قـرض وخـراب بيـت ج الأخير حكـايات منـي الـسـيد

### **الفصل الرابع والأخير: حصاد الأيام**
مرت الأيام والشهور، وورقة النتيجة بتتقطع ورقة ورا التانية. الزمن دايماً عامل زي القطر اللي مبيستناش حد، بيدوس على اللي بيقع، وبياخد في طريقه اللي بيقرر يقف على رجليه ويكمل. سنتين كاملين عدوا على اليوم اللي إيمان قفلت فيه باب شقة “مصطفى” وراها، سنتين كانوا كفيلين يغيروا ملامح النفوس، ويرسموا خطوط جديدة على وشوش الأبطال.
#### **المشهد الأول: ريحة النجاح**
في مكتب أنيق في واحدة من شركات العقارات الكبيرة في التجمع الخامس، كانت إيمان قاعدة ورا مكتبها. الملامح الشاحبة والعيون المكسورة اللي كانت بتميزها من سنتين اختفت تماماً. دلوقتي، قدامنا “مديرة مبيعات” واثقة من نفسها، لابسة “بليزر” كحلي أنيق، وشعرها متسرح بعناية، وعينيها بتلمع بذكاء وطموح ملوش حدود.
التليفون على المكتب رن، رفعت السماعة بسرعة:
— “أيوة يا فندم… مظبوط، العقود جاهزة لتوقيع العميل النهاردة الساعة تلاتة. متقلقش، أنا راجعت كل البنود بنفسي.”
قفلت السكة، وسندت ضهرها على الكرسي بارتياح. خدت رشفة من فنجان القهوة اللي ريحته كانت مالية المكتب. بصت للصورة المحطوطة في برواز قزاز على طرف المكتب؛ صورة ليها وهي حاضنة “آدم” اللي بقى عنده تلات سنين ونص، لابس طقم مدرسة الحضانة وبيضحك ضحكة صافية من قلبه.
إيمان قدرت في السنتين دول تثبت كفاءتها في الشغل بشكل خلى كل مديرينها يراهنوا عليها. الفلوس اللي كانت بتحوشها، والمكافآت اللي كانت بتاخدها على كل بيعة كبيرة، عملولها رصيد محترم في البنك. الأهم من الرصيد المادي، كان الرصيد النفسي؛ الإحساس بإنها مش محتاجة حد، وإنها قادرة توفر لابنها عيشة كريمة من غير ما تستنى شفقة أو منة من أبوه اللي كان بيدفع النفقة كل شهرين مرة بعد طلوع الروح والمحاكم.
باب المكتب خبط، ودخلت “سارة”، زميلتها وصاحبتها الأنتيم في الشغل.
— “إيه يا بنتي، مش هننزل نفطر؟ أنا عصافير بطني بتصوصو!” قالتها سارة وهي بتضحك.
— “يا بنتي إنتي مابتشبعيش؟” ضحكت إيمان وهي بتقوم وتلم ورقها. “يالا بينا، بس الفطار النهاردة عليا، بمناسبة التارجت اللي قفلته إمبارح.”
وهم نازلين في الأسانسير، سارة بصت لإيمان وقالتلها بجدية:
— “إيمان، إنتي بجد بقيتي مثل أعلى ليا. إزاي قدرتي تقومي من الأزمة دي كلها وتبقي بالقوة دي؟”
إيمان ابتسمت ابتسامة هادية، عينيها بصت لبعيد وكأنها بتسترجع شريط ذكريات:
— “اللي بياخد ضربة في ضهره من أقرب الناس ليه، يا بينكسر ويموت، يا بيقف ويبقى أصلب من الأول. أنا اخترت أبقى أصلب عشان خاطر آدم. مقدرتش أسمح إن ابني يكبر ويلاقي أمه ضعيفة ومكسورة. الأمان اللي اتسرق مني، كان لازم أبنيه أنا بإيدي، حيطة حيطة، وطوبة طوبة.”
#### **المشهد الثاني: الحصاد المر**
على النقيض تماماً، في حي شعبي زحمة، وتحديداً في الورشة اللي مصطفى كان شغال فيها، الوضع كان بيصرخ من الفشل. الورشة اللي كانت زمان مليانة زباين وعربيات، بقت فاضية، والتراب كاسي العدة والمفكات.
مصطفى كان قاعد على كرسي بلاستيك مكسور قدام الورشة، لابس عفريتة شغل مليانة شحم وزيت، ووشه مليان تجاعيد هم سابقت سنه بكتير. كان ماسك في إيده سيجارة رخيصة، بيبصلها بسرحان. الفلوس اللي دفعها في القرض بتاع إيمان مكنتش النهاية، دي كانت بس البداية لسلسلة من الكوارث.
القروض التلاتة التانية اللي “ميرفت” والدته كانت واخداهم باسمه من كذا سنة، فوايدهم كبرت بشكل جنوني. البنوك بدأت تاخد إجراءات قانونية، والحجز على الورشة بقى مسألة وقت. الأدهى من كده، إن سمعته في السوق باظت؛ الزباين بقوا يهربوا منه لأنه مبقاش يركز في شغله، دايماً سرحان، ودايماً متأخر في تسليم العربيات.
صوت فرامل عربية قوية وقف قدام الورشة، نزل منها راجل لابس بدلة ومعاه اتنين أمناء شرطة. مصطفى قلبه وقع في رجليه، رمى السيجارة وقام وقف بخوف.ومتوفرة علي روايات و اقتباسات
— “مصطفى عبد الرحمن؟” سأل الراجل بحدة.
— “أيوة يا باشا.. خير؟”
— “معانا أمر حجز تنفيذي على الورشة لصالح البنك، سداداً لمديونية متأخرة بقيمة ١٥٠ ألف جنيه. اتفضل امضي هنا، وسلمنا المفاتيح.”
مصطفى حس إن الدنيا بتلف بيه. الورشة دي هي آخر حتة أرض واقف عليها، هي مصدر رزقه الوحيد. حاول يتوسل للراجل، يمين وشمال، بس القانون مابيرحمش، ومابيعرفش الطبطبة. في أقل من نص ساعة، كانت الورشة متشمعة بالشمع الأحمر، ومصطفى واقف في الشارع، ملوش ضهر ولا سند، ووراه ديون تهد جبال.
#### **المشهد الثالث: المواجهة الأخيرة في نادي الرؤية**
يوم الجمعة العصر، في مركز الشباب اللي المحكمة حددته كـ “مكان للرؤية”. إيمان كانت قاعدة على ترابيزة في الكافتيريا، بتشرب عصير لمون، وآدم بيلعب في منطقة الألعاب اللي قدامها. كانت عينيها عليه دايماً، بتحميه بنظراتها.
من بعيد، ظهر مصطفى. كان ماشي ببطء، وشه شاحب، وهدومه متبهدلة ومش مكوية. دي كانت أول مرة يجي الرؤية من تلات شهور. قعد على الكرسي اللي قدام إيمان، من غير حتى ما يقول سلام عليكم.
إيمان بصتله بهدوء، مفيش في عينيها ذرة غضب، ولا حتى شماتة. كان مجرد شخص غريب.
— “آدم كبر،” قال مصطفى بصوت مبحوح وهو بيبص على ابنه اللي بيلعب ومش واخد باله منه أصلاً.
— “الحمد لله، صحته كويسة والمدرسة بتاعته مريحاه،” ردت إيمان برسمية تامة.
مصطفى سكت شوية، وبعدين رفع عينه وبصلها، كانت عيون مليانة ندم وانكسار حقيقي المرة دي:
— “أنا الورشة اتشمعت يا إيمان. البنك حجز عليها. أمي ضيعتني، ضيعتلي بيتي ومستقبلي وأكل عيشي. الديون كلتني.”
إيمان متفاجئتش. محمود أخوها كان متابع أخباره من بعيد وعارف اللي بيحصل. بس هي مكنتش حاسة بأي تعاطف.
— “النتيجة دي كانت متوقعة يا مصطفى. اللي بيسيب حد يسوق عربيته وهو مغمي عينيه، طبيعي يلبس في حيطة. إنت اللي سمحت لوالدتك تدير حياتك وتخرب بيتك عشان المظاهر الكدابة.”
مصطفى مسح وشه بإيده، وصوته بدأ يترعش:
— “أنا عارف إني غلطت.. والله عارف. أنا بسألك دلوقتي.. مفيش أي أمل؟ مفيش فرصة نرجع، وأعوضك عن كل حاجة؟ أنا محتاجك جنبي يا إيمان، أنا من غيرك بضيع.”
إيمان حطت كوباية العصير على الترابيزة بالراحة، وميلت لقدام شوية:
— “نرجع؟ نرجع لإيه بالظبط؟ لجوز بيخون ثقتي وبيكدب عليا؟ لبيت مكنش ليا فيه أي كلمة؟ لحماة كانت بتشوفني مجرد بنك بتسحب منه عشان تتباهى قدام الناس؟ مصطفى.. إنت مش مفتقدني أنا، إنت مفتقد **السند** اللي كنت بتتسند عليه عشان تداري خيبتك وضعفك قدام أمك. إنت بتدور على حد ينقذك من الغرق، بس أنا اتعلمت السباحة بالعافية عشان أنقذ نفسي وابني، ومش مستعدة أرمي نفسي في البحر تاني عشان أغرق معاك.”
الكلمات نزلت على مصطفى زي الرصاص. كان عارف إنها صادقة في كل كلمة. متوفرة على روايات و اقتباسات
ندهت إيمان على آدم: “دودو.. تعالى سلم على بابا عشان هنمشي.”
آدم جه يجري، وقف قدام مصطفى بكسوف، قاله “باي”، ورجع جري يمسك في إيد أمه. الطفل نفسه مكنش حاسس بأي رابط بينه وبين الراجل الغريب ده.
مصطفى فضل قاعد مكانه، بيراقب إيمان وهي واخدة ابنها وماشية بخطوات واثقة، ضهرها مفرود، ومشاويرها واضحة. حس إن دي آخر مرة هيشوفها فيها، وإن الصفحة دي اتقفلت للأبد.
#### **المشهد الرابع: الانهيار في بيت ميرفت**
لما مصطفى رجع شقة والدته، لقى “ميرفت” قاعدة في الصالة، فاتحة التليفزيون على مسلسل تركي، وبتاكل لب.
أول ما شافته، بدأت تشتكي بأسلوبها المعتاد:
— “إنت اتأخرت كده ليه؟ وبعدين إيه القرف ده، التلاجة القديمة اللي جبتهالي دي بتسرب مية، والغسالة العادية دي بتبوظلي الهدوم! أنا مش قادرة أعيش في الفقر ده، كلم خالك رضوان يشفلنا سلفة نظبط بيها البيت، أنا مكسوفة أستقبل سلايفي!”
مصطفى فضل باصصلها ثواني من غير ما ينطق. الكلام كان بيتردد في ودانه كأنه طنين مزعج. فجأة، البركان اللي جواه انفجر. مسك طفاية السجاير اللي على الترابيزة ورماها بقوة في الحيطة، اتكسرت ميت حتة، وصوت الكسرة خلى ميرفت تصرخ وتتنفض من مكانها.
— “إنتي إيه؟! إنتي إيه معمولة من إيه؟!” صرخ مصطفى بصوت خلى عروق رقبته تنفر. “تلاجة إيه وغسالة إيه اللي بتتكلمي عنهم؟ أنا الورشة اتشمعت النهاردة! أنا بقيت عاطل ومديون ومعرض للسجن في أي لحظة! مراتي سابتني، وابني ميعرفش شكلي، وكل ده بسبب إيه؟ بسبب منظرتك الكدابة وعقدة النقص اللي عندك!”
ميرفت حطت إيدها على قلبها، وبدأت تعيط بتمثيل:
— “بتعلي صوتك على أمك يا مصطفى؟ بتكسرلي البيت؟ ده جزاتي إني ربيتك وكبرتك؟”
— “ربيتيني على إيه؟” قاطعها بحدة، وهو بيقرب منها وعينيه بتطق شرار. “ربيتيني أبقى تابع ليكي! ربيتيني إني أكسر مراتي عشان أراضيكي! إنتي دمرتي حياتي بقروضك اللي ملهاش لازمة. الفلوس اللي خدتيها عشان تتباهي بيها قدام جيرانك، هي اللي شردتني في الشارع دلوقتي. أنا خسرت كل حاجة.. كل حاجة!”
مصطفى قعد على الأرض، وحط راسه بين إيديه، وبدأ يبكي زي الأطفال. بكي على رجولته اللي ضيعها بإيده، وعلى بيته اللي خربه، وعلى ابنه اللي هيكبر وهو بيكرهه. ميرفت وقفت تبصله بصدمة، لأول مرة تشوف ابنها منهار بالشكل ده، ولأول مرة تحس إن الأقنعة اللي كانت لابساها مابقتش قادرة تخبي بشاعة الحقيقة. الحقيقة إنها هي اللي خربت بيت ابنها، وإن المظاهر اللي عاشت لها، سابتها في الآخر وحيدة، مكروهة، وغرقانة في الديون.
#### **المشهد الخامس: مفاتيح البداية الجديدة**
في نفس الليلة، بس في عالم تاني خالص ومختلف تماماً.
إيمان كانت واقفة في شقة جديدة فاضية في “مدينتي”. الشقة كانت لسه على المحارة، بس ريحة الدهان الجديد والأسمنت كانت بتمثل لإيمان ريحة “الحرية”.
جنبها كان واقف محمود أخوها، بيراجع عقد تمليك الشقة.
— “مبروك يا حبيبتي،” قالها محمود وهو بيبوس راسها وبيديها العقد ومفاتيح الشقة. “الشقة دي بتاعتك، بتعبك وعرقك وشقاكي. إنتي تستاهلي كل خير يا إيمان.”
إيمان خدت المفاتيح، ودموع الفرحة بتلمع في عينيها. حضنت أخوها بقوة:
— “ربنا يخليك ليا يا محمود، لولا وقفتك جنبي في الأول، عمري ما كنت هعرف أوصل لهنا.”
تاني يوم الصبح، إيمان كانت في أكبر معرض أجهزة كهربائية في القاهرة. كانت بتمشي بين الممرات وهي رافعة راسها، بتختار اللي يعجبها.
وقفت قدام أحدث موديل من التلاجات والغسالات. المندوب بتاع المبيعات قرب منها وقالها:
— “يا فندم الأجهزة دي من الفئة الأولى، أحدث حاجة نزلت السوق، تحبي نعمل لحضرتك نظام تقسيط؟”
إيمان ابتسمت ابتسامة واسعة، وطلعت الكارت البنكي بتاعها من الشنطة وقالتله بثقة:
— **”لأ شكراً، أنا هدفع كاش.”**
لحظة تمرير الكارت في مكنة الدفع، وطلوع وصل الاستلام، كانت بالنسبة لإيمان زي صك براءة نهائي من الماضي. الأجهزة اللي كانت سبب في خراب بيتها القديم، بقت هي أول حاجة تشتريها لبيتها الجديد، بس المرة دي.. بفلوسها، بشقاها، ومن غير ما تستلف ولا تتنازل عن كرامتها. متوفرة على روايات و اقتباسات
بالليل، إيمان كانت نايمة على مرتبة مؤقتة في شقتها الجديدة، حاضنة “آدم” اللي نام من كتر اللعب والمشي في الشقة. الشباك كان مفتوح، والهوا البارد بتاع الليل بيدخل يطبطب على وشها.
بصت للسقف، وافتكرت الليلة السودا اللي اكتشفت فيها القرض، وافتكرت إزاي كانت حاسة إن الدنيا بتتهد فوق دماغها. ودلوقتي.. الدنيا بتتبني من جديد، على أساس قوي، أساس مفيهوش كدب، ومفيهوش ناس بتمص دمها عشان ترضي غرورها.
أغمضت عينيها بارتياح، وهي متأكدة إن بكرة أحلى، وإن الخبطة اللي مابتموتش.. فعلاً بتقوي.
**تمت بقلم منــي السيد **

