أخت جوزي ضربتني بالقلم ج 4 والأخير حكايات زهرة الربيع

كان خبر الحمل بمثابة طوق النجاة الأخير الذي رسخ جذور بيتنا في أرض طيبة، وجعل الأيام العصيبة التي عشناها مجرد ذكرى بعيدة نمر عليها لنأخذ منها العبرة، لا لنبكي على أطلالها. تبدلت أحوال البيت تماماً؛ كريم الذي كان في الماضي يرى في طلباتي ثقلاً، بات اليوم يتلمس رضايا في كل لفتة، وأصبحت راحتي هي شغله الشاغل. لم يكن يفعل ذلك خوفاً من الشروط المكتوبة أو الورق الذي بيننا، بل كان مدفوعاً بوعي جديد، وعي الرجل الذي أدرك قيمة الجوهرة التي بين يديه بعدما كاد يفقدها للأبد.
مرت شهور الحمل الأولى ثقيلة ومتعبة على جسدي، لكنها كانت خفيفة مبهجة على روحي. لم تتركني أمي لحظة واحدة؛ كانت تأتي من أول البلد محملة بالخيرات والدعوات، وتجلس معي بالأيام لترعاني. وحماتي كذلك، الست الطيبة التي لم تزدها الأيام إلا حباً لي، كانت تدق بابي كل صباح وهي تحمل لي طعام الإفطار الساخن، وتوصي كريم بي قائلة: “شيلها في عينيك يا ابني، سمر دي هي البركة اللي دخلت بيتنا، وهي اللي صانت عرضنا وعفت عن بنتي لما كانت قادرة تكسرها”.
أما شيماء، فقد تبدل حالها سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال. الغيرة التي كانت تأكل قلبها انطفأت، وحل محلها نوع من الاحترام العميق الهادئ. أصبحت تأتي لزيارتي بخطوات خفيفة، تجلس معي لتساعدني في ترتيب المنزل، وتستشيرني في أدق تفاصيل حياتها مع زوجها محمود. وفي كل مرة كانت ترى فيها بطني المرتفعة، كانت تدمع عيناها وتقول: “ربنا يقومك بالسلامة يا سمر، ويجعل مولودك وش السعد علينا كلنا، زي ما كنتِ أنتي وش السعد من يوم ما رجعتي بيتك بالحق والعدل”.
وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة، وفي الشهر التاسع من حملي، كنت جالسة مع كريم في الصالة نشاهد التلفاز والدفء يملأ أركان شقتنا. فجأة، شعرت بآلام مخاض قوية وعنيفة لم أتحملها. صرخت وأمسكت بمعصم كريم، الذي انتفض من مكانه وكأن صعقة كهربائية أصابته.
تسمر في مكانه لثوانٍ من الخوف، ثم بدأ يتحرك في كل اتجاه وهو يصرخ: “سمر! في إيه؟ الولادة؟ طب نعمل إيه؟ أكلم أمي؟ أطلب الإسعاف؟”
ورغم ألمي، ابتسمت من وسط دموعي على منظره وقولت له بصوت متقطع: “كلم.. كلم دكتورتي يا كريم، وهات الشنطة من الأوضة بسرعة، أنا مش قادرة”.
في دقائق معدودة، كان كريم قد اتصل بالجميع. نزلنا السلم وهو يسندني بكل قوته، يهمس في أذني بآيات من القرآن ويقبل رأسي في كل خطوة. وصلنا إلى المستشفى في المركز، وخلال نصف ساعة، كانت العائلة كلها متجمعة في الممر الخارجي. أمي تبكي وتدعو، وأبويا يستند على عكازه وعيناه معلقتان بباب غرفة العمليات، وحماتي وشيماء ومحمود.. الكل واقف على قدم وساق، ينتظرون بلهفة قدام الباب.
دخلت غرفة العمليات، وكنت أسمع من وراء الجدران صوت كريم وهو يتوسل للطبيبة: “أرجوكي يا دكتورة، سمر أهم حاجة.. طمنيني عليها هي الأول”. وفي تلك اللحظات الصعبة، لم أكن أشعر بالخوف؛ كنت أشعر بسلام داخلي غريب، لأنني أعلم أنني لست وحيدة، وأن وراء هذا الباب رجالاً وأهلاً يحبونني ويخافون عليّ، وأن كرامتي التي حاربت من أجلها، أثمرت اليوم حباً حقيقياً يحيط بي من كل جانب.
ساعات قليلة، وخرجت إلى الدنيا طفلتي الجميلة “تاج”. أسميتها “تاج” لتكون تاجاً لقصتي، ورمزاً للكرامة التي رفضت أن أتنازل عنها يوم أن أهنت وسط الزحام.
عندما أفقت من البنج، وجدت نفسي في غرفتي بالمستشفى، والجميع من حولي. كان كريم أول من اقترب مني، وعيناه ممتلئتان بدموع الفرح الهاربة. انحنى وقبل جبيني طويلاً، ثم أخذ الطفلة الصغيرة من الممرضة ووضعها بين يدي وهو يهمس بصوت مرتعش: “مبروك يا أم تاج.. مبروك يا غالية يا بنت الأكابر. ربنا يخليكي ليا ولبيتنا، ويقدرني أسعدك وأعوضك عن كل وجع شفتيه بسببي”.
أبويا اقترب مني وهو يبتسم بفخر، أخذ الصغيرة وأذن في أذنها، ثم التفت لكريم وقال بنبرة الأب الحكيم: “الفرع الجديد ده يا كريم أمانة في رقبتك، زي ما أمه كانت أمانة وضيعتها ورجعت صنتها. البنت في بيت أبوها بتكون ملكة، وفي بيت جوزها لازم تعيش أميرة، والراجل الحقيقي هو اللي بيخلي مراته رافعة راسها قدام الدنيا كلها”.
هز كريم رأسه بوقار وقال: “في عيني يا عمي أحمد، سمر وتاج في عيني وقلبي، وعهدي قدام ربنا وقدامكم كلكم إني مش هسمح لنسمة الهوا تضايقهم”.
اقتربت شيماء وعيناها تلمعان بالدموع، نظرت إليّ وقالت: “تربى في عزكم يا سمر، مبروك يا أمي المحترمة”. شكرتها وابتسمت لها، وشعرت في تلك اللحظة أن كل الحسابات القديمة قد تلاشت، وأن النفوس صفت تماماً ولم يعد هناك مكان للضغينة.
بعد مرور أسبوع على الولادة، أقمنا “عقيقة” كبرى لتاج في البلد. أصر كريم على أن تكون العقيقة أمام البيت، في نفس الشارع والصوان الذي شهد واقعة الفرح المشؤومة قبل أكثر من عام. قال لي وهو يجهز الذبائح والأنوار: “يا سمر، المكان اللي انكسرتِ فيه قدام الناس زمان من غير ذنب، لازم يكون هو نفس المكان اللي ترفعي فيه راسك والناس كلها تيجي تهنيكي وتعرف قيمتك”.
كان اليوم أشبه بالعرس الكبير. جاء أهل البلد كلهم، من عقر دارنا ومن العائلات المجاورة. طاولات الطعام امتدت على طول الشارع، والأنوار تملأ المكان، والزغاريد تنطلق من شرفات البيوت. كنت أجلس في صدارة المكان، لافتة العباءة المطرزة، وبجانبي أمي وحماتي، والطفلة تاج بين يدينا والكل يقبل عليها بالهدايا والمباركات.
جلس كريم بجانب عمي أحمد وأبويا والحاج صالح ومحمود جوز شيماء، وكان يتحدث بفخر واعتزاز عن بيته وعن زوجته وعن الفرحة التي ملأت حياته. لم يكن هناك همس أو شفقة في عيون الحاضرين هذه المرة؛ بل كانت نظرات إعجاب واحترام لقصة الست التي عرفت كيف تأخذ حقها بأصول ربنا وقانونه، وكيف تعيد بناء بيتها على أساس من العزة والكرامة.
في نهاية السهرة، بعد أن انصرف المعازيم وهدأت ضوضاء الاحتفال، صعدنا أنا وكريم إلى شقتنا. كانت الطفلة تاج قد نامت في سريرها الصغير بسلام. خرجت إلى البلكونة لأستنشق الهواء العليل، وأتأمل شوارع البلدة الهادئة تحت ضوء القمر.
جاء كريم من خلفي، ووضع عباءتي على كتفي ليحميني من برد الليل، ثم أحاطني بذراعيه وقال بصوت مليء بالهدوء والرضا: “بتفكري في إيه يا سمر؟”
التفت إليه، ونظرت في عينيه اللتين باتتا تعكسان الأمان الذي طالما بحثت عنه، وقلت له بنبرة هادئة: “بفكر في الدنيا يا كريم.. بفكر في اللحظة اللي الدنيا لفت بيا فيها في الفرح، لما انضربت بالقلم وحسيت إن الأرض بتبلعني وإن بيتي وحياتي انهاروا في ثانية. وبفكر في حالي دلوقتي وأنا واقفة في نفس المكان، وبيتي معايا، وجوزي سندي، وبنتي في حضني، وكرامتي ممسوسة بل مصونة ومحفوظة”.
أمسك إيدي وقبلها وقال: “الدنيا بتلف يا سمر عشان تصحي الغافل وتعرف الظالم إن في رب للحقوق. أنا كنت غافل، والعند والتعصب الأعمى لعيلتي كان يعميني عن الحق. القلم اللي ضربتهولك أختي كان فوق راسي أنا اللي فوقني وعلمني إن الرجولة مش فرض سيطرة ولا يمين طلاق بترمي في ساعة غضب، الرجولة هي احتواء وحماية وأصول. أنتي صبرتي، ولما جيتي تاخدي حقك، أخدتيه بأدب وبنت ناس، وعشان كده ربنا نصرك وكبرك في عيون الكل وعيوني أنا الأول”.
ابتسمت وقولت له: “المركب اللي كانت ماشية بالدادي والسكوت يا كريم، كانت هتغرق في أول موجة. لكن المركب اللي بتمشي بالعدل، وبأن كل واحد يعرف حقه وواجباته، ويسند التاني ويحترم كرامته، هي المركب اللي بتعيش وبتعبر أي بحر مهما كان هائج”.
سكتنا طويلاً، ونحن ننظر إلى السماء الصافية. شعرت في تلك اللحظة أن رسالتي قد اكتملت، وأن التجربة القاسية التي مررت بها لم تكن لعنة، بل كانت رحمة من الله لتعيد صياغة حياتي وحياة عائلتي بالكامل. تعلمت أن الست الطيبة الغلبانة التي تسير بجانب الحيط ليست ضعيفة، بل هي قوية بأصلها، وعندما يفيض بها الكيل وترفض الظلم، يقف الكون كله احتراماً لثورتها بالحق.
دخلنا شقتنا الدافئة، وأغلقنا الباب وراءنا، تاركين وراء ظهرنا كل ما مضى من وجع وقهر، مستشرفين مستقبلاً جديداً بنيناه بأيدينا، خطوة بخطوة، على أرض صلبة من الحب، والاحترام، والأصول التي لا تموت أبداً.
**تمت بحمد الله**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *