نرمين عادل ج 2 والاخـير
مرّت ستة أشهر على ليلة العتيقة الملعونة، الستة أشهر دول كانوا كأنهم ستين سنة من عمري. سبت البيت الكبير وخرجت برأس مرفوعة، رجعت لبيت أبويا وأنا شايلة معايا كرامتي، وجرح بينزف بس ملوش صوت. في أول شهرين، عصام حاول يبعت ناس ويوسط قرايب عشان يرجعني، كان باعت يقول “غلطة وشيطان ودخل بيننا، وأنا شاري هناء ومش هفرط في حب عمري”، وكأن الخيانة والزنا وخراب البيوت بقوا مجرد “غلطة”! طبعاً رفضت، ورفعت ق..ض..ية خلع عشان أخلص من كابوس اسمه عصام، والحمد لله الحكم صدر وخلعته، وفقت لنفسي وشغلي، ونزلت اشتغلت في دار نشر وتدقيق لغوي عشان أرجع هناء القديمة، البنت الطموحة اللي دفنت نفسها سبع سنين في خدمة راجل ما يستاهلش.
أما البيت الكبير… فكانت جدرانه بتتهد على روس اللي فيه، واحد ورا التاني. عدالة ربنا ما بتتأخرش، وكل واحد دفع تمن غدره كاش في الدنيا قبل الآخرة.
في يوم تلات دافي من أيام شهر مايو، كنت قاعدة في كافيه هادي في وسط البلد قريبة من شغلي، وبشرب قهوتي وبراجع رواية جديدة، وفجأة لقيت حازم سلفي… أو اللي كان سلفي، داخل عليّا.
لما شفته قلبي اتعصر، الراجل اتهد تماماً، خس النص من وزنه، الدقن البيضا غطت وشه، وعينه اللي كانت دايماً مليانة طيبة ورضا، بقى فيها نظرة انكسار تخوف. قمت وقفت وسلمت عليه بلهفة واحترام:
* “أهلاً يا حازم يا ابني… عاش من شافك، اتفضل اقعد.”
قعد حازم، واتنهد تنهيدة طويلة طلعت من قاع قلبه، وبصلي وقالي بصوت مجروح:
* “إزيك يا هناء؟ عليا النعمة أنتِ الوحيدة اللي خرجت من المولد ده كسبانة ونضيفة… ربنا نجدك من عيلة النجسين.”
قلتله وأنا بحاول أهون عليه:
* “الحمد لله يا حازم، ربنا كبير وعوضه ملوش حدود. طمني عليك أنت، عامل إيه في دنيتك؟ والصفحة دي قفلتها إزاي؟”
حازم شبك صوابعه في بعض وبص للترابيزة وقالي بمرارة:
* “قفلتها بالدم والمحاكم يا هناء. أنا ما سكتش… الصبح اللي طلع بعد ليلة العقيقة، كنت واخد الولد ورايح بيه على النيابة، ورفعت دعوى إنكار نسب، وطلبت تحليل DNA رسمي من المحكمة. نيرمين أهلها لما عرفوا الفضيحة، أبوها جاله جلطة ومات فيها من الخزي، وأخواتها غسلو إيديهم منها وطردوها برة البيت. وفي المحكمة، التحليل طلع النتيجة الصادمة اللي كنا عارفينها… ياسين مش ابني بنسبة 100%. المحكمة حكمت بإسقاط النسب، وشيلت اسمي من شهادة ميلاده.”
سألته بوجع:
* “ونيرمين؟ راحت فين؟ والواد حتة اللحمة الحمرا ده ذنبه إيه؟”
حازم هز راسه وقال:
* “نيرمين أخدت الواد وراحت قعدت في شقة إيجار قديم في منطقة عشوائية، وعصام… الكلب اللي خان أخوه، اتجوزها! أه والله يا هناء، أمي أجبرته يتجوزها عشان يداروا الفضيحة ويلموا الليلة بعد ما الق..ض..ية بقت على كل لسان في الحتة. بس تفتكري اتجوزوا وعاشوا في تبات ونبات؟”
ضحك حازم ضحكة كلها سخرية وتابع:
* “عصام اتجوزها وهو قرفان منها، وهي اتجوزته وهي شايلاه ذنب خراب بيتها وموت أبوها وفضيحتها وسط أهلها. عايشين في جهنم الحمرا، ضرب وإهانات كل يوم، والبوليس دخلهم مرتين بسبب الجيران اللي بيشتكوا من صوت صريخهم. وعصام اللي كان مفكر نفسه جاب السبع من ديله والواد بقى سند ليه، المحل بتاعه اتخرب واتقفل، والديون كترت عليه ومبقاش ملاحق على مصاريف المحاكم ومصاريف نيرمين وابنها، وبقى شغال سواق ميكروباص باليومية عشان يعرف يأكلهم… ربنا ذله ذل ما شفتهوش في حياتي.”
مسكت كوباية المية بإيدي وأنا بسبح باسم ربنا العدل، وقلتله:
* “سبحان الله، ‘ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله’… وطبقاً لحماتي؟ طنط فوزية عاملة إيه في اللي بيحصل ده؟”
ملامح حازم اتصلبت، وعينه لمعت بدموع محبوسة:
* “أمي… أمي نالت نصيبها برضه يا هناء. أنا سيبت البيت الكبير وبعت نصيبي فيه لأحد القرايب بأبخس التمن عشان مش عايز خطوة من رجلي تدوس مكان عاشوا فيه. أمي قعدت لوحدها في الشقة الكبيرة، وعصام لما اتزنق في الفلوس، راح ضغط عليها وباع دهبها كله، وكمان أخد منها فيزا المعاش بتاع أبويا الله يرحمه وبقى بيقبضه هو لنفسه ويسيب لها الفتات. من شهر جيتلها جلطة في رجلها، وبقت قعيدة الفراش مش بتقدر تتحرك، ونيرمين رافضة تخدمها وتقولها ‘أنتِ السبب في خيبتي، أنتِ اللي كنتِ عارفة وساكتة وتستاهلي’. أمي دلوقتي قاعدة بطولها، مفيش حد بيحن عليها ولا يسأل فيها، وعصام مش بيدخلها غير عشان ياخد فلوس.”
سكت حازم شوية، وبصلي بندم حقيقي وقال:
* “أنا جيتلك اليومين دول يا هناء عشان أطلب منك السماح… أنا طول السبع سنين اللي فاتوا كنت بشوف أمي وعصام وهما بيكسرو بخاطرك بنظراتهم وبكلامهم المسموم عن الخلفة، وكنت ببقى زعلان بس بقول معلش دي أمه وده أخوه الكبير… كنت مغفل وسلبي، وسكوتي ده شارك في كسر قلبك. سامحيني يا هناء لو كنت قصرت في حقك.”
ابتسمت لحازم بصفاء، وقلتله:
* “مسامحاك يا حازم من كل قلبي… أنت مالكش ذنب، أنت كنت ضحية زيهم بالظبط، ويمكن ضربتك كانت أوجع وأقوى بكتير لأن الغدر جالك في شرفك وفي بيتك ومن لحمك ودمك. ربنا يعوضك يا ابن الأصول ويريح قلبك.”
حازم قام وقف، وسلم عليّا وقال:
* “أنا مسافر الأسبوع الجاي يا هناء… جالي عقد شغل في دولة عربية، وهبدأ من جديد، هسيب البلد دي باللي فيها، ومش عايز أفتكر أي حاجة تخص العيلة دي تاني. ادعيلي.”
* “ربنا يوفقك ويكتبلك الخير يا حازم، ويجعلها خطوة مباركة تعوضك عن كل دموعك.”
ودعته وبصيت لخطواته وهو ماشي، وحسيت بنسمة هوا باردة ونضيفة دخلت صدري. المكان كله كان بيفضى من طاقة الغل والشر اللي عيشت فيها سبع سنين.
بعد ما حازم مشي، قعدت أفكر في حكمة ربنا. سبع سنين وأنا ببكي في سجدودي وبقول “يا رب ارزقني بالذرية الصالحة، يا رب ما تحرمنيش من كلمة ماما”، وكنت ساعات بضعف وأقول “ليه أنا يا رب؟”. ومكنتش أعرف إن ربنا كان حاميني! كان عارف إن الراجل ده نجس وما يستأمنش على طفل، وكان مانع عني الخلفة منه عشان لما تيجى لحظة الفراق، أخرج خفيفة، مش مربوطة بعيل يربطني بدمهم الملوث وعيلتهم الخاينة. ربنا كان بيدبرلي الخير وأنا كنت مستعجلة وببكي.
مرت الأيام، وركزت في شغلي أكتر وأكتر، وبقيت مديرة قسم التدقيق في دار النشر، ورجعت أكتب قصص قصيرة من تاني وبقى ليا جمهور بيقرالي ويشجعني. وفي يوم من الأيام، وأنا في معرض الكتاب، جالي شاب محترم جداً، مهندس ديكور اسمه كريم، كان جاي يشتري كتابي ويطلب إمضائي. بدأت معرفتنا من هنا، ومع الوقت كريم اتقدم لأبويا، راجل بكل معنى الكلمة، صاين لربنا، محترم، وبيحترمني ويقدرني لشخصي وفكري.
لما حكيتله عن موضوع الخلفة وسنيني اللي فاتت، بص في عيني بحنان وقال:
* “يا هناء، الأطفال دول رزق، وأنتِ رزقك عندي بالدنيا. لو ربنا أراد وجبنا أطفال أهم هينوروا دنيتنا، ولو ما أرادش، فأنتِ بنتي ومراتي وصاحبتي وكل دنيتي.”
بعد جوازنا بسنة واحدة… حصلت المعجزة اللي الدكاترة كلهم قالوا عنها مستحيلة. لقيت نفسي تعبانة ومقريفة، وكريم أصر نروح للدكتور… وهناك، الدكتور بص في جهاز السونار وابتسم وقالي: “مبروك يا مدام هناء… أنتِ حامل في الشهر التاني!”.
في اللحظة دي، انهرت من العياط، بس المرة دي كانت دموع الفرح والرضا… كريم أخدني في حضنه وهو بيعيط وبيقرا قرأن، وأنا افتكرت عصام وأمه ونظرات الشماتة، وعرفت إن ربنا مش بيسيب حق حد، وإن العقم ما كانش فيّا أنا… العقم كان في ضمير عصام وفي قلب أمه، وربنا شال الرزق لحد ما يستاهله، لحد ما يحفظه ويصونه.
خرجت من العيادة وأنا ساندة على إيد كريم، وباصة للسما وبقول بملء صوتي: “الحمد لله… الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات”. الحكاية قفلت فضلها الأخير، والشر اتهزم واندفن في جحيم أفعاله، والحق ظهر ونور حياتي من جديد.
