غـريب فـي بيتـي ج 1 حكـايات منـي السيـد

– ماما، وبابا، وأخوكِ تامر ومراته هبة جايين يوم السبت، وهيقعدوا معانا شهر.
قالها “أحمد” وهو واقف قدام التلاجة، بيشرب عصير من الكيس علطول، وعينه في الموبايل بيقلب بصباعه كأنه بيقرالي حالة الطقس.
كنت ماسكة طبق في إيدي، حطيته على السفرة بالراحة جداً، وبحذر شديد. حكايات مني السيد.
– شهر؟ – كررت الكلمة بذهول.
– أيوه، أمال إيه؟ بابا واخد إجازة، وماما بقالها كتير نفسها تيجي، وتامر وهبة جايين معاهم. كدة نتجمع كلنا، مش ده الطبيعي؟ – ابتسم لي من غير ما يرفع عينه من الموبايل.
“الطبيعي”. بقالنا سبع سنين متجوزين. في السنين دي، أهله جم قعدوا عندنا أربع مرات، وكل مرة أكتر من أسبوع، وكل مرة من غير سابق إنذار. طيب ماشي، تلات أيام قبلها ده يعتبر إنذار، ولا إيه؟
أنا بشتغل محاسبة من البيت. مكتبي عبارة عن ركن صغير في شقة غرفتين، عبارة عن مكتب وكمبيوتر وملفات. المكان مكدس وكل سنتيمتر مستغل. دي مش فيلا، دي شقة دوبلكس صغيرة.
– أحمد – حاولت أتكلم بهدوء – إحنا شخصين، والشقة غرفتين. أربع أشخاص زيادة هيناموا فين؟
أخيراً نزل الموبايل من إيده.
– ماما وبابا هيناموا على كنبة الصالة، وتامر وهبة يناموا في أوضتك “المكتب”. وهنشتري مرتبة هوائية.
– وأنا هشتغل فين؟
– على ترابيزة السفرة – قالها وهو بيهز كتافه – أو في أوضة النوم، ما إنتي معاكي لاب توب.
وقفت ببص له. ما سألنيش ولا فكر حتى يقول: “إيه رأيك؟”، أو “ينفع؟”. قرر ونفذ، وحطني قدام الأمر الواقع كأني قطعة عفش في البيت، مش شريكة حياته.
– كان ممكن على الأقل تتناقش معايا قبل ما تاخد قرار زي ده – قلت له. متوفرة على روايات و اقتباسات.
– نتناقش في إيه؟ دول أهلي، مش غرباء!
مش غرباء.. بس مش أهلي أنا كمان. أخدت نفس عميق وخرجته ببطء. متوفرة على روايات و اقتباسات
– ماشي – قلت له – بس ليا شرط: إنت اللي تطبخ وإنت اللي تروق وتغسل المواعين. دول ضيوفك، إنت اللي تشيل مسؤوليتهم.
ضحك أحمد كأني قلت نكتة.
– يا ستي، في إيه؟ ماما بتطبخ بنفسها، بتحب المطبخ أصلاً.
ما ردتش عليه. بقالي ست شهور بحوش قرش على قرش، ٧٠ أو ٨٠ جنيه من شغل إضافي بعمله بالليل وأنا مطبقة، براجع ميزانيات لناس، عشان أقدر أعمل إجازة محترمة، أروح المصيف في مكان هادي، وأفصل من كل ده. حوشت ٤٨٠٠ جنيه في كارت خاص، كانت دي “رحلتي للهروب الصغير”، ما كنتش عارفة إني هحتاجها في الحرب دي.
يوم السبت وصلوا. الأربعة. بشنطتين سفر كبار، وشنطتين يد، ومعاهم كيس فيه ٤ برطمانات مخلل وعلبة رز “هدية”.
“طنط نادية” دخلت البيت كأنها بتفتش في شقة هتأجرها.
– الشقة ضيقة أوي يا أحمد! – قالتها بدل “أهلاً”. – والدهانات دي؟ بقالكم كام سنة مش عارفين تجددوا؟ قايلة لكم المرة اللي فاتت غيروها.
– أهلاً يا طنط – رديت بخفوت.
عمي “حج حنفي”، الراجل الهادي، دخل قعد قدام التلفزيون وسكت. تامر، أخو أحمد، دخل هو ومراته “هبة” اللي عينيها دايماً في الأرض.
أحمد كان بيتحرك بسرعة، بيشيل الشنط، بينقل المكتب من مكانه عشان ينفخ المرتبة الهوائية اللي أخدت نص الأوضة. المكتب بقى محشور في الحيطة لدرجة إن الكرسي ما بيدخلش تحته.
– يا أحمد، أنا بشتغل هنا! – قلت له في المطبخ.
– ما إنتي هتشتغلي على السفرة كام يوم، يا ستي هي كلها شهر!
شهر. يعني ٢٤٠ ساعة شغل على ترابيزة السفرة، وسط الحلل، وطبايخ طنط نادية.
أول يوم قضيته واقفة على البوتاجاز. طنط نادية ما طبختش، هي “أدارت” المعركة. قاعدة على الكرسي، مربعة إيديها، والتعليمات نازلة:
– قطعي البصل أصغر من كدة، البصل ده يخلي طعم الأكل مسلوق!
– الجزر يتخرط مش يتبشر، مين اللي بيعمل كدة؟
– الزيت ده غلط، لازم نستخدم سمنة بلدي.. يا أحمد، اكتب لمراتك تجيب سمنة من اللي بنحبها.
وقفت ٣ ساعات على البوتاجاز. كنت باعمل “بنجر” (بورسشت) وبشويه في الفرن عشان يحافظ على لونه، شمت طنط نادية الحلة وكشرت:
– البورسشت لازم يبقى لونه غامق وقوي، ده شكله زي الماية المغسولة!
أنا… (وبدأت المعركة).
أنا وقفت في المطبخ، ماسكة المغرفة، وباصة للبخار اللي طالع من الحلة. جوه راسي كان في ضجيج أعلى بكتير من صوت طنط نادية. “مية مغسولة؟” ده أنا بقالي ساعتين واقفة بنضف وبقشر وبسبك، عشان في الآخر أسمع جملة زي دي.
أحمد دخل المطبخ، حط إيده على كتفي وقال بصوت واطي: “معلش يا أنوش، هي طبعها كدة، بتحب الأكل مسبك زيادة. اسمعي كلامها عشان خاطري، مش عاوزين نكد من أول يوم”.
نكد؟ هو فاكر النكد إنها تنتقد الأكل؟ النكد الحقيقي هو اللي أنا حاساه في صدري، إحساس إن بيتي – ملاذي الوحيد اللي بهرب فيه من أرقام الحسابات وتوتر الشغل – اتحول لمعسكر تدريب.
يوم التلات، كان أسوأ. صحيت الساعة ٧ الصبح، لقيت “عمي حنفي” فاتح الراديو على إذاعة القرآن الكريم بصوت عالي، وقاعد بيشرب شاي في الصالة. ريحة السجاير كانت مالية البيت، وأنا عندي “زوم ميتنج” مهم الساعة ٩. قعدت على ترابيزة السفرة، حاولت أركز في شاشتي، بس “هبة” مرات تامر كانت واقفة في المطبخ بتغسل المواعين بطريقة بتعمل صوت دوشة متعمد. كل طبق بيخبط في التاني كان بيخبط في أعصابي.
دخلت عليا طنط نادية وهي لابسة جلاليبها الواسعة: “يا بنتي، الحمام من امبارح وهو غرقان مية، أحمد أكيد ساب الحنفية مفتوحة. وبعدين، إنتي مش ناوية تغيري نظام المطبخ ده؟ التلاجة دي مليانة حاجات مالهاش لازمة، إحنا محتاجين مكان للجبنة واللحمة اللي تامر جابها”.
بصيت لها، حاولت أبتسم ابتسامة صفراء: “يا طنط، أنا بشتغل، والوقت ضيق أوي النهاردة”.
ردت ببرود: “الشغل ده ماليش فيه، الأصول بتقول إن الضيف ليه حق، والبيت له أصول”.
الأصول! الكلمة دي بقت بتطاردني في أحلامي. الساعة ١٠، كان الميتنج بدأ، وكنت فاتحة الكاميرا. فجأة، لقيت “تامر” دخل عليا الصالة، لابس “الفانلة والبوكسر” وبيدور على ريموت التلفزيون. نسي إن مراته موجودة، ونسي إني في ميتنج. العملاء بتوعي شافوا المنظر، ومنهم اللي ضحك، ومنهم اللي قفل الكاميرا بإحراج.
قفلت اللاب توب في وشي، قمت وقفت، لقيت نفسي بصرخ لا إرادياً: “إنت بتعمل إيه هنا؟! مش شايف إني في شغل؟!”.
البيت سكت تماماً. أحمد طلع من أوضة النوم، طنط نادية سابت اللي في إيديها، وتامر وقف مذهول.
أحمد بص لي بنظرة لوم: “أنا، في إيه يا أنوش؟ ده أخويا، ليه بتعلي صوتك؟”.
“أخوك؟ يا أحمد، أنا بقالي ٣ أيام لا عارفة أنام، ولا عارفة أشتغل، ولا عارفة أقعد في بيتي. إنتوا مش جايين زيارة، إنتوا محتلين المكان!”.
ساد صمت تقيل. طنط نادية حطت إيديها على وسطها وقالت: “أحمد، مراتك دي محتاجة تربية من أول وجديد. إحنا جينا نشيل عنكم، تطلع هي بالأسلوب ده؟”.
دخلت أوضتي، اللي هي أصلاً مش أوضتي، ورميت نفسي على المرتبة الهوائية اللي بدأت تنفس شوية هواء. حسيت بدموع حرقة في عيني. الـ ٤٨٠٠ جنيه اللي في الكارت، اللي كانوا أملي في الرحلة، بقوا دلوقتي ثمن لهروب تاني.. هروب من البيت نفسه.
بعد ساعة، الباب خبط. دخل أحمد، قعد جنبي، المرتبة اتحركت بتقلنا.
“يا أنوش، حقك عليا. بس بلاش نكبر الموضوع. أمي حساسة، وتامر مكنش يقصد”.
بصيت له في عينيه، لأول مرة من سنين، شفت أحمد كشخص غريب. “أحمد، أنا مش قادرة. أنا محتاجة مساحة. إحنا مش عايشين في زريبة، إحنا بشر. أنا بنهار، مش شايف ده؟”.
سكت شوية، وبعدين قال: “أنا عارف إنك تعبانة، بس استحملي.. كلها كام يوم والجو يهدى”.
“كام يوم؟ هما بقالهم ٤ أيام بس، وباقي ٢٦ يوم! أنا مش هقدر يا أحمد. بجد مش هقدر”.
خرج من غير ما يرد، كعادته لما بيواجه حقيقة مش عاجباه. قمت غيرت هدومي، خدت كارت الفيزا بتاعي، وشنطة صغيرة فيها اللاب توب وشوية ورق، وطلعت للصالة. كانوا كلهم قاعدين بياكلوا لب وبيدردشوا.
“أنا نازلة”، قلت بصوت ثابت.
أحمد قام مفزوع: “نازلة فين؟ الساعة بقت ٧ بالليل!”.
“رايحة عند ماما. أو رايحة أي مكان فيه هدوء. محتاجة أخلص شغلي اللي باظ بسبكم”.
طنط نادية اتدخلت: “ده اسمه خروج بيت يا أحمد؟ إنتي بتعملي فينا كدة قدام الناس؟”.
بصيت لطنط نادية وابتسمت بمرارة: “يا طنط، ده مش بيتي، ده “مبيت” مؤقت. أنا هروح أدور على بيتي الحقيقي.. حتى لو هصرفه في فندق”.
خرجت وقفلت الباب ورايا. صوت خبط الباب كان أول نغمة حرية أسمعها من سنين. نزلت الشارع، الهوا كان رطب، والناس ماشية عادي، مفيش حد بيراقبني، مفيش حد بينتقد طريقتي في تقطيع البصل.
وصلت الكافيه القريب، طلبت قهوة، وفتحت اللاب توب. بدأت أراجع البنود اللي فاتت، وفجأة جالي إيميل من الشغل: “يا أستاذة أنوش، محتاجين تقرير ميزانية الشركة قبل بكره الصبح”.
بصيت للمبلغ اللي في الكارت.. ٤٨٠٠ جنيه. قولت لنفسي: “مش هبقى محاسبة بتعد فلوس الناس، وأنا مش عارفة أعد أيامي في بيتي”.
فتحت موقع “بوكينج”، دورت على فندق صغير في العين السخنة، مكان أقدر أشتغل فيه وأنا شايفة البحر. لقيت عرض بـ ٥٠٠ جنيه في الليلة.
ضغطت على “حجز”.
حسيت إني لأول مرة باخد قرار يخصني أنا، مش يخص “أحمد”، ولا يخص “طنط نادية”. الليلة دي، هنام في مكان هادي، حتى لو كان بعيد عن بيتي. لأن البيت اللي مافيهوش احترام لخصوصيتي، مايستحقش أسميه بيت. متوفرة على روايات و اقتباسات
بعد نص ساعة، رن تليفوني. اسم “أحمد” كان بيتحرك على الشاشة. رفضت المكالمة. لأول مرة، قفلت الموبايل خالص، وسبت نفسي للبحر اللي لسه ما شفتوش، بس حاسة بريحته في خيالي. كنت عارفة إن لما أرجع، البيت هيتغير، أو أنا اللي هتغير. مفيش رجوع لنقطة الصفر، مفيش “بصل” أكتر من كدة.
يتبع
