الممرضة رجعت من شيفت 12 ساعة ج 3 حكايات مني السيد

**الفصل الخامس (قبل الأخير)**
المطار كان زحمة كالعادة، أصوات الشنط وهي بتتجر على الأرض، نداءات الرحلات، ووشوش الناس اللي مابين مودّع ومستقبل. مروة كانت واقفة قدام شاشة الرحلات، عينيها على رحلة الرياض. لأول مرة في حياتها، الرحلة مش هروب من واقع مر، الرحلة كانت تذكرة دخول لمستقبل هي اللي رسمت ملامحه بإيديها.
قبل ما تعدي بوابة الخروج، تليفونها رن. كانت هبة.
— مروة.. قوليلي إنك لسه في المطار ومغيرتيش رأيك؟
مروة ضحكت، ضحكة رنانة هزت رصانة المكان:
— يا بنتي ده أنا خلصت كل الإجراءات. إنتي لسه خايفة عليّ؟
هبة اتنهدت براحة:
— مش خوف، ده فخر. أنا مش مصدقة إن البنت اللي كانت بتبكي عشان طبق شوربة بقى اسمها دلوقتي “مديرة مشاريع التمريض التخصصي” في واحدة من أكبر شركات الصحة في الخليج.
مروة بصت للوحة الإعلانات في المطار، لمحت صورة دعائية لشركة صحية، وبصت لنفسها في انعكاس القزاز. بقت واحدة تانية فعلاً؛ لبسها أنيق وعملي، ملامحها مريحة بس فيها “هيبة” اللي عارفة هي رايحة فين، والأهم، إن نظرة عينيها مابقاش فيها “انكسار”.
— هبة.. أنا مش بس طالعة أشتغل، أنا طالعة أثبت لنفسي إن مروة اللي اتكسرت زمان، هي هي مروة اللي بتبني دلوقتي. ادعيلي.
قفلت مروة التليفون، وخدت نفس عميق. دخلت الطيارة، قعدت في مكانها، وبصت من الشباك. القاهرة بدأت تصغر، الأنوار بدأت تبقى نقط صغيرة. افتكرت “أحمد” و”أمينة”. في اللحظة دي، حست بسلام غريب؛ مفيش حقد، مفيش غضب، مفيش حتى عتاب. هما كانوا “درس”، والدرس اتفهم واتحفظ.
وصلت الرياض، كانت البداية حماسية ومخيفة في نفس الوقت. مجتمع جديد، ثقافة مختلفة، ونظام عمل صارم. في أول اجتماع ليها مع مجلس إدارة الشركة، كانت مروة هي الست الوحيدة، ووسط مجموعة من كبار الاستشاريين والأطباء.
المدير التنفيذي للشركة، راجل حازم، بص لها وقال:
— مروة، إنتي جيتي هنا بناءً على تقارير ممتازة عن شغلك في مصر. التحدي هنا مش مجرد تمريض، إحنا محتاجين “ثورة” في طريقة تقديم الخدمة للمرضى في بيوتهم. إنتي مستعدة؟
مروة وقفت، وبكل ثقة، بدأت تشرح رؤيتها. مابقاش عندها تلعثم، مابقاش عندها تردد. هي عارفة “المنظومة” من تحت لفوق، عارفة وجع المريض، وعارفة تطلعات الأهل. لما خلصت، كان الصمت سيد الموقف، وبعدين بدأ التصفيق.
الشهور الأولى كانت كفاح. مروة كانت بتشتغل 14 ساعة في اليوم. بتضع خطط، بتدرب فرق، بتواجه مشاكل لوجستية. بس كانت “مبسوطة”. ولأول مرة، كانت بتشعر إنها “بني آدمة” ليها قيمة، قيمتها نابعة من عقلها ومن تعبها، مش من “جواز” أو “خدمة” حد.
في يوم، وهي راجعة من موقع مشروع في مستشفى كبرى، التليفون رن برقم دولي. كان رقم من مصر. قلبه دق.. كان أخوها من المنصورة.
— مروة؟ إلحقي.. ماما..
مروة جمدت في مكانها:
— مالها يا محمد؟ اتكلم!
— ماما تعبت تاني، والمستشفى في المنصورة بتقول إن الحالة محتاجة جراح قلب متخصص، والعملية مكلفة جداً ومحتاجة سفر للقاهرة..
مروة ما فكرتش.
— محمد، اسمعني كويس. انقلوا ماما فوراً لأكبر مستشفى في القاهرة، وأنا هتولى كل حاجة. الفلوس هتكون في حساب المستشفى قبل ما توصلوا.
قفلت مروة، وبدأت تتحرك كأنها في طوارئ. هي دلوقتي عندها القدرة، عندها “المركز”، وعندها “الفلوس”. اتصلت بكل معارفها في الأوساط الطبية في مصر، حجزت لأمها جناح خاص، واتفقت مع أحسن جراح قلب في البلد.
في اللحظة دي، مروة أدركت “قوتها”. هي ما بقتش “الضحية” اللي بتشحت العطف، هي بقت “السند”.
بعد أسبوع، مروة نزلت القاهرة “زيارة طارئة”. دخلت المستشفى، شافت أمها. الحاجة حكيمة كانت تعبانة، بس لما شافت مروة، ابتسمت بضعف:
— يا بنتي.. كان لازم تيجي؟ إنتي وراكي شغل ومسؤوليات..
مروة باست إيد أمها:
— يا أمي، إنتي أغلى من كل الشغل اللي في الدنيا. أنا تعبت واشتغلت عشان اللحظة دي، عشان أقدر أكون جنبك لما تحتاجي لي.
خرجت مروة من الأوضة، وقابلت الجراح. كان راجل كبير ومحترم.
— يا دكتورة مروة، الحالة صعبة، بس إحنا هنعمل كل اللي نقدر عليه.
مروة بصت له بثقة:
— أنا واثقة فيكم، ومستعدة لأي تكاليف.
وهي خارجة من المستشفى، لقت حد واقف بعيد، في طرقة المستشفى الضلمة. كان “أحمد”.
كان شكله أسوأ من المرة اللي فاتت. دقن مبهدلة، هدوم قديمة، وعينين غايرة من الجوع والذل.
وقف لما شافها.
مروة وقفت. مكانتش خايفة.
أحمد قرب بخطوات تقيلة، صوته كان مكسور:
— مروة.. سمعت إن أمك تعبانة.. وجيت أطمن.
مروة بصت له بنظرة “تعجب”.
— تطمن؟ إنت لا سألت عني، ولا سألت عن أمي اللي كانت بتعتبرك ابنها. إنت جاي ليه يا أحمد؟
— أنا.. أنا ماليش حد يا مروة. الدنيا قفلت في وشي، وماما.. أمي ماتت من شهر، ومحدش سأل عنها غيرك.
مروة حست بوجع، وجع مش عليه، وجع على “الزمن”.
— أنا سامحت أمك قبل ما تموت، وسامحتك على كل اللي عملته. بس يا أحمد، طريقنا اتقطع من زمان. أنا بقيت في مكان، وإنت بقيت في مكان تاني خالص.
— طب ساعديني.. شغليني معاكي.. أنا مستعد أعمل أي حاجة.
مروة بصت له بنظرة شفقة حقيقية:
— الشغل مش عيب، بس الشغل محتاج “إرادة”. إنت لحد دلوقتي بتدور على حد يشيلك، مش بتدور على طريق تبني بيه نفسك. روح دور على شغل حقيقي، ابدأ من أي حاجة، زي ما أنا بدأت. أنا مش هقدر أساعدك أكتر من إني أقولك: “فوق”.
سابت مروة أحمد واقف في الطرقة، ومشت. مابصتش وراه. المرة دي كانت متأكدة إن دي آخر مرة هيشوفوا فيها بعض. أحمد كان مجرد صفحة مطوية في كتاب حياتها، صفحة مليانة أخطاء، بس في الآخر، هي مجرد صفحة.
رجعت مروة للرياض، وكملت حياتها. كانت لسه بتسمع أخبار عن أحمد، إنه اشتغل عامل في مطعم، وإنه بدأ “يعتمد على نفسه” ببطء شديد. مروة ما كانتش بتفرح، بس كانت بتحس إنها “نجحت” في إنها تقفل الدائرة.
في ليلة من ليالي الرياض الساحرة، وهي قاعدة في شقتها، بتكتب في مذكراتها، جات لها رسالة من المدير التنفيذي:
“مروة، إحنا محتاجينك تمثلي الشركة في مؤتمر دولي في جنيف. ده تتويج لكل مجهودك السنة دي”.
مروة بصت لليل الرياض، افتكرت المطبخ اللي كانت بتتنظف فيه، افتكرت الشوربة اللي اترمت، وافتكرت صوت أمينة وهي بتقول لها “انتي مجرد خدامة”.
ابتسمت مروة، وبدأت تكتب في مذكراتها الجملة الأخيرة في الفصل ده:
“مش مهم إنت بدأت فين، المهم إنت وصلت لفين، والأهم، إنت بقيت مين وأنت في الطريق”.
مروة، البنت اللي كان حلمها في يوم من الأيام إنها تنام 8 ساعات متواصلين، دلوقتي بتحلم بتغيير الرعاية الصحية في الشرق الأوسط كله.
فاضل خطوة واحدة.. خطوة أخيرة.. عشان تقفل الكتاب ده للأبد.
يتبع في الفصل الأخير…
**الفصل الأخير**
جنيف في شهر أكتوبر ليها سحر تاني، الهوا بارد بس منعش، وشوارعها نضيفة لدرجة إنك تحس إنك بتمشي في لوحة مرسومة. مروة كانت ماشية في ساحة “الكومون” (Quai du Mont-Blanc)، بتراقب البحيرة وهي بتعكس أضواء المدينة. كان باقيلها ساعات بس على ميعاد افتتاح المؤتمر الطبي الدولي، اللحظة اللي هتتكلم فيها قدام أكبر خبراء الرعاية الصحية في العالم عن “نموذج الرعاية التخصصية”.
في الفندق، قدام المراية، مروة لبست بدلة رسمية بسيطة بس أنيقة، لمّت شعرها لورا، وحطت ميك أب خفيف يداري إرهاق السفر، بس ميعرفش يداري لمعة عينيها. بصت لنفسها، ولأول مرة، ما شفتش مروة “الممرضة المجهدة” ولا مروة “الزوجة المقهورة”. شافت “مروة”، الإنسانة اللي خاضت المعارك كلها وخرجت منها بكرامتها.
افتكرت كل كلمة اتقالت لها: “إنتي ولا حاجة”، “مكانك المطبخ”، “مش هتعرفي تعيشي لوحدك”. كل كلمة كانت مسمار في نعش قديم، وكل فعل ظالم كان شرارة ولعت فيها نار الطموح.
في قاعة المؤتمر، مروة وقفت على المسرح. الأنوار كانت مسلطة عليها، والجمهور أكتر من ألف متخصص من كل الجنسيات. بدأت كلامها، مش بالمعادلات الطبية، ولا بالإحصائيات الجامدة، بدأت بحكاية.
— “كنت ممرضة، برجع بيتي بعد 12 ساعة شغل، وألاقي اللي بيستناني مش كلمة حلوة، ولا وجبة دافية، كنت بلاقي إهانة لكرامتي، وتكسير لبيتي، ومحاولة لمسحي كإنسانة. الحكاية دي مش حكايتي أنا وبس، دي حكاية آلاف الستات اللي بيشوفوا إن التضحية هي طريقهم الوحيد للحب.”
صوتها كان واثق، مفيش فيه ارتعاش، مفيش فيه ندم.
— “لما قررت أخرج من بيتي، مكنتش بهرب من أحمد، كنت بهرب من ‘الاستعباد’. مكنتش بتمرد على الجواز، كنت بتمرد على ‘الظلم’. والنهارده، أنا هنا مش بس عشان أقدم نموذج رعاية، أنا هنا عشان أقول لكل ممرضة، ولكل ست، ولكل إنسان بيتحارب في كرامته: إنت قيمتك في نفسك، مش في اللي الناس عايزاه منك.”
لما خلصت، التصفيق قعد دقايق طويلة. مروة نزلت من المسرح وهي حاسة إن فيه حمل جبال اتشال من على كتافها. دي كانت اللحظة اللي “مروة القديمة” ماتت فيها رسميًا، و”مروة الجديدة” بقت حقيقة.
بعد المؤتمر، مروة قررت تاخد إجازة. مش رجوع لمصر فوراً، بس رحلة “تصالح” مع النفس. سافرت قرية صغيرة في جبال الألب، مكان هادي مفيش فيه غير صوت التلج وهو بيقع ورنة أجراس الأبقار. قعدت هناك أسبوع كامل، بتكتب الفصل الأخير من كتاب مذكراتها اللي بدأته في شقتها الصغيرة في مدينة نصر.
كتبت: “مش كل النهايات بتبدأ بـ ‘وعاشوا في تبات ونبات’. الحقيقة إن النهايات بتبدأ لما تقرر إنك ‘تستحق’ أكتر. أنا ما انتقمتش من أحمد، ولا من أمينة، لأني اكتشفت إن أكبر انتقام من اللي ظلمك، إنك تعيش ناجح، ومبسوط، وحر. الانتقام بياخد من طاقتك، بس النجاح بيدي طاقة لغيرك.”
في اليوم الأخير في سويسرا، وصلتها رسالة على الإيميل. كانت من المستشفى في القاهرة، بتبلغها إن “الحاجة حكيمة”، أمها، بقت كويسة تماماً، وإنها طلبت تكلمها فيديو.
فتحت مروة الفيديو، وشافت وش أمها اللي مليان رضا.
— يا بنتي، رفعتي راسي، وكل الناس هنا بيحكوا عن ‘مروة بنت حكيمة’ اللي شرفت مصر في العالم كله.
مروة دمعت، بس كانت دموع سعادة.
— يا أمي، أنا لولا دعواتك وصبرك ما كنتش وصلت. أنا جاية مصر قريب، ومعايا مفاجأة.
المفاجأة ما كانتش هدية، كانت “مؤسسة حكيمة لرعاية التمريض”. مروة قررت تفتح مؤسسة خيرية في مصر، بتدعم الممرضات، وبتوفر منح تعليمية، وكمان بتوفر قانونيين ودعم نفسي لأي واحدة بتمر بظروف قاسية زي اللي مرت بها. مروة حولت “وجعها” لـ “جسور” لغيرها.
بعد كام يوم، مروة رجعت القاهرة. مش نفس مروة اللي سابتها وهي بتجر شنطتها في الفجر. رجعت وهي عارفة إن البيت اللي سابته، مابقاش سجن، وبقت هي سجانة نفسها في ذكريات الظلم.
وهي ماشية في مطار القاهرة، لفت نظرها راجل قاعد بيبص للرايح والجاي. كان “أحمد”. شكله كان أحسن بكتير من قبل كدة، لابس طقم شغل نظيف، واقف بيبيع قهوة في كشك صغير جوه المطار.
شافها، مروة بصت له، وهو بص لها. مفيش مشاعر، مفيش كلام. بس في عينيه كان فيه “احترام” للمسافة اللي بينهم. مروة كملت مشيها، وأحمد كمل شغله. مفيش أي حاجة تانية تتقال.
في بيت أمها في المنصورة، مروة كانت قاعدة في البلكونة اللي بتطل على الغيطان. الجو هادي، ريحة الأرض والزرع كانت بتغسل روحها. هبة، زميلتها وصديقة كفاحها، كانت قاعدة جنبها.
— ها يا ست الدكتورة، خلصتي الكتاب؟
مروة قفلت الدفتر بابتسامة:
— خلصته يا هبة. الحكاية كانت طويلة، بس كانت تستاهل كل دقيقة تعب.
— وناوية على إيه دلوقتي؟
مروة بصت للسما:
— ناوية أعيش. مش كدكتورة، ولا كممرضة، ولا كواحدة مطلقة، ولا كبنت حكيمة. ناوية أعيش “أنا”.
مروة قامت، غسلت كوباية الشاي، رتبت مكانها، وقامت تفتح باب بيتها لأمها اللي نادت عليها. الحياة ما وقفتش عند اللي حصل، الحياة كملت، ومروة كانت هي اللي ماسكة دفة السفينة.
في قلب مروة، كان فيه مكان صغير جداً للمواقف القديمة، مكان مش عشان تعيش فيه، مكان عشان “تتعلم” منه. عرفت إن الدنيا مدرسة، والدرس الصعب هو اللي بيطلع منك إنسان حقيقي.
مروة اتجوزت بعدها بسنين، راجل محترم، دكتور زميل، كان بيقدر قيمتها، بيشوف فيها “الست القوية” قبل ما يشوف فيها “المرآة”. بس الأهم، إنها اتجوزت “نفسها” الأول.
يوم فرحها، لبست فستان بسيط، كانت جميلة بجمال الروح اللي كافحت. وهي ماشية في القاعة، افتكرت الممرضة اللي كانت بترجع من الشيفت 12 ساعة، مبهدلة وتعبانة. ابتسمت لها في خيالها وقالت لها: “اطمني.. كل حاجة بقت تمام”.
وهنا، مروة قفلت كتاب حياتها “القديم”، وفتحت كتاب جديد، لسه صفحاته بيضا، بتستنى تتكتب بأحلى الحكايات، حكايات مش بس عن القهر والظلم، حكايات عن الإرادة، عن الحب، وعن إن مهما كان الليل طويل، الشمس أكيد طالعة، وأكيد هتشرق على وشوشنا اللي استحملت كتير.
مروة.. ممرضة في الذاكرة، وبطلة في الحقيقة، وقصة هتفضل حية في كل بيت مصري، بيقول لأي ست: “إنتي تقدري.. ابدأي، والحلم بيبدأ بخطوة”.
**النهاية.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *