إهانـة جـوزي قـدام عيـلته ج 2 حكـايات منـي الـسـيد

## الفصل الثالث
قفل الباب بالراحة ما كانش مجرد قفلة خشب، ده كان خط فاصل رسمته بين حياتي القديمة وحياتي الجديدة. من ورا الباب، سمعت خطوات أحمد وهي بتبعد بطيئة ومكسورة، مش دي المشية المتفرعنة اللي كان بيدخل بيها عليا الشقة وهو يزعق ويقول “فين الطفح؟”.
لفيت وشي للصالون، لقيت يوسف باصصلي وعينيه فيها لمعة فخر تخطف القلب، وملك سابت العروة وجريت علمت في رجلي وقالتلي:
— “ماما.. هو بابا كان بيعيط؟”
نزلت لمستواها، بوست راسها وقلت:
— “بابا كان زعلان يا قلب ماما، بس إحنا كويسين.. طول ما إحنا مع بعض هنفضل كويسين.”
في الليلة دي، وأنا على سريري، مكنتش قادرة أنام. كلام أحمد كان بيلف في دماغي زي الدوامة. الشقة الجديدة جاهزة؟ والاعتذار مستعد يعتذره قدام الدنيا؟ معقولة الوجع والكسرة اللي عيشتهم سنين كان حلهم إن عيني تجمد وأسيب البيت؟ طب ليه الراجل ما بيحسش بقيمة النعمة إلا لما تضيع من إيده وتبدأ تتداس؟
سألت نفسي السؤال الأهم: “يا ترى أنا لسه بحبه؟”. الإجابة صدمتني.. أنا مابقتش كارهة أحمد، بس مابقتش مستنية منه الأمان. الأمان بقيت أنا اللي بديه لنفسي وبعيالي من شقايا وعرقي في الشغل كل شهر.
مر أسبوع كامل من غير ما أحمد يظهر، بس رسايله ما وقفتش. كان بيبعتلي صور للشقة الجديدة اللي أجرها في منطقة بعيدة تماماً عن بيت أمه. شقة في الدور الثالث، شمسها حلوة، وصورلي أوضة العيال وهي مدهونة أزرق وبمبي زي ما يوسف وملك كانوا بيحلموا.
وفي يوم الجمعة — اليوم اللي كنت بكرهه وبصحى فيه من الفجر عشان أطبخ لعيلته — لقيت موبايلي بيزن. ما كانش أحمد، ده كان شريف أخوه.
رديت بنبرة جافة:
— “أهلاً يا شريف.. خير؟”
صوت شريف كان واطي ومحرج، عكس المرة اللي فات لما كان جاي مع أحمد بيت أبويا وعامل فيها كبير قعدة:
— “أهلاً يا أم يوسف.. يا رب تكوني بخير أنتي والولاد. أنا بكلمك وربنا يعلم إني مش عايز أدخل في خصوصياتكم، بس أحمد عمل حاجة النهاردة، وحسيت إن من حقك تعرفيها.”
قلت ببرود:
— “عمل إيه يا شريف؟”
— “أحمد جمعنا كلنا النهاردة بعد الصلاة.. أنا وإخواتي ومراتاتنا، وأمي الحاجة فوزية كانت قاعدة. وفتح الموبايل، وبعت تسجيل بصوته على جروب العيلة الكبير اللي فيه الأعمام والأخوال كمان. اعتذر لك فيه بالاسم يا نهى.. قال قدام الكل إنك ست الستات، وإنك شيلتيه وشيلتي أمه سنين، وإنه ظلمك وافترى عليكي، وإن أي كلمة اتقالت في حقك كانت كدب وافترا. أمي لفت وشها وطلعت أوضتها وهي بتعيط من الكسرة، وأحمد لم هدومه الباقية وساب البيت وقال مش راجع هنا تاني.”
نفسي اتكتم لثواني. مكنتش متخيلة إن أحمد كبرياؤه يطاوعه يعمل كده قدام عيلته الكبيرة كلها. الصدمة كانت مخلية قلبي يدق بسرعة. الست اللي جوايا، اللي اتظلمت واتهانت، حست بنوع من الانتصار.. بس الانتصار ده كان جاي معاه طعم مر، تمنه سنين من عمري ضاعت وأنا مستنية اللحظة دي.
شريف كمل كلامه:
— “أحمد شاري يا نهى، وأنا عمري ما شفته مكسور بالمنظر ده.. فكري في العيال، والبيوت اللي بتتهد مابتتبنيش بسهولة.”
قلتله:
— “شكراً يا شريف.. خطوته مقبولة، بس البيوت اللي بتتبني على أساس مكسور بتهبط مع أول ريح. سيب الأيام تقول كلمتها.”
تاني يوم في الشغل، كنت قاعدة قدام الشاشة وبراجع فواتير المبيعات، بس عقلي كان في حتة تانية خالص. المدير بتاعي، أستاذ رأفت، راجل محترم في سن أبويا، لاحظ إني مش في المود. جاب كباية شاي وقعد على الكرسي اللي قدام مكتبي وقال:
— “جرى إيه يا بشمهندسة نهى؟ الحسابات مش مظبوطة النهاردة، وأنتي من يوم ما جيتي الشركة وأنتي زي الساعة.”
تنهدت وقلت:
— “معلش يا فندم، شوية ظروف شخصية وضغط تفكير.”
بصلي بنظرة أبوية وقال:
— “شوفي يا بنتي.. الدنيا دي عاملة زي الحسابات بالظبط. فيه خانة للمكسب وخانة للخسارة. طول ما أنتي بتحطي في خانة الخسارة من صحتك وكرامتك عشان ترضي أطراف تانية، الميزانية عمرها ما هتظبط، وهتفضلي مديونة دايماً. اوزني أمورك، واللي يخلي ميزان حياتك يطب ناحية كرامتك وراحة عيالك.. هو ده الصح. الشغل علمك تبقي قوية، خلي القوة دي في بيتك كمان.”
كلامه نزل على قلبي زي المية الساقعة. فعلاً، أنا ليه خايفة؟ أنا مابقيتش نهى بتاعة زمان اللي بتخاف من بكره. بكره بقى بتاعي.
بعد يومين، كلمت أحمد وقلتله:
— “أنا هجيلك أشوف الشقة الجديدة يا أحمد.. لوحدي. العيال هيفضلوا عند بابا.”
صوته في التليفون كان طاير من الفرحة:
— “مستنيكي يا نهى.. الساعة كام؟ أجي أخدك؟”
— “لا، هجيلك لوحدي وماتنزلش.”
روحت العنوان اللي بعتهولي. المنطقة كانت هادية وجديدة، الشوارع واسعة ومش زحمة وكتمة زي منطقة عيلته. طلعت الدور الثالث، وقبل ما أخبط، لقيت الباب بيتفتح. أحمد كان واقف، لابس قميص مكوي، وحالق دقنه، وفي عينه نظرة شوق حقيقية مخلوطة بخوف من رفضي.
— “نورتي بيتك يا نهى.. اتفضلي.”
دخلت الصالة. الشقة كانت ريحتها نظيفة، الفرش كان بسيط بس منسق. لفيت في الأوض، شفت أوضة العيال، وشفت المطبخ.. المطبخ كان واسع وفيه أجهزة جديدة، بس مكنش فيه كراكيب الحاجة فوزية ولا المواعين اللي مابتخلصش.
قعدت على الكنبة في الصالة، وأحمد قعد على الكرسي اللي قصادي، كان فارك إيديه ببعض ومتوتر زي التلميذ اللي واقف قدام الناظر.
— “شفتي الشقة؟ عجبتك؟” أحمد سأل وصوته بيترعش.
— “الشقة حلوة يا أحمد.. ونظيفة.. وأنا عرفت باللي عملته مع عيلتك واعتذارك على الجروب.”
أحمد قرب خطوة وقعد على طرف الكنبة جنحي، بس مسافة مناسبة:
— “أنا عملت كده عشان أعرفك إنك غالية، وإن كلام أمي مابقاش يمشيني. أنا عيشت الست شهور دول في جحيم يا نهى. كنت برجع الشقة هناك ألاقي أمي بتشتكي من مراتات إخواتي، وإخواتي بيتخانقوا على مين اللي ينزل يشتريلها الطلبات. وقتها بس عرفت إنك كنتي شايلة جبل لوحدك، وإني بدل ما أبوس إيدك كل يوم، كنت بكسرك وبصورك فيديو.. أنا بكره نفسي كل ما بفتكر اللحظة دي.. سامحيني.”
بصيت في عينيه، شفت فيهم أحمد بتاع زمان.. أحمد اللي اتجوزته في الأول قبل ما أمه تشحنه وتقلب حاله. بس الشروخ اللي في قلبي مابتتداواش بكلمتين.
قلتله وأنا ثابتة:
— “أنا مصدقاك يا أحمد.. ومقدرة اللي عملته. بس أنا عندي شروط تانية مكنتش مكتوبة في الورقة.”
— “شروط إيه؟ أنا رقبتي ليكي.”
— “أولاً: أنا مش هسيب شغلي. الشغل ده هو اللي رجعلي روحي وخلاني أقف على رجلي، ومش هقعد في البيت تاني تحت رحمة حد، حتى لو كنت أنت.
ثانياً: علاقتك بأمك خط أحمر.. هي والدتك وليها حق البر عليك، تروح لها، توديها للدكتور، تصرف عليها.. ده واجبك وأنا مش همنعك تبر أمك. بس رجلي مش هتعتب باب شقتها تاني، ولا هي هيدخل لها كلمة عن حياتنا أو بيتنا أو عيالي.. اللي فات مات، وإحنا هنبدأ صفحة جديدة تماماً بعيد عنها.”
أحمد بلع ريقه، وكان باين عليه إنه بيفكر في أمه ورد فعلها لما تعرف إن نهى مش هتدخل بيتها تاني، بس بصلي وشاف الإصرار في عيني، وعرف إن أي تردد معناه إنه هيقفل الباب ده للأبد.
— “موافق يا نهى.. شغلك أنتي حرة فيه، وأمي أنا هبرّها بنفسي، ومش هطلب منك تشوفيها ولا تدخل بيتنا.. أنتي دقتي المر معاها وحقك تبعدي.”
قمت وقفت وقلتله:
— “تمام.. أنا هرجع بيت بابا، وهاتلي العقد بتاع الشقة دي عشان أشوفه، وإحنا مش هننقل هنا علطول.. العيال هيجوا يقعدوا معاك يومين في الويك إيند، يشوفوا الشقة ويجربوا يعيشوا معاك تاني، ونشوف الدنيا هتمشي إزاي.. خطوة بخطوة.”
أحمد قام ورايا والدموع في عينيه:
— “يعني فيه أمل يا نهى؟”
بصيت له عند الباب وقلت:
— “الأمل أنت اللي بتصنعه بأفعالك يا أحمد.. مش بكلامك.”
رجعت بيت أبويا وأنا حاسة إني أخدت خطوة صح. الجواز مش معركة لازم حد فيها ينتصر ويدوس على التاني، الجواز بيتي اللي بحميه، بس من غير ما أهد نفسي.
العيال راحوا لأحمد في الويك إيند، ورجعوا فرحانين.. يوسف قالي إن بابا خدهم الملاهي واشترالهم حاجات حلوة، وإن الشقة الجديدة فيها بلكونة واسعة بيشوفوا منها الشارع. كنت مبسوطة عشانهم، هما ملهمش ذنب في خناقات الكبار، ومن حقهم يعيشوا مع أبوهم وأمهم في سلام.
وفي يوم الإثنين، وأنا في الشركة، لقيت تليفوني بيرن.. برضه رقم غريب، بس المرة دي مكنش مرات شريف.
فتحت الخط، وجالي الصوت اللي كان بيرعبني سنين.. صوت الحاجة فوزية.
بس الصوت مكنش حاد ولا زعاق زي زمان.. كان صوت مكسور، شاحب، وفي نفس الوقت فيه نبرة عتاب حاقد:
— “بقيتِ قوية يا نهى.. وعرفتي تلوي دراع ابني وتخليه يسيب حضن أمه ويروح يعيش في الغربة عشان يرضيكي.”
قلبي دق، بس مكنتش خايفة. أخدت نفس طويل وقلت بهدوء:
— “أهلاً يا حاجة فوزية.. أنا ملوتش دراع حد، ابنك هو اللي اختار يحافظ على بيته وعياله بعد ما كان على وشك يخسرهم بسبب الخطط والمسجات الصوتية.”
ضحكت ضحكة تعبانة وقالت:
— “أنا غلطت يا نهى.. والمسج ده كان لحظة غضب، بس أنتي مش هتعيشي متهنية وأنتي مفرقة بين الراجل وأمه.. أحمد مش هيستحمل البعد عني، وبكره تشوفي.. مسير الحي يتلاقى، وشروطك دي هتبليها وتشربي ميتها لما ابني يزهق من دور السبع اللي عايشاه عليه.”
وقبل ما أرد، راحت قافلة السكة في وشي.
قفلت الموبايل وحطيته على المكتب وإيديا بترحش بسيط. كلامها كان زي السم، بس المرة دي السم مكنش بيموت، كان بيخليني أصحصح. الحاجة فوزية مش هتنزل سلاحها بسهولة، وهي لسه شايفة إنها تقدر تهد اللي بنيته في شهور بكلمة واحدة في ودن ابنها.
يا ترى أحمد فعلاً هيستحمل؟ وهل الوعود اللي قالها في الشقة الجديدة هتصمد قدام دموع أمه وضغط إخواته اللي أكيد هيتهموه إنه “إندلق” ورا مراته وساب أمه؟
أنا مكنتش خايفة على نفسي، أنا بقيت بشتغل وعندي قرشي وكرامتي في بيت أبويا. بس كنت بفكر في العيال.. هل هينفع نرجع نعيش تحت تهديد الحرب الباردة دي؟ ولا البداية الجديدة دي وراها فصول تانية مكنتش على البال؟
يتبع…
