هـي الجبنـة راحـت فيـن؟ حكـايات منـي الـسـيد ج 2

سكت أحمد لثواني، كأن جبل اأتهد فوق راسه. بص للموبايل اللي في إيده وال شاشة لسه منورة على آخر كادر في الفيديو؛ كادر أمه وهي بتقفل السوستة بتاعت الشنطة الكحلي بابتسامة نصر خفيفة. بلع ريقه بصعوبة، وحس إن ريقه ناشف زي الحطب، والصالة اللي كانت من شوية بتغلي بزعيقه وعصبيته، بقت فجأة باردة وهادية هدوء القبور.
آية فضلت واقفة مكانها، متهزتش خطوة واحدة لورا. عيونها المحاسبية كانت حادة، وباصة له بنظرة خالية من أي شماتة، بس مليانة حسم وقوة. ربعت إيدها وفضلت مستنية الرد.
أحمد اأتنهد تنهيدة طويلة حرقت صدره، وسند كوعه على ركبته وحط راسه بين إيديه وهو بيفرك جبهته:
— قولي يا آية… إيه هما الحلّين؟ أنا طوعك، ومبقاش ليا عين أتكلم ولا أدافع.
آية أخدت نفس عميق، وقعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطت رجل على رجل وقالت بنبرة هادية بس مسموعة ومفيهاش تراجع:
— الحل الأول يا أحمد، والمفروض ده الطبيعي اللي يتعمل، إننا هناخد المفتاح اللي معاها ده فوراً. والنهاردة بالليل تنزل معايا لبيتها، وتفتح الفيديو ده قدامها وقدام إخواتك كلهم؛ حسن وحسين. وتقولهم إن مامتكم الست الحاجة البركة بتدخل بيتي في غيابي تسرق شقايا وشقاك، وتعرفهم إن الفلوس اللي بتطير والتلاجة اللي بتفضى مكنتش وهم في دماغ مراتي المحاسبة اللي طلعتوها مجنونة. وساعتها، هحسب بالورقة والقلم كل مليم وكل قالب جبن وكل كيس لحمة مفرومة اختفى من البيت ده على مدار الشهرين اللي فاتوا، وإخواتك يدفعوا تمنه بالنص، لأن الأكل ده أكيد ميرفت مأكلتهوش لوحدها، دي كانت بتعمر بيه بيوتهم هما كمان على قفانا!
أحمد رفع راسه ووشه كان أصفر زي الليمونة، وعينه مليانة رجاء وكسرة:
— لأ يا آية.. وحياة غلاوتك عندي بلاش فضايح قدام إخواتي! حسن وحسين لو عرفوا حاجة زي دي، الست هتقع من نظرهم، وهيبقوا يعايروها، وتصغر في عيون زوجاتهم وبناتهم. دي مهما كانت أمي يا آية، وأنا بر برضه، مش هقدر أفضحها الفضيحة دي، أموت فيها والله! طيب… وإيه هو الحل التاني؟
آية ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها مرار:
— كنت عارفة إنك هتقول كده، وكنت عارفة إن قلبك الطيب مش هيهون عليه، مع إنها مفرقتش معاها كرامتي ولا بيتي ولا ميزانيتي وهي بتسحب من وراك. الحل التاني يا ابن الحلال، والشرط ده ملوش فصال؛ المفتاح اللي معاها يتأخد منها النهاردة بحجة صايعة وذكية من عندك من غير ما تحس إننا كاشفينها. وتاني حاجة، الزيارات اللي عمال على بطال دي تنتهي تماماً؛ طنط ميرفت متدخلش الشقة دي إلا وأنا وأنت موجودين وبإذن مسبق، زيها زي أي ضيف غريب. وتالت حاجة بقا، وده الأهم… الفلوس اللي كنت بتديها لها من ورايا من المرتب، هتقطعها من أول الشهر الجديد!
أحمد اتخض ووقف على حيله:
— أقطع المعونة عنها يا آية؟ دي أمي! وأنا لسه قايلك إن معاشها يدوب.
آية وقفت هي كمان وقربت منه وعينها في عينه:
— يدوب؟ معاشها يدوب وهي بتاخد منك جزء من المرتب، وبتاخد من التلاجة خزين يقضي عيلة؟ أحمد، افتح مخك معايا وبلاش السذاجة دي! أمك مش محتاجة، أمك بتعمل كده هواية، أو يمكن عشان توفر لإخواتك التانيين اللي قاعدين مأنتخين ومبيساعدوهاش بمليم. الفلوس دي هتقطعها، لأننا أولى بكل قرش عشان العربية وعشان بيتنا اللي بيستنزف. ولو مش عاجبك الحل التاني… يبقا نرجع للحل الأول والفيديو ينزل على جروب العيلة على الواتساب، والكل يتفرج على الست البركة!
أحمد حس بسكاكين بتقطع في كرامته ورجولته. مكنش قدامه أي مفر. مراته معاها الدليل القاطع، وهو بنفسه اتعصب عليها وظلمها وشتم أهاليتها بالباطل الصبح. طأطأ راسه وقال بصوت واطي:
— حاضر يا آية… اللي أنتِ عايزاه هيكون. المفتاح هيتأخد منها النهاردة، ومصروفها هيتقطع، وزياراتها مش هتحصل إلا في وجودنا. بس ارجوشي، امسحي الفيديو ده من على موبايلك، عشان خاطري أنا، بلاش أموت بالكسرة دي كل ما أشوفه.
آية لفت وشها ورايحة ناحية المطبخ:
— الفيديو مش هيتمسح يا أحمد. الفيديو ده الضمان بتاعي عشان لو في يوم من الأيام حنيت، أو أخت من إخواتك لوت بوزها وقالت إن آية مابتودش حماتها ومنعاها من البيت. الفيديو ده هيفضل معايا حماية لنفسي. ودلوقتي، ادخل غير هدومك عشان تنزل تجيب المفتاح بالذوق، واللحمة المفرومة اللي أمك خدتها، انزل هات بدالها كيلو من الجزار عشان أعمل العشا، لأن مفيش في التلاجة غير نص لمونة وبرطمان صلصة دبلان!
بعد العشا، كان الجو في الشقة تقيل وخانق. أحمد كان قاعد زي التلميذ المذنب، نزل جاب اللحمة ورجع، ومفتحش بقه بنص كلمة. وآية كانت بتتحرك في البيت بمنتهى الهدوء والراحة، لأول مرة من شهرين تحس إن الشك اللي كان بياكل في عقلها اأختفى، وإنها طلعت صح ومبتخرفش.
الساعة جت تسعة بالليل. أحمد لبس عبايته وقال لآية بنبرة مطفية:
— أنا نازل لعمارة أمي.. هجيب المفتاح وأطلع.
آية بصت له بطرف عينها:
— هتقولها إيه عشان تاخده من غير شوشرة؟
أحمد اأتنهد:
— هقولها إن الكالون تقيل والباب بيعلق، وعايز أغير الكالون باللي فيه، وهاخد المفتاح منها عشان أعمل عليه نسخة جديدة، ولما أغيره هبقى أنسى أديها المفتاح الجديد، وهي مع الوقت هتفهم إن الزيارات اأتقطعت.
آية هزت راسها برضا:
— تمام، روح ومتتأخرش.
نزل أحمد السلم ورجليه تقيلة كأنه رايح للمشنقة. دخل عمارة أمه اللي في الشارع اللي وراهم علطول، وطلع الدور التاني. خبط على الباب، وفتحت له أمه، الست ميرفت، وهي لابسة عبايتها البيتوتية الواسعة، وبوشها البشوش الغلبان اللي دايماً بيمثل التعب:
— أهلاً يا أحمد يا بني، خطوة عزيزة! يدوب لسه مخلصة صلاة العشا وكنت بدعيلك أنت ومراتك ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة ويهدي سركم.
أحمد حس بوشه بيولع نار لما سمع كلمة “بدعيلك”. دخل الصالة وقعد على الكنبة، وعينه جت بالصدفة على المطبخ بتاع أمه المفتوح. لقى على الرخامة زجاجة زيت الذرة بتاعته، وجنبها كيس اللحمة المفرومة محطوط في طبق عشان يفك! الدم غلى في عروقه، بس كتم الصدمة جواه وبص لأمه وقال:
— طنط… قصدي يا أمي، كنت عايز منك نسخة المفتاح بتاعت شقتنا. الباب بدأ يعلق والكالون بيخون، وقولت آخده أغير القلب بتاعه بالمرة وأعمل حساب الطوارئ.
الست ميرفت عيونها زاغت لثواني، وحطت إيدها على صدرها:
— المفتاح يا بني؟ اه.. اه طبعاً خدوه. بس هو بيعلق من إيه؟ ده أنا لسه كنت عندكم الظهر بسقي الزرع وبأكل تيمو وكان زي الفل وبيلف معايا حلاوة!
أحمد ضغط على سنانه عشان ميتكلمش ويطلع عن شعوره:
— معلش يا أمي، آية وهي بتفتح العصر الكالون علق معاها وجارتنا مروة ساعدتها، فخايف يتقطم جوه ونحتاس. هاتي المفتاح بس ومتقلقيش.
قامت الست ميرفت ودخلت الأوضة جوه، وغابت حبة حلوين، كأنها كانت بتفكر في حجج. بس في الآخر طلعت وبإيدها المفتاح، حطته في إيد أحمد وقالت بدلع أمهات:
— اتفضل يا حبيبي. بس بقولك إيه يا أحمد… أخوك حسين كان لسه عندي، وبيقول إن حاله واقف في الشغل الشهر ده، ومصاريف المدارس والدروس بتاعت العيال قاصفة ضهره. وأنا يا حبة عيني معاشي يدوب بيكفي دوا الضغط والسكر ومصاريف البيت. مفيش في إيدك قرشين زيادة من المرتب تدهوملي أديهم لأخوك يفك زنقته؟ ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا بني، أنت دايماً البار بينا واليد الشغالة.
أحمد بص للمفتاح اللي في إيده، وبص لأمه اللي واقفة تطلب فلوس عشان تديها لأخوه العاطل اللي مقضيها قعاد على القهوة، واأفتكر كلام آية “دي بتسرقنا تلات مرات”. حس بقهر ورغبة في العياط. وقف وظبط عبايته وقال بجفاء ومشاعر ميتة:
— لاء يا أمي، مفيش. والشهر الجاي برضه مش هقدر أطلعلك الجزء المعتاد من المرتب، لأن مصاريفنا زادت، وآية بتلم إيدها عشان قسط العربية الجديد، والأسعار بقت نار بره وأنتِ عارفة. يادوب المرتب بيكفينا لآخر الشهر بالعافية ونمشي أمورنا.
الست ميرفت تنحت، ووشها البشوش اأتقلب في ثانية لوش خشب وجاف:
— إيه؟ مش هتديني المصروف يا أحمد؟ ومن أول الشهر كمان؟ جرى إيه يا بني، هي الست آية لوت دراعك ولا مشياك على عجين مبلبط؟ دي أمك يا أحمد! لحمي ودمي اللي كبرتك! بقا تمنع عني اللقمة والقرشين عشان خاطر قسط عربية وست؟
أحمد مكنش قادر يستحمل أكتر من كده. كان خايف يطلع الموبايل ويفرجهالها ويهد كل حاجة، فقال بسرعة وهو رايح ناحية الباب:
— مفيش ميزانية يا أمي وخلاص، الكلام انتهى. يلا تصبحي على خير.
خرج أحمد وقفل الباب وراه، وساب أمه واقفة في الصالة تبرطم وتدعي وتتحسبن وهي مش فاهمة إيه الانقلاب المفاجئ ده اللي حصل لابنها الطوع الهادي.
لما رجع أحمد الشقة، حدف المفتاح لآية على الترابيزة وقال بتعب:
— أهو المفتاح يا ستي، والمصروف اأتقطع من الشهر الجاي والزيارات اأتنست. ارتحتي كده؟
آية مسكت المفتاح بحسم وحطته في شنطتها:
— اه ارتحت يا أحمد. والراحة دي ليك أنت قبل ما تكون ليا، بكره لما تلاقي فلوسك بدأت تظهر وتعمل حاجة، وتلاقي تلاغتك عمرانة ومفيش نكد ولا شك، هتعرف إن مراتها حمت بيتك من الخراب.
مرت الأيام، وجه شهر جديد. وبدأت الميزانية تظبط فعلاً مع آية وأحمد. الفلوس بقت تقعد لآخر الشهر، والتلاجة بقت تفضل مليانة وخيرها فيها. أحمد كان لسه جواه حتة زعل وكسرة من ناحية أمه، بس كان شايف بعينه إن بيته بقى أهدى، ومبقاش فيه خناق الصبح على قالب الجبن ولا علبة اللانشون.
الست ميرفت مكنتش من النوع اللي يسكت بسهولة. لما لقت المفتاح اتسحب والمصروف اأتقطع، ولقت إن آية ومروة جارتها دايماً واقفين في البلكونة وبيراقبوا الشارع، عرفت إن اللعبة مبقتش سهلة. فقررت تغير الخطة وتلعب على الحبل التاني؛ حبل “المسكنة والظلم” قدام العيلة كلها.
في يوم الجمعة اللي بعده، آية وأحمد كانوا قاعدين بيفطروا في هدوء، فجأة موبايل أحمد رن. كان أخوه الكبير حسن. أحمد فتح الخط:
— أيوة يا حسن، صباح الخير.
جاله صوت حسن عالي وزاعق ومليان غضب ومقاطعة:
— صباح الزفت يا أحمد! أنت فين؟ بقا أنت يا راجل يا محترم، تمنع المصروف عن أمك الغلبانة العيانة؟ وتطردها من شقتك وتسحب منها المفتاح كأنها غريبة؟ وتخلي مراتك المحاسبة تملي دماغك عليها وتتحكم فيك؟ أمك قاعدة بتبكي بدموع عينيها وبتقول إنك رميتها ومبقتش عايز تشوف وشها! انزلنا حالا عند أمك في البيت، أنا وحسين مستنيينك هنا، وعايزين نشوف أخرة القسوة والافترا دي إيه مع الست اللي ربتك!
أحمد وشه جاب ألوان، وبص لآية بخوف وارتباك واللقمة وقفت في زوره. حسن قفل السكة بعنف من غير ما يديله فرصة يشرح.
آية سمعت كل الكلام لأن صوت حسن كان طالع من السماعة العالية. مسحت إيدها في الفوطة بمنتهى البرود، وقامت وقفت وقالت وعينها بتلمع بتحدي:
— اأجهز يا أحمد والبس أحسن هدوم عندك.. النهاردة الجمعه، واللمة هتبقى حلوة أوي في بيت حماتي.
أحمد بلع ريقه وقال بخوف:
— آية.. أنتِ هتعملي إيه؟ بلاش فضايح أرجوكي!
آية ابتسمت وثبتت الطرحة على راسها قدام المراية:
— مفيش فضايح يا أحمد، احنا رايحين نرد كرامتنا بالدليل والبرهان. والست اللي اأتبلت عليا وقالت إني منعتها وطردتها، لازم العيلة كلها تعرف هي اأ تمنعت ليه وبأمارة إيه! شيل الموبايل بتاعك في جيبك، وخلي شحن موبايلي مية في المية… الحفلة هتبدأ حالا!
تفتكروا آية هتعمل إيه في بيت حماتها قدام حسن وحسين؟ وهل الست ميرفت هتقدر تلف وتدور وتطلع نفسها بريئة، ولا الفيديو هيقضي على كل الحجج ويهد العيلة؟
