رد السلف والدين ج 1 حكـايات منـي الـسـيد

## الفصل الثاني: فخ “ابن الأصول”
الليل في شوارع القاهرة ملوش صاحب، وصوت الكلاكسات اللي كان برة الشقة كان عامل زي ما يكون مزيكا تصويرية لخراب بيتي. نزلت من العمارة بخطوات هادية، أهدى بكتير من البركان اللي كان شغال جوايا. في الوقت اللي مدحت كان فاكر فيه إنه كسرني وطردني، أنا كنت حاسة بنوع غريب من الخلاف الحسي.. حاسة بنسمة الهوا الساقعة بتاعة نص الليل وهي بتخبط في وشي وكأنها بتفوقني من غيبوبة عشتها سبع سنين.
فتحت عربيتي، قعدت ورا الدكسيون، وبصيت للمراية. وشي مكنش وش ست مكسورة، كان وش ست لسه قارية كتاب وعرفت نهايته قبل الباقيين. فتحت الشنطة بتاعتي، طلعت المظروف الأبيض اللي كان مطبق نصين. المظروف اللي استلمته من المعمل في المهندسين من تلات أيام.
طبعاً مدحت في اللحظة دي كان فوق في الشقة، مقضيها احتفالات مع “ست الحُسن والجمال” رشا، فاكر إنه جاب الديب من ديله، وفاكر إن بطنها المنفوخة دي هي شهادة ميلاده الجديدة كـ “راجل كامل الأوصاف”. الغبي من كتر ما عاش كدبته وصدقها، نسي أهم حقيقة طبية في حياته.. نسي إن الدكتور قالهاله زمان بالبلدي كده: “أنت الأرض عندك بور، ومفيش بذرة هتطلع منها ليوم الدين”.
أومال رشا دي حامل من مين؟
هنا بقى اللعبة.
### ملجأ العائلة.. وصدمة “الحاجة فاطمة”
سوقت العربية لحد بيت أبويا الله يرحمه في مصر الجديدة. البيت ده مفيش فيه دلوقتي غير أمي، “الحاجة فاطمة”، وأختي الصغيرة سمر. طول السنين اللي فاتت، أمي كانت دايماً تقولي: *”يا بنتي اصبري، مدحت واد أصول ومستحملك وأنتي مب تخلفيش، بكرا ربنا يرزقكم”*، كانت دايماً بتخليني أبلع الإهانة عشان خايفة عليا من لقب “مطلقة”. كنت بموت في اليوم مية مرة وأنا شايلة شيلة مش شيلتي، وبتعير بذنب أنا ماليش يد فيه، بس عشان خاطر “برستيج” سي مدحت.
وصلت البيت، فتحت بالمفتاح بتاعي ودخلت. الدنيا كانت هادية، صالة البيت القديمة بريحة البخور والمسك اللي أمي دايماً بتشغله. أول ما دخلت، لقيت أمي قاعدة على الكنبة بتقرأ في المصحف، وسمر قاعدة جنبها على الموبايل.
أمي رفعت عينيها من المصحف وبصتلي باستغراب:
— “ليلى؟ يا بنتي إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ ومدحت فين؟”
حطيت شنطتي على السفرة وقعدت على الكرسي المقابل ليها. أخدت نفس طويل وقولت بنبرة مفيهاش أي رشة عياط:
— “مدحت طردني من البيت يا أمي. وجاب مراته الجديدة، واحدة اسمها رشا، حامل في الشهر السادس، وقعدها مكاني.”
الكلمة نزلت على الصالة زي الصاعقة. أمي سابت المصحف من إيدها وإيدها بدأت تترعش، وسمر قطعت كلامها ووقفت مذهولة.
— “أنتي بتقولي إيه يا ليلى؟” أمي سألت بصوت مخضوض، “مدحت؟ مدحت اللي كان بيبوس إيدك قدامنا؟ مدحت اللي بقاله سبع سنين صابر عليكي وعلى حرمان الخلفة يتجوز عليكي ويطردك؟”
سمر اتعصبت وقربت مني:
— “يطردك إيه ويخرب بيته إيه؟ وهي لحقت تحمل وفي السادس كمان؟ يعني كان بيخونك من شهور وأنتي نايمة على ودانك؟ أنا هكلمه أهزأه وأجيب تيتة وتيتة اللي جابوه!”
مسكت إيد سمر وهديتها:
— “اقعدي يا سمر. ومحدش يكلمه. ولا نص كلمة.”
أمي بدأت تعيط وتلطم على صدرها بالراحة:
— “يا كسرة قلبي عليكي يا بنتي.. طول السنين دي بنقول راجل أصيل وشايل سرك وساكت على عيبك، يقوم لما ربنا يكرمه ويرزقه بالخلفة يرميكي الرمية دي؟ لاء.. إحنا لازم نكلم عمامك، لازم يدخلوا.. البيت ده بيتك وأنتي ليكي حق فيه.”
بصيت لأمي وابتسمت ابتسامة وجعت قلبها أكتر.
— “يا أمي، مدحت مش صابر على عيبي.. مدحت كان بيغطي على عيبه هو.”
الصالة اتملت بالسكوت تاني. أمي مسحت دموعها وبصتلي بعدم فهم:
— “يعني إيه؟”
طلعت المظروف الأبيض من الشنطة وحطيته على الترابيزة قدامهم.
— “يعني من تلات سنين، الدكتور أكد لنا إن مدحت عنده عقم كامل ونهائي بسبب تعب قديم ومهمش من أيام الجامعة. مدحت مبيخلفش.. ومستحيل يخلف. أنا اللي سكت، وأنا اللي شيلت الليلة، وأنا اللي وافقت أطلع قدامكم وقدام أهله وقدام الدنيا كلها إني ‘العاقر’ عشان أحمي رجولته اللي كان بيعيط عليها زي العيل الصغير في العربية.”
سمر فتحت المظروف بسرعة وبدأت تقرأ التقرير الطبي، وعينيها كانت بتتحرك بسرعة بين السطور. التقرير ده مكنش تقرير مدحت القديم.. التقرير ده كان بتاعي أنا!
— “يا نهار أسود..” سمر همست بصدمة، “ليلى.. التقرير ده بيقول إنك أنتي سليمة مية في المية.. وبتقولي إن مدحت مبيخلفش؟ طي.. طيب ورشا؟ رشا دي حامل من مين؟!”
— “بالظبط كده يا سمر.” قولت وأنا بسند ضهري لورا، “رشا حامل.. بس مش من مدحت. مدحت ملعوب عليه لعبة كبرياء وغباء، وهو من كتر ما نفسه يثبت للدنيا إنه راجل وبيخلف، لقط الطعم من غير ما يفكر. صدق إن المعجزة حصلت على إيد الست رشا، وجاي يذلني بيها.”
أمي كانت قاعدة مذهولة، مش قادرة تستوعب حجم الكدب والوضاعة.
— “يعني هو قاطع الخلف، وجايب واحدة حامل في بيتك ويقول ابني؟”
— “آه يا أمي. وطردني عشان يفضي لها الجو. فاكر إنه بكده كسرني وخلص من الست اللي عارفة سره وحقيقته. هو فاكر إن طردتي دي هي شهادة وفاتي.. بس ميعرفش إنها بداية نهايته.”
