رد السلف والدين ج 2 حكايات مني السيد

سمر كانت بتغلي:
— “إحنا لازم نروح له دلوقتي! لازم نوديله التقرير ده ونفضح أمه قدام العمارة كلها ونعرف البت اللي معاه إنها شايلاها من واحد تاني وهو لابس قميص مش بتاعه!”
— “لأ يا سمر.. كده هنبقى بنلعب غلط.”
وقفت ومشيت في الصالة وأنا بفكر بترتيب.
— “مدحت دلوقتي في حالة ‘إيجو’ طايرة في السماء. لو روحنا وقولنا له الكلام ده دلوقتي، هيقول علينا بنتبلى عليه وبنحقد عشان مراته حامل. هيقطع التقارير دي وهيقول دي مزورة. الغرقان في وهم رجولته مبيصحاش بكلمتين. مدحت لازم يقع.. بس يقع على جذور رقبته. لازم يشرب المقلب لحد آخره.”
— “يعني هتعملي إيه؟” أمي سألت بنبرة خوف وقلق.
— “هسيبه. هسيبه يروح يوثق الجريمة بنفسه. رشا حامل في السادس، يعني فاضل تلات شهور والطفل ده يتولد. مدحت هيجري يكتب الواد باسمه في السجل المدني، وهيصرف دم قلبه على الست وعلى الولادة، وهيذيع في كل حتة إن مدحت مرسي بقى أب.”
ابتسمت وشراري في عيني:
— “وفي اللحظة اللي يكون فيها في قمة فرحته وانتصاره، وسط أهله وأصحابه وفي السبوع.. هسحب من تحت السجادة. قضية إنكار نسب، مع تحليل DNA للمحكمة، مع إشهار بتقرير العقم بتاعه القديم اللي أنا شايلاه في حتة أمان ميعرفهاش. هخليه أضحوكة المنطقة والشركة والعيلة كلها. هخليه يدفع ثمن السبع سنين اللي دمر فيهم نفسيتي تمن غالي قوي.. تمن مش هيقدر يسدده طول عمره.”
سمر بصتلي بإعجاب ممزوج برعب:
— “أنتي قلبتي يحيى الفخراني في ‘يتربى في عزو’ كده ليه؟ بس وربنا برافو عليكي! الواد ده يستاهل الحرق.”
أمي اتنهدت وقالت:
— “يا بنتي، البيوت أسرار.. بس هو اللي فضح السر وخرب البيت. ربنا ينصرك عليه يا ليلى، بس خدي بالك.. مدحت تعبان وممكن يعمل أي حاجة لو حس إنك بتلعبي من وراه.”
— “مش هيحس بحاجة يا أمي.. لأنه فاكرني مكسورة وبموت في جلدى دلوقتي.”
متوفرة على روايات و اقتباسات
الصباح التالي.. مكالمة “الحماة” المستفزة
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت موبايلي وهو بيرن برنة مألوفة ومزعجة. “الحاجة ميرفت”.. أم مدحت.
الست دي كانت نسخة تانية من ابنها، طول السنين اللي فاتت كانت بتعاملني كأني “قطعة غيار باظت” في حياة ابنها البكري الباشمهندس. كانت في كل عيد وكل مناسبة تقولي قدام سلايفي: “العيب مش في ابننا يا ليلى، إحنا عيلتنا مبروكة وكلها عيال، شوفي أنتي بقى العطل فين وروحي لشيخ!”
رديت على الموبايل وحطيت الصوت على السبيكر عشان سمر تسمع.
— “ألو.. أهلاً يا طنط.” قولت بصوت هادي ومصطنع فيه شوية حزن.
— “أهلاً يا ليلى.” صوتها كان طالع مليان شماتة وفخر لدرجة إني شميت ريحة الغرور من سماعة التليفون. “طبعاً أنتي عارفة أنا بكلمك ليه. مدحت حكالي على كل اللي حصل امبارح.”
— “حكا لك إيه يا طنط؟”
— “حكا لي إنه حط النقط على الحروف. شوفي يا بنتي، إحنا ناس بتوع ربنا وبنعرف الأصول. ومدحت صبر عليكي سبع سنين، مخلّاش دكتور ولا مستشفى إلا ووداكي فيها، وأنتي مفيش فايدة. وطبيعي الراجل يعوز يبقى ليه حتة عيل يشيل اسمه. ربنا كرمه ورزقه باللي تصون اسمه وتجيب له الولد.. فمن غير شوشرة كدة، مدحت هيبعت لك هدومك وحاجتك، والطلاق هيوصلك لحد عندك غيابي، بس من غير قضايا ومحاكم.. عشان نخرج بالمعروف.”
سمر كانت بتجز على سنانها وعايزة تخطف الموبايل تسب لها، بس أنا شاورت لها تسكت.
— “يعني أنتي شيفاها كدة يا طنط؟ شمتانة فيا بعد كل السنين دي؟” قولت بنبرة مكسورة ومصطنعة بإتقان.
— “شماتة إيه يا حبيبتي؟ دي إرادة ربنا! ربنا قطع من عندك ووصل عند غيرك. رشا بسم الله ما شاء الله عليها، وشها منور والواد باين في بطنها زي القمر. ومدحت طاير بيها. فبقولك إيه.. خليكي عاقلة وخذي قرشين المؤخر والمستندات بتاعتك من غير شوشرة، لأن مدحت مش فاضي لك، وراه تجهيز لسبوع ابنه.”
— “تجهيز السبوع؟” قولت والابتسامة بدأت تترسم على وشي من غير ما تشوفني. “ماشي يا طنط.. مبروك لمدحت.. ومبروك ليكي الحفيد الجديد. إن شاء الله يفرحكم على الآخر.”
— “الله يبارك فيكي يا حبيبتي.. عقبال ما تلاقي لك دكتور يشوف لك حل في العطل اللي عندك ده.” قفلت السكة في وشي.
سمر قفزت من مكانها:
— “العطل اللي عندها؟! دي ولية حرباية! أنتي إزاي سكتي لها كده؟ كنتي صدميها!”
— “أصدمها ليه دلوقتي؟” قولت وأنا بقوم أعمل كوباية شاي ثانية. “الست ميرفت دي هي اللي هتعمل أكبر حفلة سبوع في تاريخ العائلة. هي اللي هتعزم الأقارب والأباعد عشان تغيظنا وتوري الناس إن ابنها ‘خلف’. خليهم يصرفوا.. وخليهم يعزموا.. وخليهم يملوا الدنيا هيصة. الفرحة لما بتبقى فوق السحاب، الوقعة منها بتبقى بكسر الرقبة الحرفي. أنا عايزاهم في قمة مجدهم.”
مقابلة المحامي.. “الأستاذ فريد”
بعد الضهر، نزلت ورحت لـ “الأستاذ فريد الشناوي”، محامي عيلتنا وصديق أبويا الله يرحمه من سنين. مكتبه في وسط البلد، مليان كتب قانون قديمة وريحة ورق أصفر. فريد راجل عجوز، عينه صقر وفات غامق ومجرب كل ألاعيب محاكم الأسرة.
قعدت قدامه وحكيت له القصة من طقطق للسلام عليكم. وريته تقرير العقم بتاع مدحت من تلات سنين، ووريتها تقرير تحاليلي أنا الجديدة اللي بتثبت إني سليمة ومبشتكيش من حاجة.
الأستاذ فريد سمعني وهو بيعدل نظارته، وبعد ما خلصت، سكت لثواني، وبعدين سقف بإيده على المكتب وضحك ضحكة مكتومة.
— “يا بنت يا ليلى.. أنتي طالعة لأبوكي الله يرحمه، دماغك دي سم!”
— “يعني القانون معايا يا أستاذ فريد؟”
— “القانون؟ القانون في صفك مية في المية. بس اللعبة هنا مش قانون بس، اللعبة هنا ‘توقيت’. جوزك مدحت ارتكب جناية غباء مع سبق الإصرار والترصد. هو دلوقتي طردك من شقة الزوجية، ودي لوحدها تديكي حق نرفع قضية تمكين من شقة الزوجية في ظرف أسبوع وناخد قرار تمكين مشترك أو منفرد لو أنتي حاضنة.. بس بما إن مفيش أولاد، فالتمكين بيبقى أصعب شوية، بس إحنا مش هنلعب على الشقة دلوقتي.”
قرب فريد من المكتب وقال بنبرة جدية:
— “لو رفعنا قضية دلوقتي وقلنا إنه مبيخلفش والبت دي حامل من غيره، مدحت هيتذعر. هيجري يعمل تحليل DNA سري للبت، ولو طلع الواد مش ابنه فعلاً (وهو أكيد مش ابنه بناءً على التقارير دي)، هيطلقها ويداري الفضيحة ويقفل الموضوع، وممكن يرجع لك يتباكى ويقولك سامحيني غلطت. وبكده مش هتاخدي حقك من الإهانة اللي عشتيها.”
— “بالظبط.. أنا مش عايزاه يداري الفضيحة. أنا عايزة الفضيحة تبقى على عينك يا تاجر.”
الأستاذ فريد ابتسم بخبث:
— “إذن.. الخطة كالآتي: إحنا مش هنعمل أي رد فعل رسمي. لو بعت إعلان طلاق غيابي، هنستلمه عادي جداً. مش هنرفع قضايا نفقة ولا مؤخر دلوقتي خالص. هنستنى لحد ما البت تولد. بمجرد ما تتولد، مدحت ملزم قانوناً يروح مكتب الصحة يبلغ عن الولادة ويكتب العيل باسمه في شهادة الميلاد. بمجرد ما يكتب اسمه في خانة الأب.. هو كده وثق الجريمة على نفسه.”
— “وبعدين؟”
— “بعدها بـ 24 ساعة، هنرفع دعوى ‘إنكار نسب’ في محكمة الأسرة. المحكمة في الحالات دي، بناءً على تقرير العقم القاطع اللي معاكي لمدحت، بتجبر الزوج والزوجة والطفل على عمل تحليل DNA في الطب الشرعي. لما النتيجة تطلع ‘الطفل لا يمت بصلة للمدعو مدحت مرسي’.. شهادة الميلاد هتتلغي، والواد هيتكتب باسم أمه أو مجهول، ومدحت هيبقى قدام المحكمة وقدام المجتمع ‘مغفل رسمي’ بالورق والقلم.”
فريد سكت شوية وكمل:
— “مش بس كده.. التقرير الطبي بتاعك وبتاعه اللي هينزل في حيتيات الحكم، هيثبت للدنيا كلها إنك كنتي سليمة طول الـ 7 سنين وهو اللي كان عنده العطل. يعني سمعتك هترجع زي الدهب، وهو هيدخل جحره ومش هيعرف يخرج منه تاني.”
شعرت براحة مبردتش قلبي من سنين.
— “شكراً يا أستاذ فريد. أنا جاهزة للمط والتطويل. السبع سنين اللي فاتوا علموني الصبر.. وتلات شهور كمان مش هيخسروا حاجة.”
المواجهة غير المتوقعة في “المول”
مر شهرين كاملين. في الشهرين دول، أنا قطعت كل وسائل الاتصال بمدحت وأهله. غيرت خط تليفوني، وركزت في شغلي في شركة الديكور اللي بشتغل فيها. بدأت أسترد صحتي ونضارة وشي اللي كانت انطفت من الهم. كل اللي كان بيشوفني كان بيقولي: “أنتي احلويتي كدة ليه يا ليلى؟”.. مكنوش يعرفوا إن الهم لما بيترمي برة القلب، الملامح بترجع تنور.
في يوم جمعة، كنت في مول كبير في التجمع الخامس بشتري حاجات للبيت مع سمر. كنا بنضحك وبنتكلم، وفجأة سمر وقفت مكانها وإيدها سقعت.
— “ليلى.. بصي هناك كده.”
بصيت في الاتجاه اللي بتشاور عليه.. ولقيت “المفاجأة”.
مدحت.. ورشا.
رشا كانت في الشهر الثامن دلوقتي، بطنها كانت كبيرة جداً ومأثرة على مشيتها. كانت لابسة فستان حمل شيك قوي، وماشية ماسكة في إيد مدحت بكل تملك. ومدحت كان شايل أكياس المحلات في إيده، ولابس قميص جديد وساعة جديدة، ووشه منور بابتسامة عريضة وهو بيضحك معاها.
كانوا داخلين محل لبس أطفال كبير من المحلات الغالية.
سمر قالت بصوت واطي:
— “تعالي نمشي من هنا مش عايزة نتحط في موقف بايخ.”
— “نمشي؟” قولتلها بثقة، “لأ طبعاً.. إحنا داخلين نفس المحل.”
— “أنتي مجنونة يا ليلى؟ هتعملي مشكلة؟”
— “مشكلة إيه؟ أنا هروح أبارك لجوزي السابق.”
دخلت المحل بخطوات واثقة، كعب جزمتي كان بيعمل صوت منتظم على الأرض. رشا كانت واقفة بتنقي “سرير بيبي” من الخشب الأبيض الغالي، ومدحت واقف وراها بيطلع المحفظة عشان يحاسب.
وقفت وراهم بالظبط وقولت بصوت واضح وناعم:
— “ما شاء الله.. ذوقكم حلو قوي في اختيار السراير.”
مدحت اتنفض ولف وشه بسرعة. أول ما شافني، ملامحه اتغيرت من الفرحة للصدمة.. وبعدين لعلامات الدفاع والهجوم. رشا لفت هي كمان، وحطت إيدها على بطنها بسرعة وكأنها خايفة إني أهجم عليها.
مدحت عدل قميصه وحاول يظهر القوة والبرود:
— “ليلى؟ أنتي إيه اللي جابك هنا؟ وبتراقبينا ولا إيه؟”
ضحكت ضحكة خفيفة:
— “أراقبكم؟ المول واسع يا مدحت، وأنا بشتري حاجات مع أختي. بالصدفة شفتكم، وقولت الأصول بتقول إني لازم أبارك.. خصوصاً إن طنط ميرفت قالت لي إنك خلاص مبقتش فاضي وبتجهز للسبوع.”
رشا بصت لمدحت بنظرة قلق، وبعدين بصت لي بكبرياء مصطنع:
— “الله يبارك فيكي يا حبيبتي. عقبالك.. لما تلاقي حد يقبل بظروفك.”
بصيت لرشا من فوق لتحت. البنت كانت باينة صغيرة، بس عينيها فيها لؤم وخوف مداري ورا البجاحة.
— “ظروفي؟ ظروفي الحمد لله بقت أحسن بكتير يا رشا.. من يوم ما خرجت من البيت ده وأنا حاسة إن روحي ردت فيا. المهم أنتي.. خدي بالك من نفسك في الشهور الأخيرة دي.. الحمل في الآخر بيبقى تقيل.. والمسؤولية بتبقى أتقل.. خصوصاً لما البيبي ينور الدنيا ويبدأ الشبه يبان.”
كلمة “الشبه يبان” نزلت على رشا زي الكهربا. لاحظت إن عينيها ريشت لثانية، وإيدها اتعصرت على قماش فستانها.
مدحت مخدش باله من حركة رشا، لأنه كان مشغول بإنه يثبت لي إنه “المنتصر”:
— “الشبه هيطلع لأبوه طبعاً يا ليلى. واد مرسي أصيل. أنا مش عايزك تشغلي بالك بينا خالص، شوفي حياتك، والورق بتاعك زمانه وصلك من المحامي. أنا كرمتك وأديتك حقوقك وزيادة عشان أنا ابن أصول.”
— “ابن أصول؟” قولت الكلمة وأنا ببص في عينيه مباشرة والابتسامة مش بتفارق وشي. “عارف يا مدحت.. السبع سنين اللي عشتهم معاك، كنت دايماً فاكراك حاجة.. وطلعت حاجة تانية خالص. بس بجد.. أنا مش زعلانة منك. أنا بشكرك من كل قلبي.”
مدحت اتلخبط من ردي:
— “بتشكريني على إيه؟”
— “بشكرك لأنك أثبت لي إن ربنا عادل قوي. وبشكرك لأنك أخدت القرار اللي أنا مكنتش قادرة أخدته بسبب طيبة قلبي. سيبك تشتري السرير.. السرير ده شكله مريح قوي.. هينفعكم في الأيام اللي جاية.. لأن النوم بعد كده هيبقى عزيز قوي يا مدحت.”
لفيت ضهري ومشيت من غير ما أسمع رده. سمر مشيت جنبي وهي بتكتم ضحكتها بالعافية.
أول ما خرجنا من المحل، بصيت ورايا من برة الإزاز الشفاف. شفت رشا وهي بتكلم مدحت بنرفزة وشكلها متوترة جداً، ومدحت بيحاول يهديها ويطبطب عليها وهو باصص في الاتجاه اللي أنا مشيت فيه، وشه مكنش فيه الارتياح اللي كان فيه من خمس دقائق.. كان فيه بذور “شك” خفيفة أنا رميتها بذكاء وسيبتها تكبر في عقله.
اللغز يبدأ في الظهور: من هو الأب الحقيقي؟
بعد المقابلة دي بأسبوع، سمر جات لي الأوضة بليل وهي ماسكة اللاب توب بتاعها. سمر خريجة هندسة حاسبات، وبتفهم في الـ OSINT والتدوير ورا الحسابات على السوشيال ميديا زي قضايا المخابرات.
— “ليلى.. تعالي شوفي أنا لقيت إيه.”
قعدت جنبها على السرير: “لقيتي إيه؟”
— “أنا قعدت أنبش ورا حسابات رشا دي على الفيسبوك والإنستجرام من يوم ما عرفت اسمها. البت دي كانت قافلة حساباتها، بس أنا قدرت أدخل وأشوف الـ Archives والبوستات القديمة والـ Friends list بتوعها قبل ما تعمل لمدحت ‘أدد’.”
سمر فتحت صورة على الشاشة.. صورة لرشا من حوالي سنة، كانت قاعدة في كافيه في المعادي، ومعاها شاب وسيم، شعره طويل شوية، ولابس لبس كاجوال. كانوا قاعدين قريبة من بعض قوي والضحكة من الودن للودن.
— “مين ده؟” سألتها.
— “ده يا ستي اسمه ‘كريم رأفت’. كريم ده كان زميل رشا في المعهد اللي كانت بتدرس فيه. ومن تدوير بسيط في الكومنتات القديمة اللي اتمسحت، كريم ورشا كانوا قصة حب عنيفة بقالها سنتين. والبوستات قطعت بينهم من حوالي سبع شهور بالظبط.. يعني قبل ما مدحت يعلن خطوبته وجوازه السريع منها بشهر واحد!”
بصيت للصورة وركزت في ملامح كريم.
— “يعني رشا كانت مع كريم ده لحد ما حبلت.. ولما عرفت إنها حامل، وكريم طبعاً شاب صايع مش بتاع جواز ومعهوش مليم، لقت قدامها ‘الصيد السهل’.. مدحت مرسي. الراجل الغني، اللي عنده شقة تمليك وعربية، واللي هيموت على حتة عيل ومستعد يصدق أي ست تقوله ‘أنت الأب’!”
سمر صقفت بإيدها:
— “عليكِ نور! رشا لقت مدحت بيدور على أي قشة تثبت رجولته، فدخلت عليه بدخلة الست الشريفة اللي هتحقق له حلمه. ومدحت من غبائه وكبريائه العمي، متكلمش ومفكرش. لبس الليلة وهو فرحان!”
— “يا نهار ألوان..” همست وأنا بضحك بذهول، “يعني مدحت مش بس مغفل.. ده مغفل دولي مع مرتبة الشرف! البت شربته الواد، وهو طردني أنا عشان يقعد ابن كريم رأفت في بيتي ويصرف عليه من شقا عمره!”
— “طب إحنا مش هنستخدم المعلومات دي؟” سمر سألت بحماس.
— “لأ.. سيبيهم. كريم ده خليه كارت إضافي للمحكمة لو عوزناه. اللعبة دلوقتي ماشية زي الساعة. رشا قربت تولد، وأنا مستنية اليوم اللي مدحت هيدخل فيه مكتب الصحة وهو شايل شهادة الميلاد الإليكترونية.”
يوم الولادة.. والهدوء الذي يسبق العاصفة
مر الشهر الثالث.. وجاء الموعد.
عرفت من واحدة صاحبتنا مشتركة بيني وبين أخت مدحت، إن رشا دخلت مستشفى استثماري كبير في مصر الجديدة عشان تولد. الولادة كانت قيصرية، والست ميرفت كانت قالبه المستشفى زغاريط، ومدحت كان بيوزع شيكولاتة مغلفة بماء الذهب على الممرضات والدكاترة.
الولد اتولد. وسموه “يوسف”.
يوسف مدحت مرسي.
في اليوم ده، أنا كنت قاعدة في بلكونة بيتنا، بشرب القهوة بتاعتي وببص للسماء. مكنتش حاسة بأي حزن.. كنت حاسة إن الستارة بتترفع عن الفصل الأخير من المسرحية.
تاني يوم الصبح، الأستاذ فريد كلمني في التليفون:
— “جاهزة يا ليلى؟”
— “جاهزة يا أستاذ فريد. مدحت سجل الولد؟”
— “سجله النهاردة الساعة عشرة الصبح في مكتب صحة النزهة. معايا صورة من الإخطار والتبليغ الإلكتروني. الواد بقى رسمياً على السيستم ‘يوسف مدحت مرسي’.”
أخذت نفس عميق وقولت:
— “توكلنا على الله يا أستاذ فريد. ارفع القضية.”
— “بكرا الصبح دعوى إنكار النسب هتتقيد في المحكمة، وإعلان القضية هيروح لمدحت على شقته.. شقتك القديمة.. في ظرف 48 ساعة.”
الإعلان يصل.. وبداية الانهيار
تخيلت المنظر..
مدحت قاعد في الصالة، شال يوسف الصغير في حضنه، ورشا قاعدة جنبه بقميص النوم الستان بتاع الوالدات، والست ميرفت بتعمل المغات في المطبخ والريحة قالبه الشقة. وفجأة.. جرس الباب يرن.
مدحت يفتح الباب، يلاقي محضر من المحكمة.
— “المهندس مدحت مرسي؟”
— “أيوا أنا.”
— “اتفضل أمضي هنا.. إعلان بدعوى إنكار نسب مرفوعة من السيدة ليلى أحمد عبد الرحمن.”
مدحت هيقرا الورقة.. وعينه هتطلع من مكانها. الكلمات هتنزل عليه زي مية نار: “تطالب المدعية بإحالة المدعى عليه والطفل يوسف لمصلحة الطب الشرعي لإجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA) لإثبات عدم نسب الطفل للمدعى عليه، بناءً على التقارير الطبية التي تفيد بعقم المدعى عليه المطلق…”
السيناريو ده مكنش مجرد تخيل.. ده اللي حصل بالحرف. لأن بعد يومين بالظبط، بالليل، لقيت تليفوني الجديد بيرن برقم مدحت القديم.
طبعاً هو جاب الرقم من أختي أو من أي حد. سيبت التليفون يرن مرة.. واتنين.. وتلاتة. م رديتش.
بعدها بعت رسالة على الواتساب.. الرسالة كانت مكتوبة بإيد تترعش، مفيهاش البرود ولا الكبرياء بتاع زمان:
“ليلى.. ردي عليا فوراً. إيه القذارة اللي أنتي رافعاها دي؟ أنتي اتجننتي؟ أنتي عايزة تفضحيني وتتبلي على ابني وعرضي عشان تنتقمي مني؟ ردي عليا وإلا هوديكي في داهية!”
شفت الرسالة.. وم رديتش برضه. عملت له “بلوك”.
اللعنة بدأت تشتغل في دماغه. هو دلوقتي مش بس خايف من الفضيحة.. هو بدأ يبص للطفل اللي في السرير.. وبدأ يبص لرشا اللي قاعدة جنبه. الشك اللي أنا زرعته فيه في المول من شهرين، مع ورقة المحكمة والتقارير الطبية القاطعة اللي عارف إنها حقيقية وميقدرش ينكرها قدام نفسه.. كل ده بدأ يعمل ثقب أسود في عقله.
في روقان المحكمة.. الجلسة الأولى
جاء موعد الجلسة الأولى في محكمة أسرة مصر الجديدة.
رحت وأنا لابسة بدلة رسمية سودا، شيك جداً، وحاطة نظارة شمسية. معايا الأستاذ فريد الشناوي اللي كان شايل ملف المحاضر والمستندات وكأنه شايل قنبلة موقوتة.
دخلنا قاعة المحكمة. القاعة كانت زحمة، ناس وقضايا ومحامين. قعدت في الصفوف الخلفية ومستنية.
بعد شوية، الباب اتفتح ودخل مدحت.
ملامحه كانت صدمة بالنسبة لي. في ظرف أسبوعين بس، الراجل خس النص. وشه كان أصفر، وعينيه كان تحتيها هالات سودا كأنه منامش من أيام. مكنش معاه رشا.. ومكنتش معاه أمه. كان معاه محامي باين عليه التوتر.
مدحت قعد يلف بعينيه في القاعة لحد ما عينه جت في عيني.
بصلي بنظرة مليانة غل، وعتاب، وخوف.. نظرة بني آدم بيغرق وبيشوف الشخص اللي بيغرق بسببه. أنا من ورا النظارة الشمسية، ملمحتش في وشي أي تعبير. برود تام.
حاجب المحكمة نادى:
— “القضية رقم 452 لسنة 2026.. ليلى أحمد ضد مدحت مرسي.. إنكار نسب!”
وقفنا إحنا الاتنين وقدام القاضي. القاضي كان راجل وقور، بص في الأوراق وبعدين بص لمدحت:
— “المدعية بتقدم تقارير طبية تفيد بإنك عندك عقم دائم وملوش علاج من تلات سنين، وبتطالب بإنكار نسب الطفل يوسف اللي سجلته باسمك من أسبوعين. محامي المدعى عليه.. إيه ردك؟”
محامي مدحت وقف وقال بصوت مهزوز:
— “يا سيادة القاضي، المدعية بتتبلى على موكلي بدافع الانتقام لأنه اتجوز عليها وطردها. والتقارير دي قديمة، وممك يكون حصل طفرة طبية أو علاج موكلي أخدة ومقاش عنه..”
الأستاذ فريد قاطعه بكل هدوء وقوة قانونية:
— “يا سيادة القاضي.. العلم مفيش فيه طفرات كدابة. التقرير الصادر من أكبر مستشفى عسكري ومعتمد من وزارة الصحة بيقول ‘ضمور كامل وغير قابل للشفاء’. وإحنا بنطالب بأقصر طريق للحق.. إحالة الأطراف كلها للطب الشرعي لعمل تحليل DNA. لو الواد ابنه.. إحنا مستعدين نتحمل كافة التعويضات القضائية والجنائية بتهمة البلاغ الكاذب والتشهير. ولو مش ابنه.. يبقى الحق ظهر.”
القاضي بص لمدحت اللي كان واقف عرقان وجسمه بيترعش. القاضي سأله مباشرة:
— “أنت معترض على عمل تحليل الـ DNA يا باشمهندس؟”
مدحت بلع ريقه بصعوبة. لو قال معترض.. المحكمة هتعبر الاعتراض ده قرينة إدانة وتثبت إنكار النسب تلقائياً. ولو قال موافق.. هيروح برجله للمقصلة اللي رشا نصبتها له وهو مش داري.
المحامي بتاعه همس له في ودنه بسرعة، فمدحت بص للقاضي وقال بصوت متحشرج:
— “مش معترض يا فندم.. بس أنا متأكد إن ابني.”
القاضي هز رأسه وكتب في المحضر:
“قررت المحكمة إحالة المدعى عليه مدحت مرسي، والمدعوة رشا عبد الحميد، والطفل يوسف، إلى مصلحة الطب الشرعي بمصلحة السيدة زينب، لإجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA)، وتحديد جلسة بعد شهر من الآن لورود التقرير.”
العاصفة تبدأ في شقة مدحت
خرجنا من القاعة. مدحت مشي ورايا بسرعة في الطرقة وبدأ ينادي عليا بصوت عالي:
— “ليلى! ليلى اقفي هنا كلميني!”
الأستاذ فريد وقف قدامه: “لو سمحت يا باشمهندس، مفيش كلام بينك وبين موكلتي. الكلام في المحكمة وبس.”
مدحت زق إيد فريد بالراحة وبصلي وعينيه مدمعة من الغيظ:
— “أنتي بتعملي فيا كده ليه؟ أنا أذيتك في إيه؟ عشان اتجوزت وعيشت حياتي؟ عشان ربنا كرمني بالخلفة اللي حرمتيني منها؟ أنتي عايزة تفضحي عيل ملوش ذنب قدام الناس وتخليه ابن زنا بالكدب؟”
رفعت النظارة الشمسية وبصيت له في وشه من مسافة قريبة جداً.
— “أنا متبلتش عليك يا مدحت. التقارير اللي في المحكمة دي حقيقية وأنت عارف كويس إنها حقيقية. أنت اللي كنت بتعيط تحت رجلي في العربية عشان مخليش شكلك وحش قدام أهلك وأصحابك. أنا حميتك سبع سنين، شيلت فيها الطين والإهانات وسمعت طوب الأرض بيعيرني بالعقم وأنا ساكتة عشان خاطرك. وأنت أول ما لقت فرصة، رميتني زي الكلبة برة بيتي وجايب لي واحدة تذلني بيها.”
قربت من ودنه وهمست:
— “روح اعمل التحليل يا مدحت. روح وشوف الست الشريفة العفيفة اللي أنت جايبها تقعد مكاني.. شوف الواد ده ابن مين. الشك هيموتك قبل ما نتيجة الطب الشرعي تطلع اصلاً. أنت من النهاردة مش هتذوق النوم.”
سبته واقف في الطرقة زي الصنم ومشيت.
مدحت رجع بيته.. بس الشقة مكنتش هي الشقة اللي سابها الصبح. بمجرد ما دخل، الشك كان خلاص عشش في دماغه وبقى زي الدود اللي بياكل في عقله.
بص لرشا وهي قاعدة بترضع الواد. بص لملامح الواد الصغير.. وبدأ يفتكر شكل “كريم رأفت” أو شكل أي حد ثاني. بدأ يفتكر كلامي في المول.. وكلامي في المحكمة.
— “مدحت؟” رشا سألته بخوف وهي شايفاه واقف بيبص لها بنظرات غريبة. “عملتوا إيه في المحكمة؟ المحامي قال إيه؟”
مدحت قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وقال بصوت طالع من قاع جحيم:
— “المحكمة حكمت بتحويلنا كلنا للطب الشرعي.. هنعمل تحليل DNA يا رشا.” متوفرة على روايات و اقتباسات
رشا أول ما سمعت الكلمة دي.. وشها اتقلب مية لون. الرضعة وقفت في إيدها، وعينيها بدأت تروح وتيجي في الأوضة وكأنها بتدور على مخرج طوارئ.
— “تحليل إيه؟” قالت بصوت شاحب ورعشة واضحة، “أنت هتسمع كلام الست دي؟ أنت هتشك فيا وفي شرفي يا مدحت؟ أنا مش هروح محاكم ومش هعمل تحاليل! دي إهانة ليا ولابني!”
مدحت رفع راسه، ولأول مرة يشوف الخوف الحقيقي في عينيها. الخوف اللي أكد له إن ليلى مكنتش بتتبلى عليه.. الخوف اللي عرفه إنه لبس أكبر مقلب في حياته.
وقف وقرب منها وعينيه بقت حمرا زي الدم:
— “مش هتروحي ليه يا رشا؟ لو الواد ابني خايفة من إيه؟ ها؟ خايفة من إيه؟!”
الخناقة بدأت.. والصوت بدأ يعلى.. والبيت اللي اتبنى على الكدب والظلم بدأ يتهد فوق دماغهم حتة حتة.
لكن دي مكنتش النهاية.. دي كانت مجرد شرارة البداية في حريقة كبيرة هتاكل الأخضر واليابس، ومفاجآت تانية خالص لسه مظهرتش في التحاليل!
حكايات مني السيد
