حمايا ضربني عشان رفضت أغسل هدوم بنته ج 3 حكـايات منـي الـسـيد

## الفصل الرابع: حافة الهاوية.. واللعب على المكشوف
فاتت تلات شهور على اليوم اللي دخلت فيه مكتب منصور السيوفي. تلات شهور والدنيا هديت فيهم ظاهرياً، بس من تحت لتحت كانت بتغلي زي بركان مستني القشة اللي هتفجره.
حياتي اتقلبت تماماً؛ رجعت لشغلي في شركة التسويق، وبقيت بصب كل طاقتي فيه. نزلت مع المحامي بتاعي وخلصت كل إجراءات قض*ية الخلع، وورقة طلاقي من أحمد بقت في درج مكتبي.. ورقة بيضا مكتوبة بحبر أسود، نهت سنتين خطوبة ويومين جواز، ودفنت مع الجوازة دي البنت الساذجة اللي كانت فاكرة إن الست عشان تعيش لازم تطاطي وتعدّي.
العمارة اللي الحاج عبد الفتاح ادهالي كتعويض عن كرامتي وقلم فرحي، نقلت ملكية الشقة اللي فيها باسم أمي رسمي في الشهر العقاري، وبقيت بأجرها لحسابها عشان يدخل لها قرشين يسندوها. أما عيلة الشاذلي.. فجبروتهم اتمسح. الحاج عبد الفتاح خرج من المستشفى بعد جلطة خفيفة، بس خرج راجل تاني خالص.. مكسور الضهر، عينه مش بتيجي في عين حد من الجيران، ومشيته في الشارع بقت سريعة وكأنه مستخبي من خياله. وحماتي ومي مبقوش يفتحوا بقهم بكلمة، والمنطقة كلها عرفت إن “دينا عبد الحميد” أخدت حقها تالت ومتلت من عين الأعيان اللي افتكروا بنات الناس لعبة.
لكن.. الهامش اللي عشته في الأمان ده كان مجرد وهم. الأفاعي الكبيرة لما بتسكت، مش بتسكت عشان نسيت، بتسكت عشان تلتف حوالين رقبتك بالراحة ومن غير ما تحس.
في ليلة من ليالي شهر طوبة الباردة، كنت قاعدة في صالة شقتنا الجديدة، براجع حملة إعلانية لشركة عربيات كبيرة على اللاب توب، وأبويا كان قاعد على الكرسي الهزاز بتاعه بيقرا كتاب، وأمي بتعمل محشي كرنب وريحة التقلية مالية البيت وبتحسسنا بالدفء.
فجأة، تليفوني رن برقم غريب. قلبي انقبض.. نفس القبضة اللي حستها يوم ضرب النار.
رديت وصوتي فيه حذر:
— ألو.. مين معايا؟
— مدام دينا؟ أنا أحمد.. أحمد الشاذلي.
صوته كان متغير تماماً، مش صوته المكسور بتاع زمان، ولا صوته اللي كان بيترجاني بيه. كان صوته ناشف، وفيه نبرة غريبة.. نبرة واحد ميت ومبقاش باقي على حاجة.
— عايز إيه يا أحمد؟ أظن مفيش كلام بيني وبينك تاني، وكل واحد راحت لحاله.
— دينا.. أنا مش بكلمك عشان نرجع، ولا بكلمك عشان الورق.. أنا بكلمك عشان أقولك إننا الاتنين بنتهي. منصور السيوفي غدر بينا وبادلو بالكل. بابا مات النهاردة الصبح في المستشفى يا دينا.. جاله جلطة تانية ومات مقهور، والسيوفي حجز على كل حاجة حيلتنا بعقود بيع قديمة بابا كان ماضي عليها من غير ما يعرف.. إحنا اترمينا في الشارع أنا وأمي وأختي.
— البقاء لله يا أحمد.. بس أنا مالي باللي حصل بينكم؟ إنتوا اللي دخلتوا معاه في سكة الحرام من الأول، وباباك هو اللي زور واشتغل معاه.
— مالي إزاي يا دينا؟ السيوفي مش هيسيبك.. هو بس كان مستني لما يخلص علينا ويقفل دفاترنا عشان يتفرغ لك. الراجل ده مش ناوي يسيب النسخ اللي معاكِ، وهو عرف إنك مخبية النسخة الأصلية في مكتبة قديمة في وسط البلد تخص واحد صاحب أبوكِ.. رجالته مراقبينك ومراقبين والدك خطوة بخطوة، ولو فاكرة إن الإيميل اللي بعتيه زمان حاميكي، يبقى مش عارفة السيوفي.. الراجل اشترى المواقع الإخبارية اللي كنتِ بتهدديه بيها، والنسخ اللي على السيرفر بتاعك اتمسحت الصبح بعد ما هكروا حسابك!
قمت وقفت من على الكرسي، واللاب توب كان هيقع من إيدي. الدم هرب من عروقي. فتحت الموبايل بسرعة ودخلت على السيرفر السري اللي شلت عليه المستندات.. الشاشة طلعت لي رسالة حمراء: *(الحساب غير موجود)*.
إيدي بدأت تترعش. بصيت لأبويا اللي حس بحركتي وقام وقف وجالي بسرعة.
— في إيه يا دينا؟ أحمد قالك إيه؟
— بابا.. السيرفر اتمسح.. النسخ اللي كنت مأمنة نفسي بيها على النت كلها طارت! والسيوفي عرف مكان النسخة الأصلية اللي شيلناها في مكتبة عم “فاروق” في وسط البلد!
أبويا وش وشحب، ومسك عكازه بإيد مرتجفة:
— إزاي؟ ده عمك فاروق مكتبته مقفولة من أسبوع عشان عيان.. لو وصلوا هناك هيكسروا المكتبة وياخدوا الدوسيه، ووقتها مش هيبقى معانا أي كارت نلعب بيه ضد منصور السيوفي.. وهيمحينا إحنا وال شاذلي من الدنيا!
— مش هيلحقوا يا بابا.. أنا هسبقهم.
أخدت مفاتيح عربيتي، وأبويا صمم ييجي معايا رغم تعبه ورعب أمي اللي فضلت تصرخ وبتدعي لنا وهي بتعيط ورا الباب. نزلنا في عز البرد، الشوارع كانت فاضية والمطر بدأ ينزل خفيف ويغسل أسفلت القاهرة. سوقت بأقصى سرعة عندي، وبقيت بكسر الإشارات وعيني في كل المرايات.. الحكاية مبقتش حكاية قلم وإهانة عروسة، الحكاية بقت حكاية حياة أو موت، يا إما نثبت التزوير ونحبس الحوت الكبير، يا إما نتدفن إحنا تحت تراب النسيان.
وصلنا منطقة وسط البلد؛ الشوارع الضيقة القديمة، البيوت اللي مبنية على الطراز الأوروبي، والمحلات المقفولة بصاج حديد رمادي. ركنت العربية بعيد شوية عن الممر اللي فيه مكتبة عم فاروق، ونزلت أنا وأبويا ونفسنا عالي.
الممر كان ضلمة كحل، ومفيش فيه غير لمبة واحدة بتعلق وتطفي وبتعمل صوت زن مقلق. مشينا ببطء، وأبويا ساند على كتفي وعكازه بيخبط في الأرض الرطبة. أول ما قربنا من باب المكتبة الخشب القديم، لقيت قفل الحديد مكسور ومحطوط على الأرض!
قلبي سقط في رجلي. بصيت لأبويا وهمست بصوت مبحوح:
— القفل مكسور يا بابا.. هما هنا!
لسه هلف وأرجع عشان نستخبى، لقيت باب المكتبة بيفتح ببطء، وخرج منه راجلين ضخام، لابسين جواكت جلد سودا، وواحد منهم كان ماسك في إيده الدوسيه الأزرق بتاعي! الدوسيه اللي فيه عمر الحاج عبد الفتاح وتاريخ منصور السيوفي الأسود.
الراجل اللي ماسك الدوسيه بص لي وابتسم بساخرية:
— أهلاً يا مدام دينا.. البك كان عارف إنك ذكية وهتيجي ورا الكنز بتاعك. كنا لسه هنمشي، بس حظنا حلو إننا هنتقابل عشان ناخد التليفون بتاعك بالمرة ونقفل الليلة دي خالص.
الراجل التاني قرب من أبويا وزقه بقسوة، أبويا رجع لورا وظهره خبط في الحيطة وصاح بوجع. في اللحظة دي، الغضب اللي جوايا عمى عيني. افتكرت القلم اللي أخدته من حمايا، وافتكرت الكسرة، وافتكرت الرعب اللي عيشهولنا منصور السيوفي.
شفت حديدة قديمة ملقية على الأرض من بقايا يافطة مكسورة، وطيت بسرعة وشلتها بكل قوتي، وصرخت صرخة طلعت من جحيم قلبي، وهجمت على الراجل اللي ماسك الدوسيه. ضربته بالحديدة على دراعه بكل غلي، الراجل صرخ من الوجع والدوسيه وقع من إيده، والورق اتبعثر في الممر على الأرض وسط مية المطر الخفيفة.
الراجل التاني هجم عليّ ومسكني من شعري وزقني في الأرض، ركبتي اتجرحت ونزفت، بس مكنتش حاسة بالوجع. فضلت أزحف على الأرض وأنا بلم الورق المصفر المبلول وأحطه في حضني، وأبويا بيحاول يضرب الراجل التاني بعكازه ويحميني.
— سيب الورق يا بت الـ… هتموتي بسببه!
— مش هسيبه! لو هتموتوني هنا مش هتاخدوه!
وفجأة.. الممر الضلمة ده اتملى بنور كشافات عربية قوية جداً دخلت الممر بظهرها وفرملت بصوت قوي زلزل الحيطة. الباب اتفتح، وخرج منها شخص مكنتش أتوقع أبدأ إنه يظهر في اللحظة دي.. كان “أحمد الشاذلي”!
أحمد كان ماسك في إيده مسدس، وعيونه كانت حمرا ومرعبة، وشه كان متبهدل وهدومه متوسخة كأنه نايم في الشارع من أيام. صرخ بأعلى صوته في الرجالة:
— سيبوها! سيبوها يا كلاب السيوفي! منصور السيوفي خد مننا كل حاجة.. موت أبويا وسرق شقانا ورمى أمي وأختي.. والنهارده مش هياخد دينا!
الراجلين لما شافوا المسدس تراجعوا لورا، وواحد منهم قال بحذر:
— يا أحمد بيه اهدى.. إنت داخل في خناقة مش بتاعتك، البك هيزعلك.
— البك بتاعكم ده أنا هوديه في داهية! امشوا من هنا.. غورا!
أحمد ضرب طلقة في الهوا.. صوتها في الممر الضيق كان زي الانفجار. الرجالة أول ما سمعوا الطلقة جيروا وطلعوا للممر الرئيسي واختفوا في الضلمة.
أحمد جيري عليّ، ونزل على ركبه في الطين، ومد إيده عشان يساعدني أقوم. بصيت له بذهول وأنا بضم الورق المبلول لصدري:
— أحمد.. إنت جيت هنا إزاي؟
أحمد كان بيبكي بنهيج، دموعه نازلة بتغسل الطين اللي على وشه:
— كنت مراقب عمارة السيوفي يا دينا.. سمعت رجالته وهم بيتكلموا عن مكتبة وسط البلد، وعرفت إنهم جايين ياخدوا الورق ويخلصوا عليكي.. مكنش ينفع أسيبك يا دينا. أنا عارف إني مكنتش راجل معاكِ في الأول، وعارف إني وقفت اتفرج وأبويا بيضربك ويهينك وكنت خسيس.. بس والله العظيم أنا بحبك، ومكنتش مستوعب الجحيم اللي إحنا عايشين فيه إلا لما انكسرنا.. أنا جيت أصلح غلطتي، حتى لو تمنها عمري.
أبويا قرب منا، وسندني لحد ما وقفت، وبص لأحمد بنظرة فيها شفقة واحترام لأول مرة:
— شكراً يا بني.. لولاك كان زماننا في عداد الأموات دلوقتي.
أحمد بص لأبويا وقال وهو بيمسح دموعه:
— لسه مخلصناش يا عم عبد الحميد.. السيوفي مش هيسيبنا نطلع من وسط البلد صاحيين. تليفوناتكم أكيد متراقبة، والرجالة دول زمانهم بيكلموه دلوقتي وهيعدلوا الخطة.. لازم نتحرك حالا.
— هنروح فين يا أحمد؟ السيوفي مقفل علينا كل السكك، والورق مبلول وممكن يبوظ، والسيرفرات اتمسحت!
أحمد بص للورق اللي في حضني، وملامحه اتصلبت بخطة أخيرة ونهائية:
— مفيش غير سكة واحدة يا دينا.. اللعب على المكشوف وقدام مصر كلها. السيوفي بيخاف من الشوشرة؟ تمام.. إحنا هنعمل له أكبر زفة في حياته. منصور السيوفي عنده بكره الصبح مؤتمر اقتصادي ضخم في فندق الفورسيزون، المؤتمر ده متصور لايف ومذاع على القنوات الفضائية وبحضور مستثمرين أجانب ووزرا.. السيوفي هيكون واقف على المنصة بيتكلم عن الشرف والاستثمار.
بصيت لأحمد وفهمت هو عايز يقول إيه.. الابتسامة رجعت لوشي رغم الطين والدم اللي على ركبتي:
— وإحنا هندخل المؤتمر ده يا أحمد.. والورق ده هيتصور سكانر على تليفونك وتليفوني دلوقتي حالا قبل ما يبوظ من المية.. وهنعرض التزوير بتاعه قدام الكاميرات والوزرا.. لايف!
أحمد هز راسه بقوة:
— بالظبط يا دينا.. بكره الصبح يا إما منصور السيوفي هيتكلبش قدام الكاميرات والبلد كلها تشوف فضيحته، يا إما إحنا التلاتة هنتسجن أو نموت.. دي السكة الأخيرة، ومفيش رجوع.
قعدنا في عربية أحمد.. طلعنا التليفونات وبدأنا نصور كل ورقة في الدوسيه بدقة عالية جداً ونرفعها على إيميلات جديدة بأرقام تليفونات وهمية اشتراها أحمد. تلات ساعات كاملة وإحنا بنسابق الزمن، المطر برا بيزيد، وجوانا نار قايدة مستنية الصبح.
النهار بدأ يشقشق.. والشمس طلعت باهتة وباردة فوق عمارات القاهرة القديمة.
وقفت قدام الفندق الضخم.. كنت متبهدلة، بس استعرت لبس من واحدة صاحبتي ساكنة قريب، وظبطت نفسي. أحمد كان لابس بدلة قديمة من بتاعة فرحنا، مكوّية بس ملامحه كانت ملامح راجل رايح يحارب معركته الأخيرة. وأبويا كان واقف في الظهر، ماسك عكازه ومستعد يسندنا لحد آخر نفس.
بصينا لبعض قبل ما ندخل من بوابات الأمن بتاعة الفندق.. أحمد مسك إيدي وقال بصوت واطي:
— جاهزة يا دينا؟
— جاهزة يا أحمد.. اللي يمد إيده على كرامتنا، لازم يدفع التمن.. والنهارده تمن كرامتي هو منصور السيوفي والشاذلي مع بعض.. يلا بينا.
دخلنا القاعة الكبيرة.. الأنوار كانت قوية، والكاميرات في كل حتة، وصوت المذيع الداخلي بيعلن صعود “رجل الأعمال الكبير منصور بك السيوفي” لإلقاء كلمته..
مشينا وسط الزحام، وعينينا على الشاشة الكبيرة اللي وراه.. والخطوة اللي جاية.. هي الخطوة اللي هتحدد مين اللي هيعيش ومين اللي هيموت…!!!!
