حماتي أخدت علبة الأكل اللي كنت تعبانة فيها ومحضراها لجوزي ج 2

طول الليل ما ذقتش طعم النوم. المطر برة كان هدي شوية وبقى ينزل نقط خفيفة بتخبط على الشباك بانتظام، والصوت ده مع سكوت الشقة كان بيزود ضربات قلبي. أحمد كان نايم جنبى، أو عامل نفسه نايم، بس كنت سامعة تنهيداته اللي بتطلع من غلبه. الراجل اللي بقاله 5 سنين مستحمل ومعدي كل حاجة عشان خاطر كلمة “أمي”، الليلة دي اتقصت ضفيره واتعرى قدام نفسه وشاف غدر أقرب الناس ليه.
المنبه ضرب الساعة 5 الفجر. قمت من السرير قبل أحمد حتى ما يتحرك. دخلت المطبخ وعملت ترمس شاي كبير، وحطيت في شنطتي كل الأوراق الأصلية بتاعت العربية، والرخصة، ووصولات الأقساط اللي دافعينها من دمنا، وحطيت معاهم كمان دفتر شيكات قديم بتاعي وعقد إيجار الورشة. كنت حاسة إننا رايحين حرب، والحرب دي محتاجة كل سلاح ممكن يثبت حقنا.
أحمد صحي، لبس هدوم الشغل العادية بتاعته، العفريتة الكحلي اللي متبهدلة شحم وزيت، بس الوش ما كانش وش أحمد الميكانيكي الطيب اللي الضحكة مش بتفارق شفايفه. وشه كان ناشف، وعينيه فيها نظرة حسم خلتني أنا نفسي أخاف منه.
نزلت معاه وركبنا العربية الرمادي. أول ما دارت، أحمد بص للدريكسيون وطبطب عليه وقال بصوت واطي:
“شقايا وشقاكي يا هبة.. مش هيروح للبلطجية.”
طول الطريق للسيدة عائشة، محدش فينا نطق بكلمة. الشوارع كانت لسه فاضية، والضباب مغطي خط الأفق، والبرود اللي في الجو كان بيحسسني إن اليوم ده مش هيعدي على خير. وصلنا الورشة على الساعة 6 ونص الصبح. الصبيان بتوع أحمد—بلبل وسعيد—كانوا واقفين برة مستنيين، والوجوه كانت باينة عليها القلق. طبعاً الكلام في السوق بينتقل أسرع من النار في القش، وأكيد سمعوا باللي الحاجة فوزية قالته للأستى عبده.
أول ما أحمد نزل من العربية، بلبل جرى عليه وقال بصوت واطي وفيه خوف:
“صباح الخير يا أسطى أحمد.. حمد لله على السلامة. الأسطى عبده جه من شوية، وأخد العدة الكبيرة اللي كانت في صدر الورشة، وقال إن دي حاجته ومفيش شغل هيتدور النهارده لحد ما تروحوا للحاجة والدتك تصالحوها.”
أحمد ما ردش على بلبل. مشي بخطوات واسعة ودخل الورشة. الورشة كانت ضلمة وفاضية، والمكان اللي كانت بتتحط فيه العدة الثقيلة كان فاضي فعلاً. الأسطى عبده نفذ كلام حماتي وبدأ يضيق الخناق.
في اللحظة دي، لقيت عربية تاكسي وقفت برة الورشة، ونزل منها الأسطى عبده بنفسه، ووراها كانت الصدمة الكبيرة.. الحاجة فوزية وكريم، ومعاهم راجل ضخم، قفاه عريض، ولابس جلباب صعيدي وعلية جاكيت جلد أسود، وماسك في إيده عصاية شوم خشب ثقيلة. عرفت فوراً إن ده “المعلم دكش” البلطجي اللي اتصل بأحمد بالليل.
الحاجة فوزية دخلت الورشة برجلها الشمال، وبصت لي بنظرة كلها شماتة، وقالت بصوت عالي عشان كل المحلات اللي جمبنا تسمع:
“أهو.. أهو العاق اللي طرد أمه في نص الليل وجايب مراته تقف وسط الرجالة وتزعق فينا! أهو اللي أكل خيرنا ونكر شقانا!”
السوق بدأ يتجمع. أصحاب محلات قطع الغيار، وميكانيكية من الورش اللي جمبنا، كلهم وقفوا يتفرجوا. الأسطى عبده وقف في النص وقال بنبرة لؤم مستخبية ورا ثوب النصيحة:
“يا أحمد يا ابني.. عيب اللي بيحصل ده. بوس إيد أمك قدام الناس دي كلها، وهات ورق العربية وادهوله لـ كريم أخوك، وخلي الليلة تعدي. إحنا مش عاوزين فضايح في السوق، والورشة دي مكان أكل عيشك، بلاش تقطعه بإيدك عشان خاطر حتة حديدة ولا كلام ستات!”
أحمد وقف وسط الورشة، حاطط إيديه في جيبه، وبص للأسطى عبده وقال بنبرة هادية بس ترعب:
“العدة اللي أنت أخذتها الصبح دي يا أسطى عبده.. أنا دافع تمن نصها من 3 سنين، والوصولات معايا في البيت. بس أنا مش هحاسبك عليها دلوقتي. أنت راجل كبرت وخرفت وكلمة ست ممشياك.”
الأسطى عبده وشه احمر وزعق: “أنا مخرف يا أحمد؟! طب الورشة دي إيجارها مخلص الليلة، ومش هجدد لك العقد، وبكرة هجيب المحضر يطردك منها!”
هنا أتقدم المعلم دكش، وخبط بالشومة بتاعته على الأرض خبطة رنت في المكان كله، وبص لأحمد وقال بروقان مستفز:
“جرى إيه يا أسطى أحمد؟ إحنا مش قلنا هنيجي ناكل لقمة بالود؟ فين مفتاح العربية الرمادي وفين الورق اللي المدام شايلاه في شنطتها؟ اخلص عشان ورانا مشاغل، والحاجة فوزية مش فاضية لكم طول النهار.”
كريم كان واقف ورا أمه، مطلع الموبايل الجديد بتاعه وبيبتسم بـ خباثة، وكأنه مستني اللحظة اللي أحمد هيتكسر فيها قدام السوق كله.
أنا ما قدرتش أسكت. طلعت من الشنطة عقد الملكية الأصلي ورخصة العربية، ورفعتهم لفوق وقلت بأعلى صوت عندي عشان كل الناس اللي واقفة تسمع:
“يا ناس يا هوووه! يا أصحاب المحلات يا اللي عارفين أحمد من سنين! العربية دي مكتوبة باسمي أنا، ودافعة تمنها من شقايا وشقى جوزي بـ إيصالات رسمية من البنك والمعرض! الست دي وابنها العاطل جايبين بلطجي في عز الصبح عشان يسرقوا العربية عافية تحت مسمى رضا الأم! أم إيه دي اللي بتسيب ابنها الشقيان من غير أكل طول النهار، وتجيب بلطجية يهددوه في أكل عيشه عشان خاطر ابنها التاني الصايع اللي بيشرب بيرة بفلوس أخوه؟!”
الناس بدأت تهمس وتبص لـ كريم وللحاجة فوزية. الوشوش بدأت تتغير. كلمة “بيرة” و”بلطجي” هزت الناس المحترمة اللي واقفة في السوق.
الحاجة فوزية صرخت بغل:
“بتتبلي على ابني يا خطافة الرجالة؟! بتوسخي سمعة ابني كريم اللي زي الفل؟! يا دكش.. خلصنا واقشط العربية دي من هنا!”
المعلم دكش أتقدم ناحيتي ومد إيده عشان يخطف الشنطة، وقال: “هاتي يا أبلة الورق ده بدل ما أمد إيدي عليكي.”
في ثانية واحدة.. لمح لمح البصر، أحمد كان اتحرك. سحب حديدة ثقيلة من بتاعة المساعدين كانت محطوطة على بنك الشغل، وخبط بيها على دراع المعلم دكش خبطة خلته يصرخ ويسيب الشومة من إيده!
أحمد وقف قدام دكش والحديدة في إيده، وعينيه طالع منها شرار، وزعق بصوت زلزل السيدة عائشة كلها:
“ورحمة أبويا يا دكش.. لو صباع منك لمس مراتي أو قرب من حاجتي، لأكون شارب من دمك هنا، واللي يقف معاك هيدفن جمبك! السوق كله عارف مين أحمد ومين كريم! أنا شقيت 5 سنين وبسدد ديون وفواتير، وفي الآخر جايين تسرقوني في ورشتي؟! المعلم دكش جاي يبلطج على ميكانيكي في منطقته؟!”
دكش تراجع خطوتين وهو ماسك دراعه وبيصرخ من الوجع، وبص للحاجة فوزية وقال بغيظ:
“أنتِ ما قلتيش إن ابنك قلبة ميت كده يا حاجة! إحنا ما اتفقناش على كسر عضم!”
كريم خاف ورجع لورا ورا ضهر أمه، وأحمد لفت وشها لـ كريم وشاور بالحديدة وقال له:
“تعالى يا كريم.. مش أنت راجل وعاوز العربية؟ تعالى خدها مني! مستخبي ورا أمك ليه يا حساس؟! يا خسارة الشقى واللقمة اللي طفحتهالك من عرق جبيني! من النهارده ماليش أخ، وأمي.. أمي ماتت من يوم ما سابتني شغال على لحم بطني وراحت تأكل البلطجية من شقايا!”
الحاجة فوزية وشها بقى أزرق من الغضب والكسرة قدام الناس. شافت إن خطة القوة والبلطجة فشلت تماماً وأحمد ما خافش، والناس في السوق بدأت تتكلم وتلوم الأسطى عبده وتلومها هي وكريم.
راحت الحاجة فوزية مأثورة خطوة لقدام، وبصت لي أنا بالذات، والابتسامة الصفرا المرعبة ديك رجعت على وشها تاني وسط الغضب، وقالت بصوت واطي مليان فحيح زي الأفاعي، صوت مسمعوش غير أنا وأحمد والمعلم دكش:
“فاكر إنك كسبت يا أحمد؟ فاكر إن البت دي هتنفعك؟ ماشي.. العربية والورشة مبروكين عليكم الكام يوم دول. بس اسأل السنيورة بتاعتك كده.. هي الشقة اللي أنتوا قاعدين فيها، واليومين اللي عشتوهم في تباهي، تمنهم إيه؟ أنت فاكر إن الموضوع موضوع عربية يا هبة؟ لأ.. الموضوع إن أحمد طول السنين اللي فاتت دي كان بيسدد في ديون وورق، بس مش ديون كريم.. ديون أبوه الله يرحمه!”
أحمد اتقدم وقال باستغراب: “ديون أبويا إيه يا أمي؟ أبويا مات ومفهوش مليم ديون لحد، الورشة دي كانت بتاعته وإحنا كنا مخلصين كل حاجة!”
الحاجة فوزية ضحكت ضحكة عالية وشريرة وقالت:
“أبوك الله يرحمه كان كاتب وصل أمانة على بياض للمعلم الكبير في المذبح، عشان كان واخد بضاعة وشغل قديم، والوصل ده معايا أنا! أنا اللي شايلاه في دولابي من يوم ما أبوك مات! كنت شايلاه عشان عارفة إنك هتكبر وتتنطط عليا في يوم من الأيام. ودلوقتي يا أحمد.. يا إما العربية دي تتنقل باسم كريم والورشة تتنازل عنها للأسطى عبده اللي هيشغل فيها كريم، يا إما بكرة الصبح الوصل ده هيتقدم للنيابة، وأبوك الله يرحمه تطلع جثته من القبر بسبب الديون، وأنت تترمي في السجن بتهمة تبديد وضمانة لوصل أبوك اللي أنت ماضي عليه وريث!”
الكلام نزل علينا زي الصاعقة. وصل أمانة على بياض؟ وباسم أبوه الله يرحمه؟ والحاجة فوزية شايلاه طول السنين دي عشان تلوى بيه دراع ابنها الشقيان لصالح ابنها المدلع؟!
الدم الهرب من عروق أحمد تماماً. الحديدة وقعت من إيده على الأرض، وبص لأمه بذهول التلميذ اللي مش مصدق إن أستاذه هو اللي بيقتله. قال بصوت مكسور ومبحوح:
“أنتِ.. أنتِ تشيلي لي وصل أمانة عشان تحبسيني يا أمي؟ عشان تاخدي شقايا وتديه لكريم؟ أبويا يعمل كده؟”
كريم سمع الجملة دي من هنا، وروحه ردت فيه تاني، وأتقدم وبقى يضحك وبص لأحمد وقال:
“أهو.. شوفت بقى مين الملك ومين الشقيان؟ أمي معاها رقبتك ورقبة أبوك الله يرحمه! تمضي على ورق العربية دلوقتي وتديني المفتاح، ولا تحب تشوف نفسك في بلكس الفسحة في طرة؟”
أنا كنت واقفة متجمدة، عقلي كان بيلف بسرعة 1000 لفة في الدقيقة. الوصل ده لو حقيقي وموجود فعلاً، يبقى إحنا في مصيبة سودا. القانون في الحاجات دي مبيحمش المغفلين، ووصل أمانة على بياض ممكن يتكتب فيه أي رقم ويدمر حياة أحمد في ثانية. بس في حاجة جوايا كانت بتقول إن في حلقة مفقودة.. حماتي ست طماعة وبجاحة، بس هل أبو أحمد الله يرحمه، الراجل اللي الكل بيحلف بأمانته، يسيب وصل على بياض في إيدها؟
بصيت لـ حماتي وقلت لها بثبات مصطنع:
“وريني الوصل ده يا حاجة فوزية.. وريهوني حالا لو كنتِ صادقة!”
حماتي طلعت من الشنطة بتاعتها صورة ضوئية من ورقة، ورفعتها في وشي وقالت:
“الصورة أهي.. والأصل في حتة أمان مش هتشوفوها غير في المحكمة لو ما نفذتوش الشروط! قدامكم لحد الساعة 8 بالليل.. يا المفتاح والورق والتنازل عن الورشة يبقوا في بيتي، يا بكرة الصبح المحامي بتاعي هيتحرك!”
لفت ضهرها وأخدت كريم والمعلم دكش اللي كان لسه ماسك دراعه وبيتحسب، ومشيوا وسابونا في وسط الورشة، والناس كلها بتبص علينا بنظرات شفقة وحيرة.
أحمد قعد على أرض الورشة، وسط التراب والزيت، وحط رأسه بين رجليه وبدأ يبكي.. يبكي بصوت مسموع، صوت راجل انكسر من جواه كل عرق طيب.
قربت منه وقعدت جمبه، وحضنته بكل قوتي، وقلتله:
“أحمد.. ارفع رأسك. إحنا مش هنستسلم. أمك بتلعب بيك وبأبوك الله يرحمه، والورقة دي وراها سر، وأنا مش هسكت لحد ما أعرف أصل الورقة دي إيه!”
بص لي وعينيه كلها دموع وقال: “دي أمي يا هبة.. أمي عاوزه تحبسني وتفضح أبويا في قبره.. أنا عملت لها إيه عشان تكرهني كده؟!”
مسحت دموعه وقلت له: “أنت ما عملتش حاجة.. أنت بس طلعت راجل، وهما مش عاوزين رجالة، عاوزين عبيد لـ كريم. قوم معايا يا أحمد.. إحنا هنروح للمحامي بتاعي حالا، ونشوف الحكاية دي آخرها إيه.”
خرجنا من الورشة، وركبنا العربية، وأنا بسوق وإيدّي على الدريكسيون، وعقلي شغال بيفكر.. الـ 12 ساعة اللي جايين دول هما اللي هيحددوا يا إما نعيش أحرار، يا إما الحاجة فوزية هتدمر حياتنا للأبد. بس السؤل اللي كان بياكل في عقلي: مين الراجل بتاع المذبح اللي أبو أحمد كان كاتب له الوصل؟ وهل فعلاً الوصل ده حقيقي ولا دي ملعوبة جديدة من ألاعيب الحاجة فوزية وكريم؟
🔥 يتبع…
