحمد مكانش صدفة.”
فجأة، كل اللي حصل في السبع سنين دول، كل ذرة وجع، كل كلمة قسوة، بدأت تاخد معنى جديد.. معنى مخيف أكتر بكتير من اللي كنت متخيلته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *